الغردقة (رويترز) - لم تقف الحكومة المصرية مكتوفة الأيدي أمام أزمة السياحة التي تلقي بظلال قاتمة على اقتصاد واهن بالفعل يسعى للتعافي. وانطلق وزير السياحة هشام زعزوع في جولات شملت روسيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا سعياً لاستئناف الرحلات السياحية لمصر. ويبدو أن الزيارات بدأت تؤتي بعض الثمار. فقد قال أحمد عبدالله، محافظ البحر الأحمر لـ”رويترز” إن أعضاء وفد روسي زار الغردقة الأسبوع الماضي للتعرف على الوضع أبلغوه أنهم تأكدوا أن الأمور طبيعية في الغردقة، وأنه سيبدأ تسيير الرحلات من روسيا للغردقة وشرم خلال هذا الأسبوع. وقالت مايا لوميدزه المديرة التنفيذية لرابطة وكلاء السياحة الروس إن 10 آلاف سائح روسي مستعدون لزيارة الغردقة فوراً إذا وافقت الحكومة الروسية على إلغاء حظر السفر لمصر، وإن العدد قد يصل إلى 100 ألف خلال شهر واحد. وبدا المحافظ متفائلاً، وهو يقول: “سنصل إلى نسب إشغال تامة في أكتوبر، مع إجازة عيد الأضحى وعودة السياحة الروسية والألمانية”. وقالت وزارة السياحة المصرية هذا الأسبوع إن هولندا وبلجيكا والسويد وجمهورية التشيك قررت رفع حظر السفر. وجاءت الرياح أيضاً بما تشتهي السفن، فقد غيرت الحكومة الألمانية أمس نصيحتها، ولم تعد تطالب السائحين، بالامتناع عن زيارة مصر كلياً، واكتفت بمطالبتهم بتوخي الحذر، ويشمل ذلك الرحلات لمنتجعات البحر الأحمر. وأعقب ذلك على الفور إعلان شركة توي الألمانية التابعة لتوي ترافيل أكبر شركة سياحة في أوروبا استئناف الرحلات لمصر. كانت شركات سياحية من بينها توماس كوك ألمانيا قد أعلنت الأسبوع الماضي عزمها استئناف الرحلات مع اقتراب فصل الشتاء حتى قبل أن تغير الوزارة نصائحها بشأن السفر لمصر. وقالت توماس كوك إن الوضع في مصر تحسن خلال الأسابيع القليلة الماضية، وإن منتجعات البحر الأحمر، التي تجتذب محبي الشواطئ والغطس هادئة. منتجعات سياحية وبعد أن كانت تستقبل ملايين السياح كل عام، تعرضت المنتجعات السياحية في مصر لضربة موجعة حين نصحت حكومات أوروبية مواطنيها بعدم السفر إلى مصر لقضاء العطلات بسبب أعمال العنف، التي اندلعت في يوليو وأغسطس بعد أن عزل الجيش الرئيس محمد مرسي استجابة لاحتجاجات شعبية واسعة. ودفع التحذير بعض شركات السياحة الأجنبية إلى وقف معظم رحلاتها إلى مصر مما وأد انتعاشاً مؤقتاً لقطاع كان يساهم بنحو 11? من الناتج المحلي الإجمالي قبل الانتفاضة، التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك في عام 2011. وهوى دخل مصر من السياحة إلى 1,67 مليار دولار في الربع الثاني من العام بانخفاض 663 مليون دولار عن نفس الفترة من العام الماضي حسب بيانات البنك المركزي الصادرة الثلاثاء. ورغم أن المقاصد السياحية على البحر الأحمر ظلت بمنأى عن أعمال العنف والاحتجاجات، التي تشهدها القاهرة بصفة أساسية ومدن أخرى، فإن تحذير الدول الغربية من السفر لمصر أدى إلى تهاوي أعداد السياح وحرمها من شريان الحياة. وتظهر بيانات شركة إس.تي.آر جلوبال لأبحاث الفنادق أن معدل الإشغال في منتجعات البحر الأحمر تأثر بشدة في أغسطس نتيجة حظر السفر، وهبط إلى أدنى مستوى في أربع سنوات. ولم يشغل الزائرون سوى 48,8? من غرف الفنادق في أغسطس مقارنة مع 65,2? في نفس الشهر من العام الماضي، ومع 74,8? في أغسطس 2010، وفقاً لشركة إس.تي.آر. في الغردقة التي تضم 166 فندقاً هوت نسبة الإشغال إلى نحو 20? بسبب غياب السائح الأجنبي. ووفقاً لكريم محسن العضو المنتدب لشركة سيلفيا تورز السياحية فقد أغلقت 50? من فنادق الغردقة أبوابها لعدم وجود سياح أجانب. وقال أحمد عبدالله محافظ البحر الأحمر لرويترز: “لدينا أكثر من 50 ألف غرفة فندقية بالغردقة ونسب الإشغال الحالية نحو 11 ألف غرفة فقط. هدفي الآن هو إشغال باقي الغرف بالكامل”. لكن حال الفنادق هناك يظل أفضل منه في القاهرة، وفي الأقصر وأسوان بجنوب مصر. وفي الأقصر وجد مراسل رويترز أن هناك ستة نزلاء آخرين فقط غيره في فندق ونتر بالاس الفخم المؤلف من 200 غرفة. وعند المدخل وقفت ناقلة جنود مدرعة تحرس الفندق الذي يعود عمره إلى 100 عام. وكان معبد الكرنك الهائل، الذي يعج عادة بالسياح شبه خاوٍ. وقال المرشد السياحي