الاتحاد

عربي ودولي

الذات كنص.. جوليا كريستيفا والأنا المتكلِّمة..

ذياب شاهين:

بدأت موضوع الذات في الفكر الفلسفي الحديث مع الفيلسوف رينيه ديكارت بوصفها ذاتاً مفكِّرة في الكوجيتو المعروف (أنا أفكِّر إذن أنا موجود)· إلا أن عالم النفس الفرنسي جاك لاكان، كان قد قدم توصيفاً للذات يجعلها مُنشطرة على غرار ما ذهب إليه سيجموند فرويد عندما قال: أنا أفكِّر حيث لا أوجد، إذن أنا أوجد حيث لا أُفكِّر· وبعمله ذاك كان قد قوَّض محور الفلسفة المثالي الذي دعم وأكَّد على أهمية الذات المستقلة والمفكِّرة·
ولكن هذا الانشطار بين ذات واعية وأخرى لا واعية، بدأ يجد تداعياته في ميادين معرفية أخرى كالسيميولوجيا والظاهراتية وغيرها، ولكنها بقيت ذاتاً متكلِّمة· وحول ذلك قال جي هيو سلفرمان: الذات المتكلِّمة متجسِّدة، وتجسُّدها يمكن أن يُقرأ كنص؛ فالذات المتكلِّمة مركوزة في اختلاف قائم بين ما هو سيميائي ورمزي، أو بين لغة مباشرة ولغة محضة· وهذا يعني أنها، أي الذات المتكلِّمة، تمثل علامة تجمع إليها بين ما هو قصدي أو هو غير ذلك أو مابين اللامباشر والمحض، وهي ذات مرجعية لنشاطين مختلفين هما كل من نشاط جوليا كريستيفا وموريس ميرلوبونتي الفلسفيين·
صدور كتاب جوليا كريستيفا (سيمياء) في العام ·1969 وهو جاء بعد سنتين من صدور كتاب جاك دريدا الشهير (الكتابة والاختلاف)· كما أن كتابها (ثورة في اللغة الشعرية) عبَّر عن مساهمة كبيرة داهمت به كريستيفا المشهد الفلسفي عام 1974 سوية مع كتابها الأول· وفي كتاباتها عن (الذات المتكلِّمة) تورد أسماء مثل دريدا، إدموند هوسرل، سيجموند فرويد ، دي سوسور، ولكنها عندما سُئلت في إحدى المحاضرات عن ورود مصطلح الذات المتكلِّمة عند ميرلوبونتي دعت إلى فحص اضافي لنشاطها حول الذات المتكلِّمة ونشاط ميرلوبونتي وكأنها تلمِّح إلى وجود اختلاف بين النشاطين·
وفعلاً، تقترح كريستيفا في كتابها (سيمياء) قراءة جدولية للنصوص، ويتعلق الأمر هنا باكتشاف الفونيمات (الحروف) المنتشرة في النَّص، والتي يشكِّل اصطفافها الخطي (الزمني) الكلمة - الموضوع، وهي فيه تعتمد التحليل النفسي، إذ أن ظهور الكلمة المُحتجبة يعبر عن عودة المسكوت عنه، والمغيَّب، والغائر في اللاوعي·
إن علاقة السيميائي بالرمزي عند كريستيفا هي علاقة جدلية تتجسَّد من خلال ما يؤديه كل منهما من وظيفة في الخطاب، سواء كان نظرية أو نصاً سردياً أو شعرياً، قد يجد أحدهما نفسه مستلباً من الآخر، إلا أنهما يعملان مُتعاضدين ولا يقصي أحدهما الآخر، وهذا يبدو جلياً من خلال التاريخ الطويل لمصطلحي (السيميائي والرمزي)، وهي أيضاً تحاول أن تقارب الرمزي من خلال علاقة الدال (الكلمة) بالمدلول (التصوُّر) حالها حال دي سوسور عندما تجمع الإشارة اللغوية لديه بين الملفوظ والفكرة، إلا أن الإشارة اللغوية كما هو معروف اعتباطية عنده بينما العلاقة رمزية لدى كريستيفا·
