الاتحاد

عربي ودولي

إسماعيل فهمي: كارتر وشاوشيسكو استدرجا السادات لزيارة القدس



القاهرة- حلمي النمنم:

مذكرات إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر الأشهر في السبعينيات، والذي استقال من منصبه احتجاجا على زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس في نوفمبر 1977 تأتي في وقتها، خاصة وان الرجل قدم نموذجا نادرا، فقلما نجد مسؤولا رفيعا يترك المنصب طائعا مختارا حتى لا يبحر مع سفينة لا تناسب أفكاره وقناعاته·
وفي هذا الكتاب يعرض الوزير السابق محاولات التقرب التي قام بها بعض القادة الإسرائيليين لمقابلة السادات، كما يعرض المقترحات التي قدمها لرئيس الجمهورية أنور السادات بدل زيارة القدس والتي بدت كفكرة مرفوضة حتى من أقرب رجالات الدولـــة للســـــادات آن ذاك، وكــــيف كـــانت ردود فعلهم على الفكرة·
كما يشـــــير إســــــماعــــيل فهمـــــي إلى دور الرئيس جيمـــــي كـــــارتر في إحباط أكـــثر المقــــترحات البديـلــــة تفضيــــلا لـــــدى السادات بدل زيارة القدس، ويأتي ذلك في شرح خلفيات استقالته التي تبعت الزيارة·


في صيف 1977 كانت الخارجية المصرية تسعى إلى عقد مؤتمر جنيف للسلام، وكان السادات مهتما بالمؤتمر ويدفع في طريق انعقاده وكانت إدارة الرئيس الاميريكي الأسبق جيمي كارتر ملتزمة بانعقاد ذلك المؤتمر، وكانت المشكلة في التمثيل الفلسطيني بالمؤتمر لأن منظمة التحرير حينذاك كانت بنظر أميركا وإسرائيل إرهابية· هذه المشكلة كانت على وشك الحل بعد أن أسر ياسر عرفات رئيس المنظمة إلى الرئيس السادات بأنه يقبل أن يمثل المنظمة ''ادوار سعيد'' فهو أستاذ اميركي من أصل فلسطيني ومحل ثقة تامة·
ولم تكن إسرائيل تريد المؤتمر وكانت تفضل المفاوضات الثنائية مع كل بلد عربي، صحيح أنهم تعهدوا كتابة بالمشاركة في المؤتمر، لكن الواقع كان غير ذلك، وكان وزير الخارجية المصري واثقا بأن إسرائيل ستذهب -في النهاية- إلى مؤتمر جنيف، فلا بديل آخر أمامها ولكن ظهرت في صيف ذلك العام بوادر على أن إسرائيل تود اجراء اتصالات خاصة مع الرئيس السادات نفسه، فقد تلقى إسماعيل فهمي برقيات من سفارات مصر في فيينا وواشنطن ولندن بأن قادة صهاينة عبروا عن رغباتهم في عقد اجتماع سري بالرئيس السادات، وفي ذهن فهمي أن هذه الطلبات ليست مصادفة في وقت واحد، لكن المعنى فيها لم يكن واضحا، وبصفته وزير الخارجية نقل الرغبات إلى الرئيس وأوصى انه يرى ألا يسمح الرئيس لأي من هؤلاء بالحضور إلى مصر، وألا يستقبل أحدا منهم لأن أسماءهم جميعا على قائمة المقاطعة العربية· وكان الوزير واضحا مع الرئيس في أن ردا ايجابيا على هذه الرغبات سوف يخلق صدى مضادا في العالم العربي، وأعطى إسماعيل فهمي تعليماته للسفراء بأن يعتذروا، فالرئيس لا يستطيع الموافقة على مقابلة هذه الشخصيات، والتساؤل الذي طرحه فهمي بعد هذه السنوات: هل أوعز مناحيم بيجين إلى هؤلاء القادة الصهاينة بالسعي إلى مقابلة السادات حتى يستطيع عقد اجتماع بينه وبين السادات؟ ويقول فهمي: ''مازلت لا أدري!!''·
وتبدو المشكلة كما يقول الوزير انه ''ما كدنا نرفض هذه الرغبات حتى نقل إلينا الملك الحسن الثاني عاهل المغرب الراحل رغبة بيجين في الاجتماع بالسادات، ومن المحتمل أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بيجين قد اتجه نحو الملك الحسن بعد أن أخفقت محاولته الأولى لخلق اتصال مباشر مع السادات، والجديد في خطوة الملك الحسن أن السادات لم يظهر مقاومة للنصيحة بعدم استقبال أي من زعماء الصهيونية لكنه بعد أسابيع قبل اقتراح بيجين بالاتصال المباشر، أرسل حسن التهامي إلى الرباط، ولم يبلغ وزير خارجيته بتلك الخطوة، ويبدو انه كان يعرف رأي إسماعيل فهمي مسبقا، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تجنب السادات وضع الوزير في الصورة، وقد أنكر السادات فيما بعد أن يكون لقاء حسن التهامي بموشى ديان قد تم سرا في المغرب كان خطوة تمهيدية لزيارته إلى القدس، فقد قال السادات لديان حين التقاه انه بعث إليه بالتهامي ليكون هناك اتفاق على أن يتم التوصل في مؤتمر جنيف إلى اتفاق حتى لا ينتهي المؤتمر بالفشل·
بعد ذلك توجه السادات ومعه وزير الخارجية في رحلة إلى رومانيا وإيران والسعودية، وكان شاوشيسكو رئيس رومانيا قد دعا السادات إلى زيارته بعد لقاء مع بيجين، وعقد لقاء ثنائي بين الرئيسين، وفيه تحدث رئيس رومانيا عن أن بيجين ''رجل قوي وجاد إذا رغب في العمل'' وأبلغ السادات أن بيجين لديه رغبة قوية ومصمم على عقد معاهدة سلام مع مصر، ويريد أن يعرف تصور السادات لحل القضية الفلسطينية وقدم بيجين إلى شاوشيسكو اقتراحا وخريطة لحل فلسطيني كي يعرضهما على السادات·
البحث عن السلام
