الاتحاد

تقارير

انتخابات فرنسا.. فضائح المرشحين ومخالفات الأحزاب

لم يعد يفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية إلا ثلاثة أشهر، إلا أن السباق الانتخابي هناك بات «أكثر قذارة» من الانتخابات الرئاسية الأميركية التي نظمت العام الماضي. ويواجه المترشحون الأقوياء الثلاثة: المرشح عن يسار الوسط «إيمانويل ماكرون»، ومرشح يمين الوسط «فرنسوا فيّون»، والشعبوية القومية مارين لوبين، اتهامات بسوء إدارة الأموال العمومية. ولم يعد الناخبون الفرنسيون يخفون عدم رضاهم عن سياسييهم. وخلال الصيف الماضي، أظهر سبر آراء أنجزه مكتب الشفافية الدولية في باريس، أن 54% من الفرنسيين يعتقدون أن النخبة السياسية لبلدهم قد ابتليت بداء الفساد. وترتفع هذه النسبة إلى نحو ثلاثة أرباع (75%) حين يتعلق الأمر بأعضاء نوّاب المجالس الوطنية والبرلمان الأوروبي، مما يمكن أن يسيء حتى للرئيس والحكومة الفرنسية. وأصبحت الفضائح حديث كل الناس ولا يبدو أنها ستترك أثرها بالضرورة على نتيجة الانتخابات. إلا أن المسرح لا يزال عامراً بالضجيج وبوادر الاهتزاز.
في مطلع الأسبوع الجاري، قال «فيّون» إنه سيواصل حملته الانتخابية بالرغم من الكشف عن أنه منح أفراد عائلته ما يقارب مليون دولار من ميزانيته البرلمانية المخصصة لخدمات قال معارضوه إنه لم ينفذ شيئاً منها أبداً. وهناك تفاصيل مثيرة في الطريق، ومنها أنه دفع لزوجته «بينيلوبا» أجوراً ضخمة بعد أن أدرج إسمها كموظفة مساعدة له، كما وظف أبناءه في الخدمات القانونية، مع العلم أنهم ليسوا محامين متخرجين. ومنحهم جميعاً أكثر مما تسمح به مخصصات المساعدات المالية البرلمانية.
وأتت هذه الفضائح من رجل تمكن من تأسيس أرضية أخلاقية رفيعة المستوى من خلال نضاله كمرشح عن يمين الوسط، وهو الذي استخدم ورقة الفضائح المالية ضد منافسيه نيكولا ساركوزي وآلان جوبيه في الانتخابات التمهيدية. وقال فيّون إنه يأسف لما حدث، وأوضح أن تلك الممارسات التي ارتكبها قانونية ولا تشوبها شائبة، بالرغم من أن فرنسا تشتهر بقوانينها التي تمنع محاباة الأقارب. وأظهر استطلاع أن 65% من الفرنسيين لم يقتنعوا بكلامه. وبدأ الخوف يتسلل إلى فيّون، خاصة بعد أن تراجعت شعبيته بسبب قضية زوجته التي أصبحت تُعرف باسم «بينيلوبا جيت».
وكان ساركوزي ذاته، الرئيس الفرنسي السابق، قد تعرض للمحاكمة بسبب الانتهاكات المتعلقة بالإنفاق الانتخابي التي ارتكبها في حملته الفاشلة عام 2012. وليس الإنفاق غير القانوني هو الفضيحة الوحيدة التي يواجهها فيّون.
وتواجه مارين لوبين مشاكل وفضائح أخلاقية عديدة، أضخمها تلك التي تواردت أخبارها من بروكسل مؤخراً، والتي تتعلق بتهمة دفع مساعدات برلمانية مختلقة لا وجود لها. ولوبين عضو في البرلمان الأوروبي، وهي تستفيد من مخصصات شهرية تبلغ 25700 دولار كميزانية لتغطية رواتب الفريق العامل معها. وكان من المفترض أن يعمل هذا الفريق وفق الأجندة الأوروبية وأن يقيم أعضاؤه في بروكسل، لكن التحقيقات التي أجراها البرلمان الأوروبي أثبتت أن لوبين ومعها بقية النواب عن «حزب الجبهة الوطنية» الذي تترأسه، أساؤوا استخدام هذه الصناديق، من خلال الدفع لموظفين يعملون لصالح الحزب داخل فرنسا، وهذه مخالفة صريحة للقانون. ويحاول الاتحاد الأوروبي الآن استعادة مبلغ يقارب نصف مليون يورو من مجموعة برلمانية من ضمنها لوبين وأعضاء «حزب الجبهة الوطنية». وهي تحاول الآن رفع دعوى قضائية ضد البرلمان الأوروبي، وادعت أن الاتهامات كانت موجهة إليها بدوافع سياسية وصدرت عن الناطق السابق باسم البرلمان الأوروبي مارتن شولتز، وهو ينتمي لـ«الحزب الديمقراطي الاجتماعي».