وما نذهب إليه هنا قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه بعيد عما هو فلسفي ولكنه حقيقة لا يبتعد عن الفلسفي؛ إذا لم يكون في واقعه مفعماً بالفلسفي، ولكنه مسكوت عنه، وبذلك يقول إيكو عن العلامة إنها إشارة واضحة تمكننا من التوصُّل إلى استنتاجات بشأن أمر خفي وهو في الواقع ينتقد صمت الآخرين حول حقيقة أن علم العلامات يمثل خطاباً فلسفياً بحد ذاته، وكأن العلامة حديث عن أعراض طبية أو معاًلم جريمة أو حتى مؤشِّر عن الأحوال الجوية·
وجدت كريستيفا في تحليلات جاك لاكان مجالاً في إبداء تصوراتها عن الرمزي في العلاقة بين الدال والمدلول، وتجد في الجانب التحفيزي لها ما هو كامن في دوافع لاشعورية خالصة، وتستعين بمقولات (لاكان) حول (الإزاحة)، وكذلك (التكثيف)، وعلاقتهما بمقولات بلاغية معروفة هما الكناية (علاقة تجاور) والاستعارة (علاقة تواز)، وهو ما كان قد استخدمه لتفسير لغة الحلم، وإذا كان لاكان قد اعتمد في تحليلاته تلك على جاكوبسن وفرويد، فإن كرستيفا تجد في تلك المقولات ما ساعدها في انتشال الرمزي من الاعتباطية السوسيرية، فعندما يزاح الدال (الإزاحة) إلى آخر مجاور (الكناية) أو عندما يتضمَّن (التكثيف) تعدُّد المدلولات في دال معين، وهو ما يسمى بالاستعارة، وهذا يقود بالضرورة إلى الجوانب البنيوية في اللغة والذي يحيل إلى الدلالة وهو ما تدعوه كريستيفا بالرمزي·
إن اللاشعور كما هو معروف مكان الرغبة والأحداث المكبوتة،وبالتالي سيكون الرمزي نتاج لما هو اجتماعي على مستوى العلاقة بالآخر مُتأسِّساً من خلال الاختلافات البيولوجية (الجنسية مثلاً)، والبنى الاجتماعية والتاريخية للعائلة، وكذلك ما تفرزهُ من اشتراطات وحدود موضوعية، وكأننا أمام لغة ثانية تحدِّدها الظروف الأخرى التي يجد الكائن فيها ذاته وسيكون الرمزي هنا أداة لهذه الأطر وسيكون متداولاً بين أفراد هذه البيئة·
إن الرمزي عند كريستيفا مرتبط بقانون الأب كما عند جاك لاكان، حيث ترى أن الأم كانت تضطلع بالمهمة الذكورية، وعندما أصبحت هذه الوظيفة رمزية فقدت الأم منزلتها الأولى، وبالتالي فقدت الذات الإنسانية ما كانت تعتمد عليها لتصبح الوظيفة القضيبية وظيفة رمزية وهذا جعل الرمز يستكمل تشكله الخاص به ويجعل الذات وكأنها شيء تحت التجربة، ولنجد التداول قد نُمِّط من خلال الرمز معضداً العلاقة بين الدال والمدلول من خلال التوليد السيميائي أو السيميوزيس·
إن الذات المتكلِّمة عند كريستيفا هي ''ذات نصية'' تنهل من اللا شعور وتتناص مع ذوات الآخرين، وهي تتعامل مع الذات بوصفها نصاً قائماً بذاته، وهي بذلك تتقاطع بحق مع الذات المتكلِّمة عند ميرلوبونتي، والتي هي ذات صامتة، وقال في هذا الصدد: إذا أردنا أن نفهم اللغة باعتبارها عملية أصلية، فعلينا ألا نتظاهر بالكلام مطلقاً، وأن نخضع اللغة لاختزال من دون أن نجعلها تروغ منا بأن تحيلنا على ما تدلُّ عليه، وأن ننظر إلى اللغة بوصفنا صُمَّاً ينظرون إلى أولئك الذين يتكلَّمون، وأن نقارن فن اللغة بفنون التعبير الأخرى، أو أن نجرِّب رؤيتها باعتبارها أحد الفنون الصامتة·
ولكن يبقى كل منهما يفهم اللغة سواء ما يُسميه ميرلوبونتي باللغة المباشرة أو ما تسميه كريستيفا بالرمز كوظيفة شعرية أو تصويرية دون محدِّدات أو اشتراطات سواء أكان ذلك توكيداً تنظيمياً أم شكلياً·

اقرأ أيضا

إصابة فلسطينيين اثنين برصاص الاحتلال جنوب غزة