في معبد رمسيس الثاني إنه لم تصل إي حافلة سياح منذ ثلاثة أشهر، ولم يستقبل المكان سوى مجموعات متفرقة من خمسة أو عشرة زوار. ويقول ناصر حمدي رئيس الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة لرويترز إن نسب إشغال الفنادق في الغردقة وشرم الشيخ تبلغ الآن نحو 20? مقارنة مع ما بين 5 و6% في القاهرة وبين 1 و2% في الأقصر وأسوان. وينتقد محسن من سيلفيا تورز تحذير الدول الغربية لرعاياها من السفر لمصر قائلاً: “لا يوجد سبب لفرض دول العالم حظر سفر على مصر. الحظر يعاقب الشعب المصري كله”. ولا تقف المعاناة عند الفنادق وإنما تمتد إلى قطاعات أخرى تعيش على السياحة مثل البازارات. ويقول جمال حسين، الذي يعمل في بازار سياحي: “بالتأكيد تأثرنا بشدة. ندفع إيجارات. هناك أيام لا نبيع فيها مطلقاً. الدخل انخفض بنسبة 50? عما كان عليه في 2010”. وتكشف جولة سريعة في بعض فنادق الغردقة أن معظم السياح من بريطانيا، التي استثنت منتجعات البحر الأحمر من تحذيرها لرعاياها من السفر لمصر. التغطية الإعلامية ويقول بعض العاملين في السياحة، إن التغطية الإعلامية لأعمال العنف مسؤولة جزئياً عن الإضرار بالصناعة خاصة أن التحذير الغربي من السفر لمصر جاء بعد مشاهد القتل، التي نقلتها قنوات التليفزيون في منتصف أغسطس أثناء فض اعتصامي مؤيدي الرئيس المعزول في القاهرة. وألقى محافظ الغردقة باللوم على الإعلام قائلاً إنه بينما كان يودع فوجاً ألمانياً في المطار “قالوا لي إن الإعلام لديهم كان يخوفهم من الذهاب إلى مصر”، وأضاف عبدالله: “الفضائيات الأجنبية تنقل صورة غير حقيقية عن الأوضاع في مصر”. ويبدو أن الحكومة فطنت إلى تأثير صورة مصر في وسائل الإعلام على صناعة السياحة وأهمية محو صورة “الإرهاب” التي تبث الذعر في نفوس السياح وتدفعهم للفرار. وبعد أسابيع طويلة ظلت فيها قنوات التليفزيون المصري تعرض مشاهد المواجهات الدامية بين قوات الأمن ومسلحين مؤيدين للرئيس المعزول، الذي ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، تحت شعار “محاربة الإرهاب” دعت الحكومة وسائل الإعلام إلى حذف هذا الشعار، واستبداله بعبارة “مصر في طريقها إلى الديمقراطية”. وقال ناصر حمدي رئيس الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة إن الهيئة أعدت أفلاماً ترويجية عن السياحة في مصر للأسواق العربية والأوروبية والروسية وستنشر إعلانات في وسائل الإعلام ووسائل المواصلات الأجنبية لتشجيع السياحة في مصر. وعلى صعيد السياحة الداخلية أطلقت الحكومة المصرية العديد من البرامج الترويجية لتشجيع المصريين على السفر لقضاء العطلات بأسعار مخفضة. ويؤكد عماري عبدالعظيم عضو اتحاد الغرف السياحية أن الأمن والاستقرار أهم عوامل جذب السائح الآن. لكنه يفضل النظر للنصف الممتلئ من الكوب، قائلاً: “هذا هو أفضل وقت لترتيب قطاع السياحة وبنائه لأنه في حالة عودة السياحة لن تجد وقتاً للبناء”. عبد الحليم محمد، الذي جاء من مدينة قنا بصعيد مصر للعمل في الغردقة منذ ما يقرب من 15 عاماً يقول: “لابد أن يشعر السائح بالأمن حتى يأتي من جديد، وينصح أقاربه وأصدقاءه بزيارة مصر”. أما عبدالناصر محمد، وهو سائق لدى إحدى الشركات السياحية في الغردقة، فيقول بنبرة الواثق: “الغردقة أمان.. لا يوجد أحد هنا يفكر في التعرض للسياح”. وجاءت زيارة الرحالة الجنوب افريقية يولاندي راست لمصر هذا الأسبوع لترسخ صورة الأمان. وقالت لرويترز أثناء زيارتها للغردقة: “أشعر بالأمن في مصر وخاصة الغردقة.. نعم هذه أول مرة لي في مصر. بالفعل نزلت إلى بعض الشوارع وتجولت في الغردقة، ولم أشعر بالخوف”. القلق والترقب لما يحمله الغد كانا السمة الرئيسية لمعظم العاملين في قطاع السياحة، الذين التقت بهم رويترز في المدينة الساحلية. لكن التفاؤل ظل حاضراً. أيمن السيد نائب المدير العام لفندق صن رايز هوليدايز في الغردقة يقول: “رغم ما حدث يمكننا أن نعود من جديد وأن تنشط السياحة مرة أخرى. لدينا مقومات مهمة لا توجد في دول أخرى مثل تونس وتركيا، ومن أهمها معاملة السائح”. أما ماجد القاضي المستشار السياحي لغرفة الشركات السياحية في الغردقة والبحر الأحمر فيقول بنبرة حاسمة: “السياحة ستعود لأنها تمرض ولا تموت”.