ومن المحتمل أن تواجه لوبين مشاكل كثيرة في فرنسا أيضاً تتعلق بالطريقة التي أدار بها «حزب الجبهة الوطنية» الحملات الانتخابية السابقة. وسبق للحزب أن وظف شركات يمتلكها أصدقاء مقربون لعائلة لوبين لطباعة الأوراق والملصقات الانتخابية وافتتاح موقع خاص على الإنترنت. ويُعتقد أن المبالغ المرصودة لإنجاز هذه الأعمال جاءت وفقاً لأسعار متضخمة وغير واقعية. ووجدت الحكومة الفرنسية نفسها مجبرة على دفع هذه النفقات عندما كان الحزب في أمس الحاجة للمساعدة.
وحصل «حزب الجبهة الوطنية» أيضاً على قروض بتكاليف مرتفعة من حزب بسيط يدعى «جين» ساهمت لوبين بتأسيسه، على أن تتكفل الحكومة بتسديدها من الخزينة العامة بعد انتهاء الحملة. وصحيح أن لوبين لم تُوجَّه إليها أي تهمة حتى الآن بسوء الأداء، إلا أن هناك متسعاً من الوقت لتفجير هذه الفضائح قبل حلول موعد الانتخابات، وسيأتي الوقت الذي ستثار فيه الفضيحة المتعلقة بالتصريح بالأملاك العقارية لمارين لوبين وأبيها جان ماري لوبين مؤسس «حزب الجبهة الوطنية». وسبق أن تم استجوابهما بتهمة الإعلان عن قيمة منخفضة لأملاكهما العقارية المدوّنة في القائمة التي تقدما بها إلى مصلحة الضرائب.
وحتى السياسي المبتدئ ماكرون، والذي حقق بعض الخبرة السياسية المحدودة من خلال تبوؤ منصب وزير الاقتصاد لفترة قصيرة، هو الآن تحت الشكوك. وفي كتاب صدر حديثاً، اتهم باستخدام صناديق وزارته لإطلاق حملته الانتخابية. لكنه نفى هذه التهمة ولم يتم استنطاقه بشأنها رغم أنها ما زالت مشكلة قائمة ويمكن أن تنفجر فصولها في أي لحظة.
وهناك أيضاً هجمات شخصية. ومنها مثلاً أن ماكرون متزوج من مدرّسته في المدرسة الثانوية، وهي أكبر سناً منه بنحو 24 عاماً، إلا أن المشكلة لا تكمن في هذا الفارق في السن، بل في أن منافسيه اتهموه بأنه «مثلي». وخلال العام الماضي أطلق عليه ساركوزي لقب «الصبي الصغير، والأنثى الصغيرة». وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً متلاحقة ومتطابقة عن علاقة ماكرون برجل آخر.
وسارع ماكرون لنفي هذه الإشاعات بطريقة مازحة، حيث قال لمستمعيه في باريس إن زوجته «بريجيت» تستغرب كيف يمكنه أن يخوض حياتين معاً طالما أنه يلازمها طوال الوقت. وفي بلد ذي ثقافة سياسية عتيدة وندرة في السياسيين المثليين، ربما اعتاد رجل البنوك ماكرون أن يرد على هذه الشائعات دون التعبير عن كراهيته للمثلية. وأظهرت استطلاعات رأي متعددة أنه يتفوق على مارين لوبين من حيث التأييد الشعبي.
ومنذ زمن بعيد، عانى فيّون من التهم المكالة له أشد المعاناة، ربما لأنه حاول أن يسبغ على نفسه مظهر الإنسان الفاضل قبل أن تظهر فضيحة الدفعات المالية غير القانونية التي تلقتها عائلته. أما لوبين التي تلقى الانتقاد من البرلمان الأوروبي، فربما ينتهي بها الأمر إلى الاستفادة من خلافها مع البرلمان الأوروبي الذي دافع عنها. وهذا يعني أن الفساد ومعاداة النخب السياسية لها، من العوامل التي عملت لمصلحتها الانتخابية منذ وقت طويل. وهذا ما حدث مع دونالد ترامب، حيث أدت التهم الموجهة إليه بالفساد إلى نتائج عكسية بالنسبة لمروجيها.
وتسعي لوبين إلى تحصين نفسها من تهم انتهاك القوانين بلعب دور جان دارك من خلال أشرطة فيديو كالتي ظهرت في الأسواق هذا الأسبوع.
ولا شك في أن المرشحين لانتخابات الرئاسة الفرنسية سوف يتعرضون للقذف بالمزيد من الطين خلال الأيام المتبقية على التصويت. وتتوقع وكالة المخابرات الخارجية الفرنسية أن تتدخل روسيا لدعم وحماية مارين لوبين في محاولة منها لدحر منافسيها باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

*محلل سياسي روسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرغ نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا