غريب أمر الإنسان فهو لا يشعر بقيمة النعمة إلا إذا افتقدها، كان هذا بالنسبة لي مجرد شعار أو كلام يقال أمامي ولا أعيره أي اهتمام ولا أفكر فيه على الإطلاق من قريب أو بعيد، أمر عليه مرور الكرام لأنه بالفعل لا يعنيني ولم أجرب فوات نعمة أو فقدانها من قبل، وأهم ما يميز حياتي أنها بسيطة جداً بكل ما فيها منذ جئت إلى الدنيا ونشأت فيها، تسير بي بلا تعقيد، أمنياتي محدودة وطموحاتي تكاد تكون معدومة، لا تتعدى الأمل في الستر والزواج بفتاة تقارب ظروفي وتعرفها، كي يسير بنا قطار الحياة، كما يسير بمن حولنا من آلاف البشر، فقد تركت المدرسة في الثامنة من عمري وكنت قد وصلت إلى الصف الرابع، توقفت عن الدراسة بلا تخطيط وبلا هدف أو قرار، لم يكن التعليم مهما عندي ولا عند أسرتي علاوة على أن المنطقة التي أعيش فيها لا تهتم بالعلم أصلا، والأهم أننا لا نستطيع التوقف عن العمل من أجل التعليم، فاحتياجاتنا تفرض علينا العمل المستمر لتحصيل قوتنا، وهكذا انا وإخوتي وأخواتي لم يحصل أحد منا على أي شهادة دراسية، بل أكثرهم لم يذهبوا إلى المدرسة مطلقاً. خلخال وأسوار كانت الحياة بسيطة بلا تعقيد، الزواج ميسر ومتاح بأقل التكاليف، كل ما اشتريته للعروس خلخال وأساور من الفضة بعد موسم عمل في الزراعة، وحصير من الخوص، وإناء من الفخار لنشرب منه الماء يكون خاصاً بنا في غرفتنا، التي كانت تجمع كل حياتي، ولكل واحد من إخوتي مثلها، الأسرة تتناول طعامها مجتمعة في وقت واحد الرجال في مجموعة والنسوة بعدهم، في زمن كان فيه الرجال قوامين على النساء، ليس مثل هذا الزمن الذي انقلبت فيه الموازين، وضاع فيه الحياء من وجوه بعض النساء، وضعفت القيم وكثير من الأخلاق ولم يعد للعادات والتقاليد وجود إلا فيما ندر، لم تكن لزوجتي أي مطالب في الحياة كلها غير كسوة الشتاء والصيف حين ميسرة، لذا لم تكن الحياة الزوجية معقدة، كما يحدث الآن، مليئة بالمشاكل، محشوة بالخلافات. طموحات إنسان وفقني الله في الحصول على وظيفة، رغم أنني غير متعلم ولم يكن من أحلامي ذلك ولم ترق إليه طموحاتي، وجدت من ينصحني بتقديم أوراقي في وزارة الصحة لوظيفة عامل نظافة، وبنفس بساطة الحياة وبلا تفكير في مجيئها أو عدمه تسلمت رسالة حكومية بقبولي وتعييني في مستشفى قريب من بلدتي، كنت أسير أربعة كيلو مترات على الأقدام في الذهاب ومثلها في العودة كل يوم، ولم يكن ذلك يمثل لي أدنى مشكلة، لكن على العكس كانت رياضة فيها الكثير من الفوائد، وتحسنت حياتي المعيشية بشكل كبير، خاصة بعد أن تعلمت الكثير من مبادئ مهنة الطب مثل “الغيار” على الجروح البسيطة والإسعافات الأولية والحقن، فكنت أقوم بذلك خارج نطاق عملي ويدر عليّ دخلاً جيداً عاد خيره على جميع أفراد أسرتي رغم أن كل واحد منا استقل بحياته، غير أننا مازلنا مترابطين تجمعنا الأخوة وصلة الرحم. أحزان زوج وكانت النعمة الأولى التي انتظرتها ولم أذقها هي الإنجاب، لم تحدث فكان اشتياقي إليها كبيراً ولا يوصف، تمنيت أولاداً وبنات واحداً أو واحدة، لكن