الاتحاد

عربي ودولي

فرق الدفاع الذاتي ·· دحروا الإرهاب ونسيهم قانون المصالحـةبالجزائــــر !

الجزائر- حسين محمد:

لعبوا دورا بارزا في دحر الإرهاب وإنقاذ الحكم من الانهيار وتجنب تفكك الدولة و''صوملتها'' أو إقامة نظام ''طالباني'' فيها، لكنهم سرعان ما أصبحوا عرضة للتهميش بعد التحسن الكبير للوضع الأمني· إنهم ''المقاومون'' الذين حملوا السلاح طواعية في أواسط التسعينات لدرء الخطر عنهم وعن عائلاتهم ومساعدة السلطات التي كانت تخوض حربا ضارية مع الإرهاب الدموي الذي اشتد ساعده في تلك السنوات· وهذه متابعة لملف ''المقاومين'': ظروف حملهم السلاح، دورهم البارز في مكافحة الإرهاب، ظروفهم الاجتماعية الآن في ظل افتقار المسرَّحين منهم إلى مناصب عمل قارة، وأبرز مطالبهم·
في السنوات الأولى للأزمة الجزائرية، أحدث الإرهاب خسائر بشرية ومادية فادحة، وكمثال واحد تجاوز عدد القتلى في سنة 1994 فقط 15 ألف قتيل· وتعذّر على الجيش ووحدات الأمن والدرك القضاء على الإرهابيين بسبب انتشارهم الكثيف في مختلف القرى والأرياف والمناطق النائية والجبلية بالجزائر والتي تفتقر إلى ثكنات ومراكز قارّة للدرك والأمن، وبسبب كثرة الإرهابيين، حيث تجاوز عددهم 27 ألفاً، وصعوبة التعرف عليهم لأن عناصر الأمن ليسوا أبناء تلك القرى والأرياف، وهو ما جعل الإرهابيين يعيثون فسادا فيها، إلى درجة اعتبارهم بعض القرى ''مناطق محررة'' تابعة لهم·
تجربة ''حزبية''!
وهنا اقترح الدكتور سعيد سعدي رئيس حزب ''التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية'' على السلطات الاستنجاد بأبناء القرى التي تقع تحت سيطرة الإرهابيين وتسليح بعضهم للتصدي لهم، لأنهم يعرفون جيدا هوية كل الدمويين من أبناء تلك القرى· ورفضت السلطات في البداية الاقتراح جملة وتفصيلا، تجنبا للمزيد من انتقادات منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية التي كانت تنتقدها أصلا بشأن ما أسمته ''تجاوزات'' حول حقوق الإنسان أثناء مواجهة الإرهاب·
وإثر ذلك، وجّه ''التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية'' لمناضليه بمنطقة القبائل التي يهيمن عليها سياسياً، نداءً لحمل السلاح و''تحرير'' قراهم من الإرهابيين وحراستها ليلاً لمنع دخولهم إليها لترهيب السكان وابتزازهم، فلبى الكثير من مناضليه النداء وحملوا السلاح دون رخصة من السلطات في عام ،1994 وبرغم تعالي الانتقادات من مختلف الأطراف الحقوقية والمعارضة محذرة من أن تتسبّب هذه''الميليشيات'' في ''حرب أهلية'' بين الجزائريين، إلا أن السلطات تعمدت فيما يبدو أن تغض الطرف عن ''تجربة'' مناضلي سعيد سعدي لمعرفة نتائج تطبيقها ومآلاتها·
