الاتحاد

الإمارات

الروائي خليل النعيمي: المكان يصنع المخيلة الإبداعية

حاوره ـ أحمد خضر :

غادر الجزيرة السورية منذ ربع قرن إلى باريس ، وما زال زهرة برية يحن إلى حبات الرمل في الصحراء العذراء ، التي تلهمه نسيمات الصبح الطليق فيها الكتابة ،هو بدوي ، ولكنه حداثي متطور منفتح على الحضارة ، إنه الروائي والطبيب خليل النعيمي الذي سافر إلى باريس وتخصص في الجراحة، وتابع دراسته في الفلسفة السياسية، والذي يعتبر نفسه في الأصل روائياً، صدرت له عدة روايات منها ( الرجل الذي يأكل نفسه ) ( الشيء )( الخلعاء )
(القطيعة ) ( تفريغ القاتلة ) و ( دمشق 67 ) كما كتب كتابين في أدب الرحلة عن المدن التي سافر إليها وهما ( مدن ونصوص ) و ( الحج إلى هاري دوار ·· كتاب الهند) ، ومعه كان لنا هذا الحوار:
حالات إنسانية
يلاحظ أن العناوين الفلسفية جذبتك في أعمالك الروائية ؟
لم تجذبني العناوين الفلسفية ، لأن الحالات الإنسانية التي أكتب عنها وفيها هي حالات إنسانية ، وبالطبع فإن اللحمة الأساسية لكل حالة إنسانية هي لحمة فلسفية أساساً ، ومن جهتي أنا أتصور أن الكتابة بدون بنية فلسفية أو منظور فلسفي وأخلاقي ستكون كتابة إنشائية حتى لو كانت جميلة ·
أين تتواجد هذه الحالات الإنسانية التي تركز عليها في الكتابة ؟
هي بالتحديد في العالم العربي ، وبالخصوص في موطني الأصلي سوريا ، فأنا ما زلت أكتب حتى الآن عن دمشق ، وعن الجزيرة السورية ، وبالطبع التعمق في الخصوصية المحلية كما صار معروفاً يتضمن بعداً إنسانياً أشمل ·
ألا زالت تلازمك الحياة الهامشية رغم بعدك عن المكان والنجاحات التي حققتها في باريس ؟
بطبيعة منشأي ككائن هامشي وفقير ومن أصول بدوية تجمعت لسوء وضعها في ضواحي المدن النائية والتي يمكن الآن اعتبارها مدناً هامشية ، هذه الحالة وهذا الوضع لا بد أن يكون أحد الأبعاد الأساسية في كتاباتي ، هو البعد الهامشي ، لكنه ليس البعد البائس ، إنه هامشي من منظور محدد دون أن يكون بعداً مثيراً للأسى ، والآن بعد سنوات طويلة من وجودي في باريس أحس بأن ذلك الوضع كان وضعاً إنسانياً شديد الأهمية ، انبثقت الإرادة العنيفة عندي لكي أغير وضعي لاحقاً ·
الجراح الأديب
* كيف يلتقي الجراح الطبيب مع الجراح الأديب مع الفيلسوف ، هل أنت محترف وهاو معاً ؟
** أنا أعتبر نفسي كاتباً محترفاً بعمق ، ومنذ البدء كنت أجيب عندما يوجهون لي مثل هذا السؤال ، لماذا درست الطب ؟ كنت أجيب بأنني أريد أن أفهم الفلسفة ، وكنت الطالب الوحيد في جامعة دمشق الذي سمح له بالجمع بين الكليتين ، بين الطب والفلسفة ، ومسألة الاحتراف والهواية هي مسألة شخصية إلى حد كبير ، ونحن نعرف أن جميع الكتاب والشعراء العرب تقريباً يحترفون مهناً أخرى مثل الكتابة الصحفية ، والأعمال البيروقراطية ، وفي حالتي أنا سعيد جداً لأنني أمارس احترافين مختلفين جداً ، ويتمم ( على العكس ) مما يبدو أحدهما الآخر بشكل عميق ·
من الكتاب الذين تأثرت بهم في بدايات التجربة؟
مثل كل شخص آخر ، لا يمكن إلا أن يتأثر الكاتب بكثير وكثير جداً من الكتاب وغيرهم ، ومن نافل القول أن أقول إن كبار الكتاب العرب ، والغربيين وعلى رأسهم ديستوفسكي ونجيب محفوظ والطيب صالح وكثيرون آخرون وراء هذه المخيلة الإبداعية عندي وعند الجيل الذي أنا منه ، المهم ليس ذكر هؤلاء الكبار ، وإنما البحث عن حركة عابرة ، أو تعبير بسيط ، أو أفكار معبرة في الحياة اليومية عن الأصدقاء وغير الأصدقاء الذين تتقاطع حياتنا وحياتهم · وخارج ذكر الأسماء فإن ذات الكاتب مثل ساحة مغناطيسية هائلة القوة تلتقط بحساسية فائقة كل ما يمر بالقرب منها ، وسيكون أمراً كاذباً أن نقول إننا تأثرنا فقط بكبار المبدعين ، نحن نتأثر بكل شيء يمر بنا ·
