الاتحاد

عربي ودولي

حياة مثقف زاخرة بالسفر والكتابة



د· رسول محمد رسول:

في العام الماضي، وفي هذه الصفحة، كنتُ قد عرضتُ لرحلة ابن خلدون، التي كانت نصاً رحلاتياً مخصوصاً في جنسه الأدبي كتبه ابن خلدون شخصياً، والذي صدر عن دار السويدي في أبوظبي· لكنني اليوم تراني أضع عنواناً لم يختلف عن العنوان الذي استخدمته في مقالي السابق سوى الشيء اليسير، لأنني إزاء كتاب جديد صدر بالقاهرة ضمن سلسلة ''كتاب اليوم'' مؤخراً ويحمل عنوان (مع ابن خلدون في رحلته) وبالتعاون مع ''مكتبة الإسكندرية''·
وواضح أن مفهوم الرحلة هنا يختلف عما هو سائد في رحلة ابن خلدون الشهيرة كما دونها هو ذاته وبقلمه وتركها لنا كنص تراثي هائل الجدوى فيما يتضمنه من توصيفات ويوميات وقيم وصفية وأخرى اجتماعية وتاريخية وأدبية· مفهوم الرحلة هنا يتخذ طابع الكتابة عن حياة ابن خلدون في ضوء المراحل التي عاشها في حياته، رحلة يكتبها معاصرون لنا بمناسبة مرور ستة قرون على رحيل ابن خلدون·
كتب خالد عزب، مدير إدارة الإعلام في مكتبة الإسكندرية، قائلاً عن نمط الكتابة في هذه الرحلة: بات التعبير عن الرحلة بالصورة التي تعود بالخيال إلى عصر ابن خلدون، ما يضع قارئ النص في أجواء العصر الذي عاش فيه صاحب هذه التجربة الثرية، فسيرى القارئ صوراً من المغرب إلى الأندلس إلى مصر، إلى الشام والحجاز، وسيرحل القارئ عبرها، ومع النص في رحلة ابن خلدون وحياته· جعلنا القارئ يعيش في الأماكن نفسها التي درس وعمل فيها، وارتحل إليها، إلى مدفنه، كما جعلناه يتعرَّف على معاصريه من السلاطين ورجال الدولة والعُلماء والأدباء، نعرِّفه على روائع الفن الإسلامي في عصر ابن خلدون، ليرى الجميع كيف كان الإتقان والإبداع في عصره·
من تونس إلى فاس
بدأت الرحلة من تونس حيث ولد ابن خلدون في رمضان سنة 732 هجرية بمدينة ''تربة باي'' لأسرة عريقة عرفت بمكانتها ببلاطات الملوك وأمراء المغرب والأندلس· وترجع أصول ابن خلدون إلى عرب حضرموت· ولذلك نشأ في بيت علم ورياسة، لكنه أخذ العلم، بداية، عن أبيه الذي كان معلِّمه الأول عندما قرأ عليه القرآن، ودرس النحو واللغة والتفسير والحديث والفقه· ثم درس المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية، وتتلمذ على جملة من علماء الأندلس في حينها·
لما بلغ ابن خلدون الثامنة عشرة من عمره، حدث متغيران خطيران عوَّقاه عن متابعة دراسته، وكان لهما الأثر البليغ في مجرى حياته، الأول: الطاعون الأسود الذي اجتاح العالم سنة 749 هجرية، والذي أسماه ابن خلدون بالطاعون الجارف، والذي كان قد حصد أرواح الملايين في الشرق والغرب· والثاني: هجرة معظم العلماء والأدباء من تونس إلى المغرب سنة 750 هجرية خشية هذا الوباء الفتّاك·
كان للمتغيرات السياسية في تلك المنطقة أثرها الكبير في هجرة عُلماء تونس إلى المغرب، فحطَّ ابن خلدون في ''فاس''، وتحديدا في منطقة ''أبة'' عند الشيخ عبد الرحمن الوشتاني، ثم قصد مدينة ''سبتة''، حيث نزل عند صاحبها محمد بن عبدون، ومن ثم عاد إلى مدينة ''قفصة'' ولقاؤه بعدد من فقهائها، ومن هناك سار إلى مدينة ''بسكرة'' وقضى بها الشتاء، وعندما شرع السلطان المريني في السيطرة على مدينة تلمسان كان لابن خلدون حظوة عنده فأكرمه، لكن ابن خلدون ذهب إلى مدينة ''بجاية'' ليقيم هناك حتى سنة 754 هجرية· وبعد عام انضم ابن خلدون إلى بلاط السلطان أبي عنان المريني في فاس، فعينه السلطان كاتباً له، وضمه إلى مجلسه العلمي، وكان ابن خلدون ابن الثانية والعشرين من عمره، ولبث في تلك الوظيفة زهاء عامين، ثم تولى القضاء (خطة المظالم) فأظهر كفاءة نادرة في شؤونه·
غرناطة
اختار ابن خلدون الرحيل إلى الأندلس وكانت الآمال تحدوه بمستقبل أفضل؛ فقصد إلى مدينة ''سبتة'' حيث نزل على الشريف أبي العباس أحمد رئيس الشورى في تلك المدينة، ثم جاز منها إلى جبل الفتح (جبل طارق) بالأندلس، قاصداً مدينة غرناطة لما بينه وبين سلطانها السلطان محمد بن الأحمر الملقب بالغني بالله، ثالث ملوك بني الأحمر، ووزيره لسان الدين، قال ابن خلدون في هذا الصدد: لقد اهتز السُّلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره، بفرشه وماعونه، وأركبَ خاصته للقائي، تحفياً وبراً، ومجازاة بالحسنى، ثم دخلتُ عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع عليَّ وانصرفتُ، وخرج الوزير ابن الخطيب فشيَّعني إلى مكان نزلي، ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجوى في خلوته، والمواكبة في ركوبه، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه·
إلا أن تلك الرفقة لم تستمر؛ فقد آثر ابن خلدون الرحيل عن غرناطة إلى ''بجاية''، في منتصف سنة 766 هجرية، فولاه الأمير عبد الله ''الحجابة'' والتي استمر بها رغم رحيل من استقدمه واستخلاف السُّلطان أبو العباس صاحب مدينة قسطنطينية، لكن هذا الأخير سرعان ما تخلى عن ابن خلدون الذي فرَّ إلى مدينة ''بسكرة'' لصداقة بينه وأميرها أحمد بن مزني· ومن ثم تلقى دعوة لتولي الحجابة في ''تلمسان'' لكنه أبدى رفضاً، وبدلاً من ذلك رحل إلى فاس الذي أكرمه وزيرها ابن غازي والذي بدوره غير رأيه بابن خلدون الذي وشى به وشاة حاسدين، فقرر الرحيل إلى الأندلس مرة أخرى طلباً للاستقرار والعلم في سنة 776 هجرية، لكنه ما لبث وأن عاد إلى تلمسان، وهناك في ''قلعة بني سلامة'' شرع بكتابة (المقدمة) التي انتهى من مسودتها الأولى في سنة 779 هجرية·
الإسكندرية والقاهرة
غادر ابن خلدون مدينة تونس منتصف شعبان سنة 784 هجرية متوجهاً إلى مدينة الإسكندرية في يوم عيد الفطر المبارك بعد رحلة بحرية شاقة، ولبث هناك شهراً وكان يعد العدَّة للحج، لكنه لم يذهب لأنه مقصده من المجيء إلى مصر هو الهروب من البطش والمحنة في تونس، فآثر البحث عن الهدوء والطمأنينة في مصر وهو ابن الثانية والخمسين من عمره·
في العام ذاته، وصل ابن خلدون إلى القاهرة فبهرته ضخامتها وعظمتها وبهاؤها، كتب قائلاً فيها: رأيتُ حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي المُلك؛ تلوح القصور والأواوين في جوها، وتزهو الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقها، وتضيء البدور والكواكب من علمائها، قد مثل بشاطئ النيل نهر، ومدفع مياه السماء، يسقيه العلل والنهل سيحه· لقد حجَّ ابن خلدون وعاد إلى القاهرة مرة أخرى، لكنه ذهب إلى القدس وغزة وعادة مرة أخرى إلى القاهرة التي عاش فيها نحو ربع قرن من الزمان·
جاء كتاب (مع ابن خلدون في رحلته) مزداناً بالصور الكثيرة عن الأمكنة التي عاش فيها ابن خلدون، والأماكن التي ارتحل منها وإليها، وهو كتاب يمثل بادرة رائعة للاحتفاء بعلمائنا ومفكرينا ومثقفينا بالشكل الذي ظهر فيه من حيث سلاسة الأسلوب، واصطفاء النصوص الخلدونية، وتوظيف الصور الزيتية الجميلة·


اقرأ أيضا