وأثبتت التجربة نجاحا كبيرا، واستطاع مناضلو الحزب ''تحرير'' قراهم من الإرهابيين وخفضوا عملياتهم الدموية بشكل محسوس، بل إنهم أرسوا الأمن بشكل تام في بعض القرى، ونالت التجربة إعجاب الرئيس الأسبق اليامين زروال فأعلن في خطاب ألقاه في 24 فبراير 1995 تبنيه للفكرة والسعي لتعميمها، ومن ثمة شرعت السلطات في تسليح عشرات الآلاف من الجزائريين الذين ملّوا العيش تحت رعب الإرهاب، فحمل بعضهم وصف ''الحرس البلدي'' وأغلبهم شباب، وسمّي آخرون بـ''فرق الدفاع الذاتي'' و ''المقاومون''، واستعانت بهم لاستعادة السيطرة على المناطق التي عاث فيها الإرهاب فسادا وتخريبا، ولم تكترث للأصوات المُعارضة التي اعتبرت هذه الفرق ''ميليشيات'' قد تقود الجزائريين إلى حرب أهلية·
دور حاسم
حينما شرعت السلطات في تسليح الناس، أقبل عشرات آلاف المتضررين من الإرهاب على طلب حمل السلاح للانضمام إلى ''الحرس البلدي'' وهي فِرق شبه نظامية ترتدي زيًّا موحدا، أو''الدفاع الذاتي'' وهي فِرق من مواطنين يحتفظون بملابسهم المدنية، وكان بعضهم عاطلا وبحاجة ماسة إلى منصب عمل يعيل به عائلته الفقيرة، بينما كان أغلبهم مهددا مطاردا من طرف الإرهاب·
وانتظمت صفوف هؤلاء بسرعة، وبلغ عددهم مجتمعين حوالي 250 ألف شخص، ويخضعون في تحركاتهم لأوامر الجيش أو الدرك الوطني، ولم يكن هناك فرق واضح بين مهام ''الحرس البلدي'' و ''الدفاع الذاتي'' في الأشهر وحتى السنوات الأولى، حيث كان الجميع يتعاونون في حراسة قراهم ومساعدة الجيش في تمشيط الجبال والغابات المحيطة بها، ولكن بمرور الوقت، تكفل''الحرس البلدي'' بالدفاع عن القرى، بينما تكفّل ''المقاومون'' بمهاجمة الإرهابيين رفقة الجيش في معاقلهم الجبلية·
ولعب الفريقان دورا بارزا في تحسين الوضع الأمني و''تحرير'' القرى والأرياف من رعب الإرهابيين وابتزازهم، فأصبح هؤلاء لا يستطيعون دخول القرى إلا متسللين وبصعوبة بالغة تحمل الكثير من المخاطرة بعد أن كانوا ينزلون إليها من معاقلهم الجبلية ويجوبون أرجاءها بكل سهولة، يقيمون الحواجز ''المزيفة'' للسيارات ويصدرون أحكامهم على الناس بتكفير هذا وهدر دمه لأنه مدخن أو سكّير وذبح تلك لأنها مصرة على عصيان أمرهم لها بارتداء الحجاب، وفرض''الجزية'' على آخر باعتباره تاجرا ثريا··· فانكفأ الإرهابيون بعدها في معاقلهم لا يغادرونها إلا بصعوبة، ومكنوا الجيش توجيه ضربات قاصمة لهم لا سيما وأن الكثير من ''المقاومين'' كانوا مجاهدين في الثورة التحريرية ويعرفون جيدا أن الإرهابيين يختبئون في المغارات الجبلية التي حفروها بأنفسهم أثناء الثورة للانطلاق منها لمحاربة الجيش
الاستعماري الفرنسي·