رأى السادات الخريطة التي عرضها بيجين على شاوشيسكو بشأن الدولة الفلسطينية، وطلب السادات مسطرة لقياس المساحة التي حددها بيجين، ولما لم يجدا مسطرة قال له السادات: في مصر يمكن أن يقيسوا المساحة بقطعة دوبارة، ووجدوا في مكتب الرئيس الروماني خيط دوبارة، فلما قاسا المساحة على الخريطة اكتشفا أن بيجين مجنون أو غير جاد، فالمساحة محدودة للغاية، وحينما نقل السادات إلى وزير خارجيته ذلك المشهد كان رأي إسماعيل فهمي أن موقف بيجين واضح، فهو لا يريد دولة فلسطينية مستقلة ويود أن ينهي القضية ويعطي أي شيء للفلسطينيين وكان رأي السادات أن يتم عرض الأمر على الفلسطينيين ويقبلون أو يرفضون، لكن فهمي رأى عدم فتح الموضوع نهائيا معهم، فهم سيرفضون بالتأكيد، عند ذاك صمت السادات وصارح إسماعيل فهمي بفكرة أن يقوم بزيارة مفاجئة إلى إسرائيل ويلقي خطابا داخل الكنيست، ويقول فهمي: ''لقد أُخذت على غرة، غير أن معرفتي بالرئيس السادات معرفة جيدة جعلتني أسأل: وما الغرض من هذه الرحلة؟ فأجاب السادات ''لا شيء إلا الذهاب فقط إلى القدس وإلقاء خطاب ثم العودة'' وبعد تساؤلات لم يجد فهمي لدى السادات أي عرض إسرائيلي للسلام ولا معلومات محددة· كانا في قصر الضيافة بقرية في رومانيا· ويكذب فهمي كل روايات السادات في كتابه ''البحث عن الذات'' انه فكر في الزيارة وهو في الطائرة بين تركيا وإيران، وكان فهمي يدرك انه في النهاية يناقش رئيس الجمهورية، صاحب القرار وحاول أن يهدئه ''لست ضد السلام وأنا من أول الأمر كنت أداة مسؤولة عن نجاح أول وثاني اتفاق لفك الاشتباك في الجبهة المصرية الإسرائيلية، وواضح الآن يا سيادة الرئيس أننا -أنا وأنت- نعمل من اجل السلام، ولكن المسألة هي أي نوع من أنواع السلام وكيف ومتى الوصول إليه؟''
وشرح فهمي للسادات أننا في الصراع العربي الإسرائيلي لا نملك إلا ورقتين نلعب بهما، الأولى مسألة الاعتراف بإسرائيل والثانية إنهاء حالة الحرب معها، وفي الصراع العسكري لن نستطيع أن نهدف إلى انتصار عسكري، ذلك أن أميركا ضمنت أن يكون الجيش الإسرائيلي أقوى عسكريا من كل الجيوش العربية مجتمعة، ولا يبقى لنا سوى إنهاء حالة الحرب، وإذا ركبنا هليكوبتر وهبطنا بها في القدس فهذا يعني التنازل عن الورقتين، لأن ذلك يعني اعترافا بإسرائيل ويعني إنهاء حالة الحرب، والمكسب سيكون لإسرائيل فقط، مع إثارة العرب والفلسطينيين ضدنا وسوف يكون من الصعب التقهقر، ولن نكون في موقف يُلزم إسرائيل بالوصول إلى حل شامل·
كان السادات يستمع إلى وزيره في صمت ولكن في توتر واضح، حتى أن ابنه جمال حضر فجأة فصاح فيه طالبا منه في غضب أن يخرج من الغرفة، وأعرب السادات عن موافقته على كل آراء فهمي، لكنه يرى أن زيارته هذه سوف تفضح إسرائيل، وهذا صحيح، لكن اثر الزيارة سيتلاشى مع الوقت ما لم نضطر إلى توقيع معاهدة سلام منفصلة وبشروط إسرائيلية خاصة ومحددة بمشكلة سيناء· وشرح الوزير أن سيناء لم ولن تكون المشكلة فهناك ثلاث إدارات اميركية تعترف بأن سيناء سوف تعود كاملة وإسرائيل تعرف ذلك جيدا، أما إذا كانت الأزمة الاقتصادية وقضية التنمية هي المشكلة فإن الأمر يحتاج قرارات خاصة في الداخل، كما تحتاج إلى معاونة دول الخليج والولايات المتحدة والقوى الغربية ولم يختلف السادات معه في شيء مما قاله بل أعلن موافقته عليه، ولما كان الوزير يعلم أن الرئيس لا يتنازل عن فكرة لديه بسهولة، لذا عرض عليه بدائل منها أن يلتقي السادات مع بيجين في أي عاصمة أوروبية ويعرض عليه السلام، وبذلك يكون قد حقق الفائدة وأثبت أن العرب دعاة سلام ويصبح بيجين هو المطالب بتقديم تنازلات، وإن لم يفعل فضحناه عالميا، لكن يا سيادة الرئيس عليك ألا تخطو خطوة واحدة منفردة تكون في مصلحة إسرائيل أولا وأخيرا، لا تعطيهم أي فرصة لعزل مصر عن العالم العربي، وإذا حدث هذا فإن إسرائيل لاشك ستملي عليك شروطها·
كان الرئيس السادات يستمع ولكن دون رد، فعاد فهمي ليقترح عليه أن يدعو إلى مؤتمر دولي يحضره رؤساء الدول الخمس الدائمة بمجلس الأمن ورؤساء دول المواجهة بمن فيهم ياسر عرفات وأمين عام الأمم المتحدة، ويكون المؤتمر لمدة يومين أو ثلاثة ويعقد في القدس الشرقية بهدف وضع استراتيجية للسلام في المنطقة بين العرب وإسرائيل ثم ينفض هذا المؤتمر بتوصية أن يواصل مؤتمر جنيف للسلام التفاوض حول معاهدة السلام بين الأطراف المتنازعة، تضمن للعرب ولإسرائيل تلقائيا ضمانا دائما من أعضاء مجلس الأمن، وبدا أن الرئيس مسرور بهذا الاقتراح المخالف لفكرته ووافق على جميع تفاصيله، وطلب من وزيره أن يجهز مسودة لذلك المؤتمر وللدعوات التي ستوجه إلى الأطراف الدولية والعربية وتصور فهمي أن السادات انصرف بفكره عن الذهاب وحده الى القدس·
