صحيفة الاتحاد

تقارير

أميركا... اتفاق لمواجهة «الهاوية المالية»

لوري مونتجومري وبول كين
محللان سياسيان أميركيان


وافق مجلس الشيوخ الأميركي في وقت مبكر من يوم أمس الثلاثاء على اتفاق لتفادي «الهاوية المالية» برفع حاد للضرائب لأول مرة خلال عقدين من الزمن لينسجم مع ما سبق لأوباما أن تعهد به من زيادة الضرائب على الشرائح الميسورة.
وكان الاتفاق الذي رعاه كل من نائب الرئيس «جو بايدن» وزعيم الأقلية «الجمهورية» في المجلس، «ميتش ماكونيل» قد مرر بتأييد 89 صوتاً مقابل رفض 8 أصوات، ويبقى أن يصادق مجلس النواب على الاتفاق الذي ليس مضموناً تمريره، وإنْ كان أغلب المراقبين يتوقعون المصادقة عليه لتفادي الأسوأ في حال عدم القيام بذلك، ويستهدف الاتفاق أساساً دافعي الضرائب الذين يتجاوز دخلهم السنوي 450 ألف دولار، لترتفع نسبة الضرائب التي يدفعونها سواء على الدخل المباشر، أو عوائد الاستثمارات وأرباحها، لكن وفي الوقت نفسه تعهد الاتفاق بحماية أكثر من 100 مليون أسرة أميركية لا يتعدى دخلها السنوي 250 ألف دولار.
هذا الاتفاق اجترحه المشرعون الأميركيون قبل ثلاث ساعات فقط من الموعد النهائي منتصف الليل لانقضاء الإعفاءات الضريبية والإنفاق الحكومي لتنطلق تلقائياً سلسلة من الإجراءات التي رأى فيها الخبراء تهديداً للاقتصاد الأميركي ووضعه مرة أخرى على عتبة ركود جديد.
وفي النهاية، وبعد مفاوضات عسيرة تمكن المشرعون من تجاوز عقبتين أخيرتين تتعلقان بالضريبة على العقار والخفض التلقائي في نفقات الدفاع، التي كانت ستؤثر على «البنتاجون» ووكالات فيدرالية أخرى، ويبدو أن الاتفاق تبلور بعد تنازلات متبادلة من «الجمهوريين» و«الديمقراطيين»، حيت تنازلت المعارضة «الجمهورية» في مسألة خفض الإنفاق الحكومي من خلال الموافقة على تأجيل لمدة شهرين قبل البدء في تقليص النفاقات، هذه الأخيرة سيتم تعويضها من خلال الضرائب الجديدة التي ستدخل حيز التطبيق ما أن يصادق عليها مجلس النواب ويوقعها الرئيس لتصبح قانوناً نافذاً.
هذا فيما قدم البيت الأبيض تنازلا كبيراً فيما يخص الضريبة العقارية، موافقاً على مقتضيات تجعل العقارات التي تتجاوز قيمتها 15 مليون دولار تفلت من الضريبة، لكن رغم توصل إدارة أوباما وأعضاء الكونجرس إلى اتفاق يسمح بتفادي ما يعرف باسم «حافة الهاوية المالية» فإن الأمر لم يحسم بعد مع بدء الفترة الرئاسية الثانية لأوباما.
ورغم اتفاق أغلب الأطراف على أنه سيتم تفادي الأسوأ، فإنهم يؤكدون أيضاً على الخسائر السياسية الناجمة عن فشل الإدارة الأميركية والكونجرس في التوصل إلى اتفاق لإنقاذ الاقتصاد الأميركي من تداعيات الأزمة المالية على مدى الشهور الماضية، فقد فشل الكونجرس في التوصل إلى اتفاق قبل منتصف ليل أمس رغم أن هذا الموعد محدد منذ أكثر من عام، والأكثر من ذلك ما تم التوصل إليه في الدقائق الأخيرة من العام الماضي لا يعد اتفاقاً دائماً وإنما «حل وسط» مما يعني أن جولة جديدة من الصراع بين الإدارة والكونجرس ستبدأ قريباً.
بيد أن التوصل إلى اتفاق لتفادي العواقب الكارثية لـ«حافة الهاوية المالية» في الدقائق الأخيرة أمس لم يقدم حلاً جوهرياً للأزمة الحقيقية، وهي الدين العام الأميركي الذي يبلغ 16 تريليون دولار، فعلى مدى حوالي 500 يوم منذ موافقة الكونجرس على زيادة سقف الدين العام فشلت الإدارة الأميركية والسلطة التشريعية في التوصل إلى حل «متوازن» على حد وصف أوباما يضمن الحد من عجز الميزانية ومعدل الدين العام، وفي الوقت نفسه يحمي الاقتصاد المتعثر من تداعيات الإجراءات التقشفية المتمثلة في زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام.
والآن مرة ثانية تبدو واشنطن كما لو كانت ستتفادى بالكاد كارثة اقتصادية بحيث تلجأ للمراوغة مع تجنب التعامل مع المشكلة الضخمة لخفض الإنفاق، وهو ما أشار إليه «جو مانشين»، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي، قائلا:«لا عذر لنا إطلاقاً بعد أن وجدنا أنفسنا في هذا الموقف وفي هذا التوقيت».
ويتحمل «الجمهوريون» الذين يسيطرون على أغلبية مقاعد مجلس النواب جزءاً من مسؤولية عدم بلوغ اتفاق من قبل لأنهم أصروا على ضرورة استمرار الإعفاءات الضريبية التي يتمتع بها الأغنياء مع خفض مخصصات الخدمات الاجتماعية للمسنين والفقراء.
وفي المقابل يرى أوباما الذي يصر على ضرورة إلغاء التخفيضات الضريبية التي يتمتع بها الأغنياء أن فوزه بفترة رئاسة ثانية في الانتخابات دليل على التأييد الشعبي لموقفه.
لكن مع ذلك اضطر الرئيس الأميركي إلى تقديم تنازلات خلال الأسابيع الماضية أمام «الجمهوريين»، ووفقاً للاتفاق سيتم إلغاء الإعفاءات الضريبية لمن يزيد دخله عن 400 ألف دولار سنوياً للأفراد و450 ألف دولار سنوياً للأسر، غير أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء بشأن الحيلولة دون سريان خفض تلقائي في الإنفاق بنسبة 10 بالمئة، أي ما يعادل انخفاض في النفقات قدره 110 مليارات دولار وسبل تحقيق ذلك.
وحذر خبراء اقتصاديون بالحكومة من أن اقتصاد البلاد سيعاني تقشفاً بقيمة 600 مليار دولار من خلال رفع الضرائب وخفض الإنفاق وقد يعود إلى دائرة الركود من جديد.
ويمثل الاتفاق تنازلا من جانب «الجمهوريين» الذين كانوا يريدون أن تشمل الإعفاءات الضريبية جميع الأميركيين بمن في ذلك الأغنياء. ومن دون إقرار الاتفاق سيبدأ الأميركيون العاديون في دفع ضرائب أكثر على الدخل تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف دولار، مما يعني أنهم سينفقون مبالغ أقل على السلع الاستهلاكية التي تدعم الاقتصاد الأميركي الذي لا يزال هشاً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفس»