الاتحاد

دنيا

حلم المكفوفين··· هل يرى النور؟


نازلي ناصر:

يقول علي موسى إبراهيم، من كلبا الشارقة (طالب في الصف الثالث الإعدادي):
''إن وجود صحيفة للمكفوفين بطريقة برايل يمكننا من التواصل مع المجتمع ومعرفة الأخبار العالمية والمحلية من جهة، وتعرف المبصرين بمدى إنجازات المكفوفين وقدراتهم من جهة ثانية''·
''من حقنا أن نقرأ''، هكــــــذا يتابع علي كلامـــــــه مفنداً بعض الاعتقادات الخاطئة الرائجة في المجتمع عن المكفوفين، ومنها أن المكـــــفوف لا يرى وبالتالي ليس له فائدة في المجتمع، مؤكداً أن العكس هو الصحيح، فالمكفوفون يتمنون أن تكون لهم كل الحقوق التي حصل عليها غيرهم·

لا مكان للعزلة

ولا يختلف موقف إبراهيم حسن من رأس الخيمة (طالب في الصف الثالث الإعدادي) عن زميله علي، حيث يرى ''أن هذه الصحيفة حاجة ملحة للمكفوفين، وعدم وجودها يشعرنا بعزلة عن المجتمع· نحن نتمنى أن تكون لدينا صحيفة لنقرأ أخبار العالم والأخبار المحلية· إن بين المكفوفين من يهتم بمتابعة الأخبار السياسية والرياضية والاجتماعية، ومن حقهم أن يقرؤوا حتى وإن توفرت لهم أخبار التلفزيون والراديو الذي تعتمد على السمع فقط، ذلك أن الصحيفة تنشر الأخبار بتفاصيل أكثر وتحمل الكثير من التحليلات والتعليقات التي لا توجد في الخبر التلفزيوني أو الإذاعي، فلماذا نحرم من قراءة الأخبار؟ أعتقد أن الصحيفة أكثر إلماماً بما نريد معرفته، ومن خلالها نشعر أننا نمارس حياتنا كالناس المبصرين وبأننا جزء من المجتمع· المبصرون لهم صحفهم التي يقرؤونها فلماذا لا يكون لنا مثل ما لهم؟''·

حاجة ملحة

ويضم محمد مبخوت الصيعري من العين (طالب في الصف الثاني الإعدادي) صوته إلى الأصوات السابقة، مؤكداً أن الفكرة جيدة وضرورية، يقول:
''أتمنى أن تصدر صحيفة بطريقة برايل باللغة العربية أو اللغة الإنجليزية، فنحن نرغب في التثقف والتواصل مع العالم من حولنا، ولهذا نطلب من الآخرين أن يقرؤا لنا الصحيفة لكننا حينها نشعر بالعجز والنقص، وفي وجود صحيفة خاصة بنا نستطيع قراءتها بأنفسنا سينتفي أي شعور بالعجز أو النقص، وسوف أشعر أنني مثل المبصر تماماً· ومثلما يستطيع هو أن يقرأ متى شاء، أنا أيضاً يمكنني أن أمارس حياتي العادية وأقرأ حين أشعر بالرغبة في القراءة·
هكـــــــــذا جاءت آراء الطلاب المكفــــــــوفين الذين أكــــــــدوا أنهم ســــيشعرون بالســــــعادة حقاً في حال توفرت لهم صحيفة مكتوبة بطريقة بريل، بل وســـــوف يساهمون بها إذا ما طلب منهــــم ذلك··· لكن كـــــــيف ينظر المتخصصون إلى مثل هذه الفكـــــــرة، وما مدى إمكانية تطبيقها في الواقع؟

فكرة رائعة··· ولكن!

يقول الدكتور عماد الغزو من كلية التربية في جامعة الإمارات - قسم تربية خاصة: ''هذه فكرة رائعة حقاً لكن تطبيقها يواجه بعض العقبات، فمثل هذا المشروع يحتاج إلى موارد مادية وبشرية، ونحن نتحدث عن شريحة المكفوفين وهؤلاء عددهم قليل في الدولة· بيد أن مثل هذه الصحيفة ستزيد ثقافة الكفيف وقدراته العقلية وذكائه مما يسهم بالتالي في تحصيله الجامعي بشكل خاص حيث توجد طالبات كفيفات يدرسن بالجامعة، وفي ارتقاء مكانته في المجتمع بشكل عام· وعلى حد علمي، لا توجد في الدولة أو في الوطن العربي صحف أو مجلات متخصصة أو قصص للطلبة ذوي الإعاقات البصرية· صحيح أن هناك الأجهزة المتطورة الناطقة لكنها باهظة التكلفة وليس في مقدور الغالبية شراؤها، كما أنها متعبة لأن المكفوف يمسك بالآلة ويمررها على الكتاب أو المجلة فتبدأ بالقراءة· بينما إذا كانت مصورة بطريقة برايل يستطيع الشخص نفسه قراءتها في أي مكان يتواجد به·

