عربي ودولي

الاتحاد

عالم متعدّد الأقطاب أم إحياء لحركة عدم الانحياز؟




خاص- الاتحاد:

نجاح هوجو شافيز الكاسح في الانتخابات الرئاسية في فنزويلا·· وصفه الرئيس الكوبي فيدل كاسترو بأنه ليس له مثيل في تاريخ أميركا اللاتينية·· واعتبرته إيران انعكاساً لمعارضة الشعوب للسلوكيات المتعجرفة التي تتبعها الولايات المتحدة·· أما شافيز نفسه فقد أعلن أن فوزه بمثابة هزيمة جديدة لـ''الشيطان'' الذي يرغب في السيطرة على العالم -في إشارة للرئيس الأميركى جورج بوش· وأكد أن هذا النصر هو انتصار للديموقراطية الثورية وأن عهد الاشتراكية هو عهد المستقبل·
والسؤال: هل يفتح فوز شافيز بالرئاسة مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تدشن تحالفاً دولياً لمناهضة النفوذ الأميركي ، مستفيداً من مشاعر السخط التي تسيطر على شعوب العالم ضد واشنطن؟ والى أي مدى يمكن أن ينجح هذا التوجّه خصوصاً وقد اتضح أن لدى شافيز رؤية لإقامة تحالفات بين مجموعة دول أميركا اللاتينية والدول العربية والإفريقية بشكل عام، ومع إيران على وجه الخصوص، حيث بدا حرص حكومتي كاراكاس وطهران على توثيق علاقاتهما الثنائية؟
إذا نظرنا إلى ملامح سياسات ''شافيز'' لن نجد تعبيرا أكثر دقة عنها مما قاله بنفسه ''أنا الشعب'' وذلك عندما فاز بـ62 بالمائة من الأصوات، مقابل 37 بالمائة لمرشح المعارضة روزاليس في الانتخابات التي أجريت أخيراً·
فقد أخذ الرئيس الفنزويلي صف شعبه·· وواجه شركات النفط العاملة في بلاده والتي تجني أرباحاً طائلة من الثروة النفطية الضخمة التي تمتلكها فنزويلا، في الوقت الذي يعاني فيه أبناء الشعب من الفقر المدقع مع أنّ بلادهم أحد أكبر مصدري النفط في العالم· فخصص شافيز جزءا من إيرادات النفط لصالح البرامج الاجتماعية والصحية والتعليمية مما خلق خصومة بينه وبين رجال الأعمال في بلاده بشكل عام·
وقد تجلت شعبية شافيز العارمة عام 2002 عندما وقعت محاولة انقلابية فاشلة ضده؛ إلا أن ملايين الفنزويليين خرجوا إلى الشوارع يهتفون باسمه، وتحرّكت عناصر من الجيش لإجهاض محاولة رجل الأعمال بيدرو كارمونا للسيطرة على الحكم·
وزاد من شعبية الرئيس الفنزويلي مجاهرته بلغة العداء لسياسة الولايات المتحدة والتهكم على رئيسها حتى أن بعض المحللين الأميركيين أجمعوا على القول للصحف الأميركية بأن شافيز فاق الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في الهجوم على الإدارة الأميركية والرئيس بوش·
الظروف تخلق الأدوار
اختلف الخبراء حول قدرة شافيز على قيادة تحالف دولي ضد الولايات المتحدة، فيرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، أنه لا يجب تشخيص المسألة، فمع أنّ شافيز يُعدّ رجلاً مهمًاً في أميركا اللاتينية إلا أن الدور تخلقه الظروف الدولية ولا يخلقه شخص·· ومع ذلك فيمكن لأميركا اللاتينية بحكم قربها من الولايات المتحدة أن تكون في طليعة الرافضين لكل صور الهيمنة وذلك عن طريق قيادة حركة مشابهة لحركة عدم الانحياز·· فشافيز ليس وحده وإنما معه عدد كبير من دول أميركا الجنوبية التي تسيطر عليها حكومات ذات توجهات للطبقات الفقيرة ولديها رغبة في إحداث الإصلاح المطلوب·
ويشير د· نافعة إلى أنّ الدور الذي لعبته آسيا وأفريقيا في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي في تأسيس حركة عدم الانحياز لضمان استقلالية دول العالم الثالث في عالم ثنائي القطبية، جاءت اليوم أميركا اللاتينية لتلعب هذا الدور·
وفي ما يخص علاقات فنزويلا وإيران، أكد أن ما يجمع بين الدولتين العداء للصلف الأميركي، إلى جانب أنّ كلتيهما دولة نفطية تربطهما مصالح مشتركة· ورغم وجود اختلاف في الإيديولوجية بين البلدين إلا أنه بالنظر إلى قادة دول عدم الانحياز في الماضي سنجد أنه لم تجمعهم رؤية ايديولوجية واحدة وإنما جمعهم هدف الحفاظ على الاستقلال·
وعلى صعيد العلاقات العربية- اللاتينية، أوضح أنه كانت هناك فرصة خلال القمة التي عقدت منذ عامين لتجمع بين قادة المنطقتين ولكن تبعية عدد كبير من الدول العربية لأميركا أجهضت المحاولة·
طغيان المصالح
ومن جهته يؤكد اللواء دكتور نبيل فؤاد، أستاذ العلوم الاستراتيجية المتفرغ؛ أنّ أفكار شافيز هي أفكار حركة عدم الانحياز والتي للأسف ليس لها أي فعالية الآن·· ويعتقد اللواء دكتور نبيل فؤاد أن هذه الأفكار ليس زمنها الآن بسبب وجود قوّة أحادية الكل يخطب ودّها، ولذلك لم يتفاعل مع شافيز سوى دول أميركا الجنوبية·
وأوضح أنه إذا كانت الشعوب ساخطة فالحكام ليسوا ساخطين وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان أن تمتد هذه الأفكار وتنتشر·· فعلى سبيل المثال في منطقة الشرق الأوسط هل نجح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في استقطاب دول المنطقة مستغلاً شعور الشعوب العربية بالسخط تجاه الولايات المتحدة؟ فلهذه الدول مصالح مع واشنطن·
ويذكر د· نبيل في هذا الإطار أن شافيز زار مصر في محاولة لإعادة إحياء حركة عدم الانحياز إلا أن دعوته لم تنجح لأنه ليس هذا زمن هذه الأفكار، وإن كان ذلك لا يعني أنها خاطئة· وفي ما يتعلق بالاشتراكية التي أعلن شافيز أنها عهد المستقبل في بلاده، أكد أن للزمن دورات وأن الاشتراكية ستعود مرة أخرى عندما يكتوي العالم بنيران الرأسمالية·
صعوبة تغيير الموازين الدولية
أكد السفير محمد عز الدين، أستاذ المنظمات الدولية ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن مقدرة شافيز على تغيير موازين القوى الدولية محدودة، إلا أن نجاحه دليل على التأييد الشعبي خصوصاً وأن ما حصل عليه من أصوات في الانتخابات الأخيرة يفوق ما سبق وحصل عليه في المرتين السابقتين·
وأضاف أنه يجب تقويم إعادة انتخابه بالنظر إلى أربعة عوامل في إطار خاص بأميركا اللاتينية:
أولاً: أن أميركا اللاتينية تُعتبَر ''مركز اختبار'' لدول العالم الثالث، حيث أنها سبقت دول العالم الثالث كافة في الاستقلال بنحو قرن من الزمان مما زوّدها برصيد أكبر من الخبرة السياسية كدول مستقلة·
ثانياً: شعوب هذه المنطقة معتادة على الممارسة السياسية المكثفة والنشطة، مما انعكس على تجربة شافيز·
ثالثاً: فنزويلا تتمتع بموقع استراتيجي حساس بحكم قربها من الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن الثروة النفطية الهائلة التي تمتلكها·