غضب الباز
استمر هذا اللقاء بين الرئيس والوزير ثماني ساعات وكان موضع تساؤل وحيرة الصحفيين، وعاد إسماعيل فهمي إلى استراحته فوجد مدير مكتبه أسامة الباز في انتظاره ود· محمد البرادعي المستشار القانوني له، وعرض عليهما ما سمعه من السادات· ويقول فهمي: ''ما أن انتهيت حتى انفجر أسامة الباز قائلا: ''هذا جنون، لا شك أن الرجل غير متزن، لابد من منع ذهابه إلى القدس حتى لو استعملنا القوة''، ولم يختلف اعتراض البرادعي بالنسبة لفكرة السادات عن موقف الباز ولكنه لم يعبر عن رأيه بنفس العنف· ثم توجه الدكتور البرادعي فجأة إلى أسامة الباز قائلا: ماذا تفعل لو أصر السادات على رأيه؟ هل تذهب معه؟ ولكن إجابة الباز كانت واضحة كل الوضوح: ''لن أذهب إلى القدس إلا جثة هامدة''· وتحرك السادات والوفد من رومانيا إلى إيران ثم إلى السعودية وتم اللقاء مع الملك خالد وولي العهد السعودي الأمير فهد ووزير الخارجية سعود الفيصل·
في اليوم التالي اقترح إسماعيل فهمي أن يتم لقاء ثنائي بين الرئيس السادات والملك خالد، ويحضره ولي العهد الأمير فهد ويطرح عليهما فكرته بالذهاب إلى القدس، وليستمع منهما، كان هدف إسماعيل فهمي أن يتأكد من أن السادات قد استبعد فكرة السفر إلى القدس وحده، وإن رد الفعل السعودي سيكون عنيفا ومن ثم يتردد السادات ويلغي الفكرة، لكن السادات رفض أن يطرح الأمر، وكانت وجهة نظره انه يعرف مسبقا رأي السعوديين· عادوا إلى مصر يوم 4 نوفمبر 1977 وطلب فهمي من مكتبه التعجيل بإعداد الدعوات للمؤتمر العالمي، وذهب إلى السادات ليطلعه على التفاصيل، ففاجأه السادات بأنه لابد أن يبلغ صديقه كارتر، وحذر فهمي من هذه الخطوة، فلو عرف كارتر قبل الآخرين فهذا يبدو تقليلا من شأنهم، كما أن كارتر ربما يرى في هذه الخطوة أن السادات يسرق الأضواء منه في ملف السلام، لكن السادات أصر وتم إخطار كارتر عبر السفير الاميركي في القاهرة، غير ان رد كارتر كما توقع فهمي حرفيا ''بالروح التي اتسمت بها علاقاتنا الوثيقة والشخصية، آمل ألا تقوم باقتراحك هذا، وتوقف الاقتراح عند هذا الحد، فعاودت السادات من جديد فكرته السابقة بالسفر إلى القدس وذهب السادات إلى البرلمان وأعلن انه مستعد للذهاب إلى القدس من أجل السلام، وصفق الأعضاء بحماس شديد·
كثيرون اعتبروها مبالغة خطابية من السادات، لكن شخصين لم يرياها كذلك الأول هو المشير محمد عبد الغني الجمسي وزير الحربية الذي همس في أذن إسماعيل فهمي وكان يجلس إلى جواره قائلا ''لقد أعادها مرة ثانية'' والآخر هو ياسر عرفات الذي كان حاضرا الاجتماع، وعاتب فهمي ''هل جئتم بي لأسمع هذا الكلام؟'' والواقع أن هذه الفقرة لم تكن معدة في خطاب السادات، بل ارتجلها هو، وبعد الخطاب ذهب السادات في استراحة البرلمان إلى الوزراء وكانت المفاجأة أن الجمسي أمام السادات قال بصوت مرتفع ''الكنيست لا·· الكنيست لا'' هذا غير ضروري''، وقد جاء هذا الموقف رغم ما عرف عن الجمسي انه رجل ملتزم جدا، وأن يتكلم بهذه الحدة دون استئذان الرئيس فهذا يعني أنه كان يريد أن يمنع السادات من المواصلة في هذا الطريق·
وقد كتب بعض المسؤولين المصريين أن السادات أخذ موافقة مجلس الأمن القومي المصري على الرحلة قبل القيام بها، وهذا ما ينفيه تماما إسماعيل فهمي، صحيح أن السادات ناقش الفكرة لكن لم يحصل على موافقة، وسافر السادات واستقال فهمي·
ويشرح فهمي الضغوط التي مورست عليه ليسحب الاستقالة لكنه رفض بعدما أرسل إليه السادات ليعينه مستشارا سياسيا له، واعتذر أيضا·

اقرأ أيضا

مجلس الأمن يحذّر من هروب إرهابيي "داعش" من السجون في سوريا