المساواة في المعرفة

أما الدكتورة هالة متولي من قسم التربية الخاصة فترى ''أن مثل هذا الفعل يحقق المساواة بين الطلاب، ويتيح لهم فرصاً متساوية في الحصول على المعرفة والمعلومات· كما تشجع الطلبة ذوي الإعاقات البصرية على متابعة الإعلام المقروء وهذا ما لا يتوفر لهم حالياً، ففي معظم الأحيان تتاح لهم فرصة الاستماع للتلفاز والراديو علماً بأن الصحيفة تحتوي على آراء وتحليلات ومعلومات لا نجدها في الإذاعة والتلفاز''·
وتؤكد الدكتورة هالة أن إنشاء صحيفة لفاقدي البصر ستكون تجربة متفردة، وتتوقع أن تدفع المجتمع خطوة إلى الأمام، وتتمنى أن تتبنى جميع الدول العربية مثل هذا المشروع الذي سيسهم في دمج المعاقين بالمجتمع وكسر عزلتهم·

آفاق جديدة

''فكرة ممتازة جداً''، هكذا يعلق الدكتور سمير دقماق من كلية التربية - قسم التربية الخاصة،
موضحاً أنها ستجعل المكفوفين على علم بما يحدث من حولهم· ويضيف: بالرغم من وجود الراديو والتلفاز الذي يستطيعون متابعة الأخبار من خلالهما، إلا أن هذا لا يمنع من أن تتوفر لهم جميع الفرص المتاحة للمعرفة، فمن حقهم أن يحصلوا على كل الوسائل التي تزودهم بالمعلومات·
بالنسبة لي شخصياً، أشجع هذه الفكرة لأنها تعطي للمكفوفين حقوقهم وتحقق لهم المساواة مع الآخرين، وتفتح لهم أفقاً أكثر تنوعاً واتساعاً، وتساعدهم على الكتابة وإبداء آرائهم حول ما ينشر في الصحيفة، وما يجري في المجتمع· وبالرغم من وجود الكمبيوتر والتكنولوجيا المتطورة التي تساعد المكفوف على تصفح الإنترنت، إلا أن هناك الكثير من النشاطات والقضايا الاجتماعية والنفسية والسياسية التي لا تذاع في التلفاز والراديو ونجدها في الصحف فقط·

عمل إنساني

وينظر الدكتور قيس التميمي من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - قسم الاتصال الجماهيري إلى الأمر من زوايا أخرى، فهو يعتقد أن ''صدور صحيفة إن لم يكن نشرات لأصحاب ذوي الاحتياجات الخاصة عمل إنساني جدير بالذكر، ويستحق الاحترام والاهتمام من المسؤولين والمجتمع كافة· علاوة على أن إنشاء صحيفة يحتاج إلى عمل مضنٍ وجهد كبير· إن هذه الشريحة منسية في كل المجتمعات تقريباً وينبغي الاهتمام بها وإظهار إنجازاتها، وإنشاء صحيفة تعرف بجهودهم وتشجعهم على العطاء وبذل الجهد ليكونوا جزءاً من هذا النسيج الاجتماعي الوطني عمل مهم جداً وعظيم ويحتاج إلى من يتبناه ويموله ويحوله إلى حقيقة·

التعبير عن الرأي

ولا تكتفي الدكتورة سعاد من قسم علم النفس بوصف الفكرة بأنها رائدة بل تؤكد أنها تحتاج إلى إمكانات مادية كبيرة، تقول: تحتاج هذه الصحيفة إلى متخصصين ملمين بلغة برايل التي يستخدمها المكفوفون وبالمواضيع التي تهمهم· ولا بد من معرفة ذلك من المكفوفين أنفسهم فهم أدرى بما ينقصهم، وبالموضوعات التي يحتاجون إلى قراءتها· وينبغي معرفة على ماذا ستركز الصحيفة هل ستهتم بالجانب السياسي أو الرياضي أو الثقافي وهل ستكون شاملة؟
يمكن لهذه الصحيفة أن تتيح للمكفوفين الفرصة للتعبير عن آرائهم ومشـــــــــاعرهم وما يجول في دواخلهم، تماماً كما هي الحال في الصحف العادية· وأرى أن يشارك المكفوفون في الكـــــــتابة بها وتوزيعـــــــها، وأن تكون مترجــــــــمة إلى اللغة العربية البسيطة حتى يستطيع الإنسان العادي قراءتها·

صحيفة عربية

ويتساءل الدكتور محمد يونس بعد أن يؤكد على جودة الفكرة: هل سيستفيد منها عدد كبير من فاقدي البصر؟
ويجيب: لمعرفة الإجابة عن سؤال كهذا لا بد من إجراء دراسة على هذه الفئة من الجمهور، وهل يستحق الأمر حقاً هذا الجهد الكبير، فالصحيفة تحتاج إلى جمهور وقراء والمبصر لن يستخدم هذه الصحيفة· وإذا كان عدد المكفوفين في الدولة قليل، يمكن أن تكون الصحيفة للوطن العربي بشكل عام· عندها ستكون أفضل مشروع لصحيفة عربية، وسيكون الجمهور المستفيد منها أكبر· بالطبع هناك مشاكل تتعلق بكيفية توزيع الصحيفة، وكيفية التواصل مع الجمهور، وطبيعة الكتابات التي ستنشر، وطاقم التحرير الذي يجب انتقاؤه بشكل معين يخدم الصحيفة وله علاقة بالمكفوفين بشكل أو بآخر، بالإضافة إلى مسألة الكتابة نفسها إذ لا بد من وجود شخص محترف في الكتابة بطريقة برايل أو مطبعة قادرة على الطباعة بهذا الأسلوب· الفكرة مطلوبة، ولا شك في أنها ستسد فجوة موجودة في الواقع، فحتى الآن لا توجد صحيفة مكتوبة بطريقة برايل في الوطن العربي·

ضد التهميش

الدكتورة عائشة النعيمي من قسم الاتصال الجماهيري تلمح إلى اللفتة الإنسانية التي يتميز بها هذا المشروع، وتقول:
أعتقد أن هذا المشروع يلبي احتياجاً مهماً لدى المكفوفين، خاصة على صعيد التواصل الإعلامي ومعرفة الأحداث والأخبار اليومية ومتابعتها· كما يعزز الترابط والانتماء بين أفراد المجتمع بشكل عام، وينتصر لفكرة عدم تهميش فئات من الجمهور حتى لو كانت لا تستطيع التواصل بالشـــــــــكل الطبيعي مع المادة الإعلامــــــــية الصحفية سواء كانت صحافة مكتوبة أو إلكترونية· لكن هذه الفكــــــــــرة رغم جودتهــــــا يصعب إنجــــــازها أو تحقـــــــيقها لأنها تحتاج إلى تمويل كبير، وكادر على مستوى عالٍ من التخصص لكي تكون الصحيفة مؤثرة وتلعب الدور المبتغى منها· كما أنها ستحتاج إلى الجمهور، فهل هناك حقاً من سيقرأ هذه الصحيفة أم أن الأعداد بسيطة؟

حاجة معرفية

الدكتور عبد العزيز الجبوري من قسم الاتصال الجماهيري، يؤكد على أن الإنسان يجب أن يعلم (يعرف) ما يدور حوله من أحداث وقضايا تمس حياته بشكل مباشر وغير مباشر· وأن فاقدي البصر مثلهم في ذلك مثل الأشخاص العاديين، فهم إحدى الفئات الاجتماعية التي ينبغي التعامل مع أفرادها على أنهم جزء من المجتمع لا تمنعهم إعاقتهم من تأدية واجباتهم ودورهم في بنائه· ولأن وسائل الاتصال السمعية لم تترك مجالا للصحافة لأداء الخدمة المعلوماتية لهذه الشريحة يصبح لزاماً أن نفكر قليلا بتلبية حاجاتهم المعرفية والمعلوماتية عن طريق الصحف الخاصة مستخدمين أنظمة متطورة في إيصال المعلومات إليهم·

اندماج وتواصل

الأخصائية الاجتماعية صالحة العامري وصفت الفكرة بـ ''الرائعة'' لأنها تدمج المكفوفين في المجتمع، فمن حقهم أن يمارسوا حياتهم الاجتماعية كباقي الأفراد ومن حقهم الحصول على المعلومات والأخبار اليومية·
الرأي نفسه جاء من الأخصائي الاجتماعي أحمد الذي رأى أن وجود صحيفة خاصة بالمكفوفين سيعزز اندماجهم في المجتمع والتواصل معه، مؤكداً أنها فكرة صائبة وحسنة ستسهم أيضاً في نشر الوعي والثقافة وتطوير المجتمع·

اقرأ أيضا