الاتحاد

عربي ودولي

شواهد - السعد عمر المنهالي

لا المُطلقة للإبداع

بدأت الدنيا بكلمة ''لا''، وفيما يظل الأغلب قابلا بكل شيء، يتحرك الأقل بـ''لا'' ضاربا بها كل ما يراه، ليعيد بناء دنيا الآخرين، أو ليخلق دنياه الخاصة، وفي طريقه لأيهما يُعمل النقد، فيحاول فهم ما حوله، ويفككه، ثم يفسره، ويرده إلى أسبابه ونتائجه، ويتنبأ بمستقبله، هذا لو استمر، أو عارضا لمستقبل آخر محاولا إقناع الآخرين به، ثم يعود ناقدا عرضه الجديد فيما بعد، وهكذا، فمن يقول لا، عليه أن لا يتوقف·
تأتي أهمية الحرفين، كون كل الحروف تبدأ بعدهما، تتدفق حتى تأتي الكلمة المعاكسة، فتوقف التدفق· بها بدأ الفرنسيون عامهم الجديد، فرفعوا لافتات -قبل الساعات الأولى من صباح العام الجديد 2007- كتب عليها ''لا لعام ،''2007 ظلوا يهتفون بها، حتى دقت الساعة ودخل العام الجديد، فأسرعوا بالهتاف ''لا لعام ،''2008 المثير أنهم تعهدوا بالعودة في الحادي والثلاثين من ديسمبر المقبل ليهتفوا ضد العام المقبل!
دعا المتظاهرون إلى تعليق المستقبل، تجميده، إلغاءه، أجهل تماما كيف يتوقعون حدوث ذلك، واعلم أن حالهم كذلك، ولكنهم أطلقوا بفعلتهم هذه علامات استفهام لا نهاية لها، حول الكيفية التي يرون فيها واقعهم، ولماذا يرفضون مستقبلهم· ولكني أوقن أن اغلب من عرف عن فعل المتظاهرين نعتهم بالمجانين، بينما أراهم مجموعة من الفلاسفة تعيد إحياء ذكرى فيلسوفهم ''رينيه ديكارت''، بطريقة مختلفة، فجاءت جملته الشهيرة ''أنا أفكر إذن أنا موجود'' لتتحول إلى ''أنا ارفض إذن أنا موجود''!
يبدأ النقد الحقيقي بالرفض، وعدم قبول العلات، فلا علة لأي شيء، العلة يصنعها الواقع، والواقع يتغير، إذن تتغير العلل، وبالتالي يتغير الواقع، المهم أن نمارس ''لا'' فعلا لإحداث التغيير، والتأثير على العام، وخلق رأي عام ينفض القديم الذي سكت عنه الأغلب، وقلب القديم رأسا على عقب بجديد، مختلف، خلاق، مبدع، جميل، بجمال هذا الكون·
يبقى الشرط الوحيد لكي تكون ''لا'' بهذا الجمال، أن تكون ناقدة، مفسرة، طارحة لخيارات جديدة، مطلقة لحريات مبدعة لا مخربة، أن تكون على استعداد للعودة إلى ''نعم'' الأولى في حال فشل التغيير الذي فعله ''لا''، استعداد ذهني يؤكد على نية المجدد في بحثه عن الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة عودته إلى حاله، فيكفيه هنا أنه اكتشف أن حاله كان الحقيقة·

اقرأ أيضا

صحفية تركية: النظام في أنقرة غير ديموقراطي ويقمع معارضيه