الاتحاد

كن كالغريب أوعابر سبيل

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ''كن في الدنيا كالغريب أوعابر سبيل''، وهذه الوصية من أعظم الوصايا وأجمل النصائح، فإنها وصية خير النوع وفيها معرفة لحقيقة الدنيا، فإن عدم التعلق بها أسهل على القلب وأريح للنفس، لأنها أكبر المشاغل وأعظم ما يلهي عن الله عز وجل، ثم إن التعلق بالدنيا فيه صد عن الآخرة وإعراض عن الله وإتعاب للقلب، فإن أكثر الناس أسفاً على الدنيا أكثرهم تعلقاً بها وتحرقاً عليها وحباً فيها وهياماً بها، فما أعظم مصائبهم فيها وما أعظم زراياهم، لأن الدنيا نفيسة عندهم اثيرة لديهم يخافون فيها طوارق الحدثين ويرهبون من تغيرها بهم يريدونها قارة دارة تذلل لهم فيها الصعاب وتحصل لهم فيها الرغاب لأنهم ما عرفوا حقيقة الدنيا اصلاً، فهم أهل ظن لا يقين وبدايات لا نهايات لم يقرأوا تاريخ الدنيا على الحقيقة ولم يحيطوا بوضعها علما، والا فإن من عرف الدنيا حق المعرفة رضي منها بالقليل وتهيأ للرحيل وخاف الجليل وعمل بالتنزيل، فما افجعها من دار واصعبها من مسكن فإذا كان العبد فيها كالغريب قلت فيها قناعته فهو منتظر القدوم كالمسافر على الشاطئ يعد العدة لركوب سفينة الرحلة·
لذا حق على كل ناصح لبيب ان يجعلها ممراً لا مقراً وان يزود بها نفسه بالصالحات، لا يأسف على نقصها ولا يتحسر على قوتها ويرضى منها القليل ويأخذ منها الكفاية فهو في ليله ونهاره دائب ناصب يجمع الحسنات ويمحو السيئات عندها سيكون أسعد الناس حظاً وأعظمهم راحة، لأنه أراح نفسه من منغصات العيش، كما قال أحد الزهاد: فرحت بعيشي لا ببيت يخرب ولا مكيال ذهب ولا ولد يموت، فيا من عرف ربه وما أعد لعباده في الآخرة اصرف نظرك عن هذه الدار وحوِّل بصرك عن هذه السكن، فإن الدنيا عمرها قصير وزادها حقير وسفرها طويل ان اعطت أخذت وان اضحكت ابكت وان اسعدت اشقت· فالله المستعان·

محمد خميس السويدي- أبوظبي

اقرأ أيضا