الاتحاد

الإمارات

إعلام بلا أرقام .. كيف يستقيم الأمر؟ !

أحمد مصطفى العملة

رغم أهميتها القصوى، تتجاهل الصحافة العربية الاستطلاع أو المسح كأداة مهنية موضوعية لرصد بعض الظواهر من حواليها. والأسباب بالتحديد غامضة أو لنقل إنها معقدة ومتشابكة. بعضها يتعلق بصناعة الصحافة نفسها، والآخر يتعلق بالثقافة السائدة في المجتمع ككل وموقفه التاريخي من الأرقام.
ويكتسب الاستطلاع أهميته باعتباره يساعد في تحديد مواقف الرأي العام من قضايا معينة في المجتمع، من خلال جهد علمي رصين. وبناء عليه تستطيع الجهات المعنية اتخاذ القرارات ورسم الخطط وتحديد المواقف، على أسس موضوعية.
بل إن المسوح تساعد المجتمع نفسه على أن يعرف عن نفسه، ما قد يجهله في لحظة تاريخية معينة. ومن ثم فإنه يستطيع باستمرار التخلص من أية أوهام أو تصورات مسبقة قد تسود بين الناس، ويعتقد كثيرون في صحتها، بينما هي في الحقيقة منقطعة الصلة بالواقع.
يعني ذلك أن يبقى الوعي الجمعي للناس في أفضل حالاته. فلا يمكن - مثلا- لأي فئة أو تيار أن يخطف المجتمع أو ينحرف بمساره في اتجاه معين في لحظة ما، بناء على حملات دعايات مغرضة لتزييف الوعي.
وهذه هي الوظيفة الأهم للأرقام في المسوح والإحصائيات.. فهي محايدة للغاية، وغير منحازة، وتراكمها في هذا الاتجاه أو ذاك مؤشر دال على الواقع منزوعاً عنه أي تهويمات أو ضلالات.
أما لماذا هي غائبة عن صحافتنا عموماً في حالتها الخام أو ضمن مسوح واستطلاعات، على الرغم من كل ما سبق؟ ! فذلك سؤال صعب.
ربما جزء من الأمر يتعلق بالعلاقة السيئة أساساً بين كثيرين من أبناء المهنة (مثل قطاع عريض طبعاً في مجتمعاتنا العربية)، وبين الرياضيات كعلم أساسي وضروري في الحياة. ليس فقط لأن كل ما يتعلق بالأرقام قد يبدو معقداً، بل لأن الأرقام ربما تناقض جوهر ثقافتنا العربية الشرقية التي يشيع فيها استخدام تعابير غامضة غير محددة مثل «قبل» و«بعد»، فضلا عن أن اللغة العربية بطبعتها البلاغية الساحرة، تعتمد كثيراً على المجاز والاستعارات، ناهيك عن هيمنة أطوار الشمس (وليس الوقت) على حياة الناس لارتباطها بالصلوات الخمس. فالأرقام هنا تلعب دوراً ثانوياً لأنها متغيرة بينما الثابت هو الفجر والظهر.. إلخ. وكل ذلك بالتأكيد يجعل وضع الأرقام بتعبير دبلوماسي «غير مريح» في ثقافتنا.
الأمر الثاني، يتعلق بغياب الشركات والمؤسسات التي تستطيع القيام بمهام المسح. ففي الغرب مثلا توجد مؤسسات محترفة لقياس الرأي العام لحساب صحف وأحزاب وجهات كثيرة أخرى، لرصد التوجهات العامة بشأن بعض القضايا.
هذا النوع من المؤسسات موجود في منطقتنا على استحياء. وقليلة هي المؤسسات الصحفية التي تعتمد عليها لإجراء مسح بشأن قضية ما. ببساطة لأن الحاجة أم الاختراع.. والعكس صحيح طبعا!

اقرأ أيضا

رئيس الدولة يتلقى رسالة خطية من الحاكم العام لنيوزيلندا