مشيئة الله كانت غير ذلك فقد قام الأطباء الذين أعمل معهم بفحصي وأكدوا لي جميعاً أنني لن أنجب، حزنت طبعاً لكن لم أجعل الحزن يسيطر على حياتي أو يصيبني باليأس، المؤكد أن ربي قد أعطاني غير هذه من النعم ما لا يعد ولا يحصى، وسلمت أمري لله صاحب المنح والمنع، فتلك إرادته ولا راد لقضائه ولا شريك له في الحكم، لم تفارق السعادة بيتي الصغير الذي بنيته وانتقلت إليه أنا وزوجتي التي عوضني الله بها وكانت هدية من السماء، فهي صابرة شاكرة ربما أكثر مني وأعانتني على ما نحن فيه. زوجتي دائما في حالة رضا وشكر، لا تعرف الشكوى ولا المطالب، وقد كنت لا أجعلها تصل إلى ذلك فقد أغدقت عليها من جانبي لأحاول أ أعوضها عن عاطفة الأمومة التي تفتقدها، كانت مثل الخادم المطيع الذي يؤدي أكثر مما يطلب منه، قد لا تتخيلون أنها كان يصل بها الأمر إلى أن تقوم برفع الغطاء عني عندما أستيقظ من نومي كي لا أتكلف هذا وهي تراه نوعاً من العناء، كان حنانها مثل أمي وقد يزيد، لا تتناول طعاما إلا في حضوري، ولا تنام إلا بعد عودتي إلى البيت مهما تأخرت، والأهم من ذلك أنها كانت تعينني على الطاعات وفعل الخيرات، تستيقظ قبل الفجر ثم توقظني لنؤدي الصلاة في وقتها، أذهب إلى المسجد وعندما أعود أجدها مازالت في مصلاها تدعو لي ولكل الناس بالخير. كانت محبوبة تزوجتها وأنا في العشرين من عمري وكنت أكبرها بحوالي عامين، خمسة وثلاثون عاماً مضت على زواجنا لم يقع بيننا خلاف ولم تعارضني في أمر كبير أو صغير ولم تفعل شيئاً قبل أن تستشيرني حتى لو كان شراء كيس من الملح، لم تحملني عناء التفكير في أي شأن من شؤون البيت، كل ما أريده أجده فقد فهمت ما أحب وما أكره منذ البداية، وكذلك كانت محبوبة من كل أقاربي وجيراننا فلم يحدث أن تشاجرت مع أي منهم طوال هذه السنين، بل كانوا يحبونها لأنها دائماً تدفعني للتدخل للإصلاح بين المتخاصمين فجعل ذلك لها في النفوس رصيداً كبيراً من المحبة. خلال يومين أو ثلاثة أيام من مرض بسيط، توفيت زوجتي، أظلم البيت بشكل حقيقي، أصبحت وحيداً فيه، شعرت بفقدان نعمة كبرى أخرى في حياتي، بكل المقاييس كانت سندي ومعيني، تغيرت أحوالي وأصبحت أعاني في كل شيء، فأنا رجل في الخامسة والخمسين من عمري كيف لي أن أغسل ملابسي أو أنظف البيت أو أطهو أو أعد طعامي، إنها معاناة حقيقة، ظهرت عليّ واضحة، وجدت من ينصحني بضرورة الزواج قبل أن أفقد عقلي من الوحدة والتفكير، لكنني رفضت الفكرة تماماً جملة وتفصيلاً، أولا كيف لي بامرأة مثلها، وثانياً لا أستطيع أن آتي بواحدة غيرها في البيت الذي شهد شبابنا وكهولتنا وكل هذه السنين من عشرتنا، وكذلك أين أجد امرأة تقبل بظروفي وأنا في هذه السن. ربيع العمر مع الوحدة القاسية لم أستطع المقاومة، فالتفكير يكاد يصيبني بالجنون، والإخوة والأخوات والأهل مازالوا يلحون علي بالزواج، فأبديت مرونة إلى أن أجد من تناسبني وتقبل بظروفي فإنني أعرف أنني لست بالمرغوب فيه بسهولة، فلا أبحث عن فتاة في ربيع العمر وإنما عن أرملة أو مطلقة في