رابعاً: هناك تناقضات تتسم بها هذه المجتمعات، حيث خلقت الثروة النفطية طبقة غنية وشريحة كبرى من الشعب الفقير·
ويؤكد السفير محمد عز الدين أن هذه العوامل الأربعة خلقت هذا الوضع، ومع ذلك فإن أي تحرّك دولي مؤسّس له متطلبات؛ أهمها:
ü عدد كاف من الأطراف الدولية
ü وجود تواصل جغرافي بين هذه الأطراف·
* العمق؛ بمعنى وجود امتداد داخل أميركا اللاتينية ذاتها·
وتساءل عما إذا كان من الضروري أن تكون فترة شافيز الرئاسية الجديدة مثل سابقتها؟! فلا يزال الأمر مجرد فرضية·· وإذا كان التأييد الشعبي سيشجعه على المضي في سياساته·· هل ما سيصادفه سيصعد من توجهاته أم سيحدّ منها أم ستبقى كما هي؟!
وعن العلاقات العربية- اللاتينية؛ أكد أنّ هناك مجالاً طيباً للعلاقات إلا أنه لا يجب التعميم·· فهناك لقاء مع دول الخليج العربي بوجه خاص في إطار منظمة الدول المصدرة للبترول ''أوبك''·· وهناك تلاق مع لبنان وسوريا في الإطار الثقافي حيث أنّ عدداً كبيراً من أبناء أميركا اللاتينية هم من أصول لبنانية وسورية·· ومن جهة أخرى -على سبيل المثال- البرازيل كان تبادلها التجاري مع جنوب أفريقيا حتى عامين يبلغ تسعة أمثال حجمه مع مصر·· ولذلك هناك حاجة للجهد والتكثيف في مجمل العلاقات العربية- اللاتينية لخلق ''نسيج كامل''، وليس مع فنزويلا فحسب·
عبدالناصر ونكروما
ومن جانبه، أكد د· جمال زهران، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة قناة السويس، وعضو البرلمان المصري المستقل، أن نجاح شافيز يُعدّ تعبيراً عن إرادة الشعوب في العالم الثالث وتعبيراً عن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، تعيد الاعتبار إلى هذه الشعوب وتعطيها الأمل· وأضاف أنه ومع اعتراف أميركا بمحاولة الانقلاب عليه وفشلها، جرى استفتاء شعبي بإشراف الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر نجح فيه شافيز، ثم عاود ونجح هذه المرة وهو ما يدل على أن خطابه مقبول لدى الجماهير لرفض الهيمنة الأميركية·
وأوضح أن من أهم دلالات هذا النجاح: إحياء الأمل لدى الشعوب للتحرّر والاستقلال عن الهيمنة الأميركية·· مما فتح مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تتسم بالتعددية القطبية حيث يأخذ العالم الثالث مكانه·
وأعرب عن أسفه لأن العرب لا يعون مقدار الخسائر الأميركية المتوالية في العراق وأفغانستان·
وأكد أن أميركا الجنوبية ازدادت قوة بنجاح شافيز وأن عودة اليسار والاشتراكية قد يساعد على صياغة عالم جديد؛ ونأمل أن تلعب مصر فيه دوراً أساسياً· وقال إنّ شافيز زعيم عصر جديد يذكّرنا بنكروما وعبد الناصر· في الوقت الذي جاءت فيه أميركا الجنوبية اليوم لتلعب دور دول عدم الانحياز في الماضي عندما كانت مصر هي المحفز لأفريقيا والهند لآسيا·· ويذكر د· جمال بأن شافيز يسبق العالم العربي في المواقف الوطنية في مواجهة إسرائيل·· فقد كان أسبق من أية دولة عربية في طرد السفير الإسرائيلي من بلاده إبّان الحرب على لبنان·

اقرأ أيضا

موريتانيا والسنغال تدعوان لإقامة تحالف واسع ضد الإرهاب