أنواع الرقابة
من خلال اطلاعك على تجارب الأدب العالمي ، كيف تقيم أدبنا العربي في الوقت الحاضر ؟
الأدب العربي مع الأسف الشديد إلا فيما ندر جداً هو في وضع سيئ للغاية لأسباب بديهية منها غياب الحرية الإنسانية التي تعيق التعبير عن المشاعر الإنسانية الحقيقية ، وهيمنة السلطة حتى لو لم تكن تراقب ما يكتب بشكل مباشر فإنها تساهم في خلق فضاء قمعي بشكل عفوي يجعل الكاتب هو الذي يقوم بمراقبة ما يكتب وهذا أبشع أنواع الرقابة ، ومن جهة أخرى لا يمكن للكتابة العربية الاقتراب من حقل النقد للتراث العربي ، هذه الإشكالية العميقة هي التي تجعل الأدب العربي في وضع أدنى بشكل من الأشكال بالنسبة لآداب الأمم التي تجاوزت هذه المعوقات ·
ما العلاقة التي تربطك بالمكان ؟
المكان هو الشيء الوحيد الذي يصنع المخيلة الإبداعية ، وعلاقتي بالمكان علاقة عميقة ، وقد يكون هذا ناجماً أنني في طفولتي كنت أعيش بدوياً مترحلاً في بادية الشام ، في كل مرة نرحل فيها وأنا طفل أحس أنني أترك جزءاً من نفسي على تلك الرمال ، وبين تلك الشجيرات ، وهو ما لاحقني حتى الآن ، فأنا أعيش في مكان أحسه ليس لي ، وأحن إلى مكان لم يعد بإمكاني العودة إليه ·
لماذا لا تعود إلى الأمكنة الأولى ؟
لأن وعيي النقدي والعاطفي تكون في الأمكنة التالية ، ولأنني أخشى كثيراً من فعل العودة ، فأنا أكره أن أكون مضطراً حتى ولو بفعل الحنين إلى فعل أمر لا أحسني مستقلاً بإحساسي وعاطفتي عنه ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى الرغبة في معرفة المكان الأول أقوى من الرغبة في العودة البليدة إليه ، وكما قال المتنبي سابقاً :
غني عن الأوطان لا يستحثني
إلى بلد سافرت عنه إياب
فالفكرة هنا تتضمن مشكلة القطيعة الأساسية مع الذات التي تكونت في خبايا مكان ما حتى ولو كان مكاناً لولادتنا ، ومنذ فترة وأنا أكرر أن مكاني هو موطئ قدمي وليس مسقط رأسي ، لكن هذا لا يعفي من مشقة الحنين الذي أشرت إليه ·
صيغ الحداثة
ما رأيك في الحوار مع الآخر خاصة وأنك كثير الأسفار في هذا العالم ؟
الحوار مع الآخر ضروري مثل أي ضرورات الحياة الإنسانية الأخرى ، وعبر رحلاتي في العالم اكتشفت أن الحضارة المتوسطية شرقاً وغرباً والتي مصدرها الهلال الخصيب بالتحديد ومنطقة الشرق العربي حالياً ، لأن هذه المنطقة كانت مصدر الأديان التوحيدية الثلاثة ، ومصدر الفكر الأخلاقي السائد حالياً في الشرق وفي الغرب ، ونكتشف أن هذه الحضارة لا تشكل إلا نقطة صغيرة على وجه الكوكب الأرضي ، وأن هناك حضارات إنسانية كبرى تستحق الاهتمام والتفاعل معها مثل الحضارة الصينية والهندية ، وحضارة أمريكيا اللاتينية ، نحن الآن في العالم العربي من شدة تضاؤلنا أمام التطور الصناعي الغربي الصاعق نتصور أن الحوار مع الآخر هو فقط الحوار مع الغرب ، مع أن هذا الحوار مهم إلا أنه في الحقيقة حوار مع الذات التاريخية العربية أكثر مما يكون حواراً مع الآخر ، فنحن أخوة نتقاسم ماء المتوسط ، وثقافته ·
ما رأيك في حداثتنا الخاصة ؟
لنا صيغة من صيغ الحداثة ، وعلي أن أوضح أن الحداثة هي حداثة غرب أوسطية بالتحديد ، والشكل الشرق أوسطي منها هو منقول عن هذه الحداثة الأساسية ، فالحداثة تتضمن أموراً أساسية منها فصل الدين عن الدولة ، وحرية التعبير ، وحرية الحركة ، وحرية الاختيار اليومي للحياة ، وكما تعلم نحن في العالم العربي ما زلنا في كثير من بلداننا بعيدين عن هذه الحريات الأساسية·

اقرأ أيضا

نيويورك أبوظبي تطلق برنامج منحة «الشيخ محمد بن زايد» لعام 2019