وإزاء تشديد الخناق على الإرهابيين وقطع صلتهم بالقرى والأرياف التي كانوا يتبجحون بالسيطرة عليها، بدأ اليأس يدب تدريجيا إلى نفوس هؤلاء وأدركوا أن حلمهم بإسقاط النظام الحاكم بالقوة وإقامة ''الدولة الإسلامية'' لم يعد ممكناً الآن، وقد كان قاب قوسين أو أدنى من ذلك· وتزامن هذا اليأس مع إطلاق ''قانون الرحمة'' في 1995 فنزل قرابة 4 آلاف إرهابي من الجبال للاستفادة من العفو والعودة إلى أحضان المجتمع، مما أدى إلى المزيد من الانفراج في الوضع الأمني، وتبعه قانون الوئام المدني في 13 يوليو 1999 الذي قاد إلى استسلام 6 آلاف مسلح، فبدأت الجزائر تستعيد عافيتها بشكل ملحوظ وانزاح كابوس التسعينات·
قلق ومخاوف
وبقدر ما أثار هذا التحسن من ارتياح في نفوس ''المقاومين'' لتراجع المخاطر التي كانت تهدد حياتهم وحياة عائلاتهم، فإنه أثار أيضا مخاوفهم من إمكانية استغناء السلطات عن خدماتهم والعودة إلى براثن الفقر، لا سيما وأن أغلبهم ريفيون يفتقرون إلى مصدر دخل ثابت يؤمّن معيشة لائقة لعائلاتهم· وتعاظمت هذه المخاوف بعد أن تمّ الاستغناء على بعضهم فعلا في مناطق عديدة من الوطن بعد الاستقرار شبه الكامل للوضع الأمني بها، والاكتفاء بشباب ''الحرس البلدي''، فضلا عن التذبذب في منحهم أجورهم أو ''المساعدات'' المالية التي كانت الدولة تمنحها لهم بين الفينة والأخرى بشكل منتظم، وسحب أسلحة الكلاشينكوف والسيمينوف التي كانت بحوزتهم واستبدالها ببنادق صيد·
وتؤكد بعض تنظيماتهم أن عددهم قد انخفض إلى حدود 20 ألف ''مقاوم'' فقط بعد أن كانوا في حدود 120 ألفاً، وأنه سيتم الاستغناء عن هذا العدد الضئيل بمجرد استتباب الأمن ببعض المناطق التي لا تزال ساخنة أمنياً، دون حسم في مسألة مصير المسرحين وإقرار تعويضات مناسبة لهم·
ويتحدث الكثير من ''المقاومين'' الآن بمرارة وأسى عما يسمونه ''جزاء سنمار''، حيث رمتهم الدولة بعد أن تحسن الوضع الأمني، وانتفت تقريبا الحاجة إليهم وتنكرت لمجهوداتهم وتضحياتهم الجسيمة لاستعادة الأمن بالجزائر، وقد لاحظنا حينما تحدثنا إليهم مدى سيطرة مشاعر الحيرة والإحباط والخوف من المستقبل على نفوسهم·
إلا أن رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى ينفي قطعا أن يكون للدولة نيّة في الاستغناء عن''المقاومين'' الذين لبوا نداء الجزائر حينما اشتدت الهجمة الإرهابية في أواسط التسعينات وخاطروا بأرواحهم لإنقاذها، ويؤكد أو يحيى أن الدولة لن تنسى صنيع أبنائها وستفكر في حلول منصفة لـ''المقاومين'' و''الحرس البلدي'' على السواء·
ومنذ أشهر قليلة أكد وزير الداخلية يزيد زرهوني عدم وجود نية للاستغناء عن ''المقاومين'' الذين تبقوا في الخدمة، وفي حال الاستتباب الكامل للوضع الأمني وانتهاء الإرهاب، فستجد لهم الدولة بدائلَ مناسبة وفرص عمل لائقة ولن تتخلى عنهم دون تعويضات·
مطالب اجتماعية
إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية لطمأنة ''المقاومين'' خصوصا وأن ''قانون المصالحة'' الصادر في 28 فبراير 2006 اكتفى بتوجيه ''تحية شكر وعرفان'' لهم، ولم يتحدث عن مصيرهم بعد استتباب الأمن وحقوقهم، ولم يتضمن أية تعويضات للمسرحين منهم، وهو ما غذى إحباط ''المقاومين'' وقلقهم ودفعهم إلى التحرك في إطار جماعي للاحتجاج حينا والمطالبة بحقوقهم حينا آخر، كما اتصلوا برئيس الهيئة الاستشارية لحقوق الإنسان فاروق قسنطيني لتحميله رسالة إلى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة تتضمن انشغالاتهم ومطالبهم، وقال قسنطيني إنه قام بتحويل ملفهم إلى الرئيس و''لمس لديه تفهما واهتماما بمطالبهم، وسيتم التكفل بها''·
ويطالب ''المقاومون'' بتحويل تصريحات أويحيى وزرهوني إلى واقع ملموس من خلال سن قانون يحفظ حقوقهم وأهمها تحسين إدماجهم في مؤسسات أخرى واحتساب سنوات الخدمة في مكافحة الإرهاب ضمن سنوات التقاعد، وتأمين منح شهرية للمسنين منهم الذين يفتقدون لأي دخل والتكفل المادي بعائلات ''المقاومين'' المغتالين وأراملهم وأطفالهم اليتامى·
وتتفاءل ''المنظمة الوطنية للمقاومين'' بتحقيق هذه المطالب لاسيما وأن حزب ''التجمع الوطني الديمقراطي'' العضو في التحالف الحكومي بالجزائر يتبنّاها باعتبار أن أغلب ''المقاومين'' ينتمون إلى هذا الحزب، ويؤكد زيتوفي إدريس رئيس المنظمة وعضو ''التجمع الوطني الديمقراطي'' أن السلطات ستصدر مرسوما قانونيا خاصا بهذه الفئة استنادا إلى المادة 47 من قانون المصالحة التي تتيح المجال لرئيس الجمهورية في أي وقت اتخاذ خطوات إضافية يرى أنها ستحقق المصالحة الوطنية، وأن أهم ما يتضمنه المرسوم المنتظر هو إعادة إدماج ''المقاومين'' في مناصب عملهم السابقة، أو إيجاد مناصب أخرى لهم، ومنها ''أعوان أمن'' في المؤسسات العمومية· ويرى متتبعون أن ''المقاومين'' سيحققون مطالبهم فعلاً وستسن الدولة قانونا خاصا بهم يضمن لهم تعويضات مناسبة، ليس لأن جمعياتهم تضغط في هذا الاتجاه بمساعدة ''التجمع الوطني الديمقراطي''، بل لأن الدولة تجد نفسها معنويا في وضعية تحتم عليها إبلاء هؤلاء ما يكفي من الاهتمام وتحقيق مطالبهم بعد أن سارعوا إلى تلبية النداء في 1995 وحملوا السلاح بعشرات الآلاف ورجحوا كفتها على الإرهاب، ومن غير اللائق الآن بعد أن استتب الوضع بشكل مقبول أن تتنكر لتضحياتهم وجهودهم وتدير لهم ظهرها، ثم إن سلوكا مثل هذا سيجعل المواطنين يحجمون عن نصرتها في حال حدوث فتنة أخرى مشابهة لا قدر الله لاسيما وأن الاستقرار الكامل لم يتحقق بعد برغم مرور 15 كاملة على بداية أزمة 11 يناير ،1992 وهناك سبب آخر وجيه لتعويض هؤلاء وهو أن الدولة أقرت تعويضات هامة لعائلات الإرهابيين المقتولين وعائلات المفقودين المحسوبين على ''الجبهة الإسلامية للإنقاذ'' المحظورة ومناضلتها الذين فقدوا مناصبهم لأسباب سياسية··· فهل يعقل أن تمنح ديات ومعاشات شهرية معتبرة لعائلات من حمل السلاح في وجهها وقُتل ولا تمنح تعويضات مقبولة لمن حمل السلاح دفاعا عنها؟!

اقرأ أيضا

مبعوث أممي: الحكومة اللبنانية الجديدة ستطبق إصلاحات وتحارب الفساد