الخمسين، ومن أين لي بواحدة هكذا تكون لها رغبة في الزواج أو تقبله وهي في هذا العمر، لكن قدر الله أن أجدها في طريقي، امرأة تعمل “شرطية” في السجون تأتي إلى المستشفى الذي أعمل به بحكم عملها مع السجينات لبعض الإجراءات، عرفت ظروفي وعرفت ظروفها، أبدت تفهماً واضحاً لما أمر به، كانت مطلقة، تصغرني بعام واحد، لديها ثلاث بنات يقمن معها، لم أعرف سبب طلاقها ومن باب الحفاظ على مشاعرها لم أسألها عن السبب. فاتحتها في الزواج، فكان شرطها الأول والوحيد أن تأتي ببناتها الثلاث معها لأنها لا تستطيع أن تتركهن وهن في أعمار حرجة، فرحبت بذلك واعتبرتهن هبة من الله فإذا لم أكن أنجب فإنه رزقني بثلاث مرة واحدة، وكان ذلك هو السبب في التقارب بيننا بسرعة، والغريب أن المرأة وهي في هذه السن طلبت أثاثاً جديداً ورفضت أن تدخل على فراش قديم، كانت تعد للزواج مثل عروس شابة تتزوج لأول مرة، لم أمانع في ذلك لأنه من حقها، وقد استشعرت فيها غيرة من امرأة متوفاة اعتبرتها “ضرتها”، فحاولت أن ابتعد عن الحديث عن زوجتي الراحلة حتى أضع حداً لتلك الغيرة، أهلي رفضوا تلك الزيجة لأنهم علموا أن المرأة ليست سهلة المراس وقد طلقت من زوجها بسب كثرة مشاكلها معه ومع الجيران، ولم استمع لنصيحتهم وقلت إن لكل بيت ظروفه وقد لا يتكرر ذلك معي، وتزوجتها خاصة وأنا لا أجد بديلاً عنها، واسترحت لبناتها ووجدت فيهن عزاء لحرماني من الإنجاب. ظهر معدن المرأة من الأيام الأولى التي انتقلت فيها إلى بيتي، كانت كل صفاتها وتصرفاتها على عكس ما كانت عليه زوجتي الراحلة، عشت بين زوجتين متناقضتين في كل شيء، فتلك كانت كما ذكرت، وهذه امرأة جافة حادة متسلطة، طغت طبيعة عملها على كل حياتها، قاسية متجبرة في كل ما تفعل، عاملتني مثل سجين محكوم عليه فتعاقبني على ما لا أفعل، وصبرت رغم كل ذلك فليس مثلي من يشكو من التفاهات وصغائر المشاكل الزوجية، لكن الأمر زاد على حده وفاض الكيل عندما كان يوم زواج شقيقتي الصغرى فإذا بها تضع القيود في يدي وتربطني في السرير كي لا أذهب إلى عرس أختي، وذلك عقاباً لأهلي لأنهم رفضوها زوجة لي، وما كنت أستطيع أن أذكر حقيقة ما حدث عن سبب تغيبي وادعيت أنني أصبت بمرض مفاجئ في المستشفى. صلة الرحم توفي أبي قبيل الفجر، وإذا بها تستدرجني إلى حظيرة الدجاج وتغلق الباب بالمفتاح كي لا أحضر جنازته، وحرمتني بالفعل من أن ألقي عليه نظرة الوداع أو أشارك في تشييعه للسبب السابق نفسه، إلى هنا لم يكن أمامي أي اختيار غير تطليقها على الفور ومنعها من البقاء لحظة واحدة في بيتي الذي كان ينعم بالحب والسكينة وحولته إلى ساحة اقتتال وقطعت صلة الرحم بيني وبين أهلي، الآن عرفت الفرق بين الزوجة الملاك وهذه الشيطانة التي لا تعرف الخجل وتوجهت إلى المحكمة تطالب بنفقة، وتحاملت على “رجولتي” واضطررت لذكر الحقائق، فكان نصيبها رفض دعواها في كل درجات التقاضي. ما لا يصدقه أحد أن بناتها تمسكن بي وبالإقامة معي، ومن جانبي تمسكت بهن وتعهدت برعايتهن، وتزويجهن. نورا محمد (القاهرة)