ثقافة

الاتحاد

تشكيليون إماراتيون: المشهد الفني يعاني «الغيابات»!

تتنوع الفنون البصرية وتلتقي أهدافها في السعي نحو الجمال والمحبة والسلام، لتكون لغة للتشكيل والتصوير والرسم والخط العربي، ما يمنح المشهد النفسي والبيئي والتكويني والاجتماعي بعداً آخر من موسيقى المخيلة وفضاءات الروح، لكن، هل يكتفي الفن بحضوره الواقعي في الأماكن والمواسم والمهرجانات؟ وهل هناك ثقافة اجتماعية فنية تحضر لتناقش وتحاور وتتأمل وتقتني؟ أم أن هناك غياباً رغم الحضور؟ لأن في الإمارات العربية المتحدة فضاء كثيفاً للفن المعاصر بأشكاله وخاماته ووسائله ووسائطه ومهرجاناته وجوائزه وتفاعلاته المختلفة، تساءلنا: الفن اليوم، التشكيل حضور أم غياب؟ ولماذا؟ وجاءت إجابات التشكيليين المشاركين متنوعة الرؤى والاقتراحات والطموحات الهادفة لمزيد من التألق في هذا المشهد.
يرى التشكيلي د. عبدالقادر الريس أن هناك فروقاً بين أواخر القرن الماضي والزمن الحاضر الذي سهّل كل شيء، وأخبرنا بأنه اضطر إلى إقامة معرضه التشكيلي الأول في المكتبة العامة بدبي 1974، بينما الآن، هناك الكثير من صالات العرض، إضافة للمتاحف والأنشطة والفعاليات الفنية والمهرجانات والبيناليات ودعم المؤسسات، وعلى الفنان أن يعمل أكثر ويطور أدواته وأعماله، لأن هناك تقصيراً من بعض الفنانين أنفسهم، أو عدم متابعة الإنتاج، مثلاً، أو عدم التجديد في أعمالهم الفنية.
ولفت إلى أن التكرار يترك تأثيراته السلبية، ولدى الجميع فرصة العودة إلى المشهد الفني، لاسيما من الفنانين القدامى، ولاحظ أن هناك غياباً للفنانين الإماراتيين وأعمالهم في الساحة الفنية الإماراتية، وذكر أنه: في فترة جيل الرواد لم تكن الكتب الفنية والمكتبات الفنية موجودة، ولا صالات العرض، وأصبح الآن، بإمكان الفنان إصدار أعماله في كتب، بينما صالات العرض تملأ الأحياء الفنية والأماكن، وهذا من سهولة العصر وسرعته الحالية، لقد بدأنا من اللاشيء، وأعتقد أن بعض الفنانين قادر على الإنتاج، مثل عبدالرحيم سالم، موسى الحليان، محمد الاستاد، سلمى المري، مطر بن لاحج، وغيرهم. هناك حركة فنية ومشهد حيوي ونشط، ولكن، لابد من تطوير المستوى وفرض الإنتاج الإبداعي ضمن هذا الزخم التراكمي، ولاسيما أن الظروف مساعدة للفنانين، مؤكداً: بعض الفنانين منتجون، ولكن، ليس لهم حظ في الانتشار.
وأضاف: أقترح أن تكون مشاركتنا الإماراتية في «بينالي فينيسيا» مثلاً، مرة للرواد، ومرة للشباب، وأن تعرض أعمالنا في المتاحف، لأن الزائر، والسائح، والقادم الأجنبي، يبحث عن الأعمال الفنية المحلية، وبكل تأكيد، لا يزور المتاحف ليشاهد الأعمال الموجودة في بلاده، وأيضاً، الجداريات ضرورية، وأن يكون الفن حاضراً في الأماكن العامة كظاهرة اجتماعية فنية ثقافية فهذا ضروري.
واسترسل: وأقترح أن تكون هناك جمعية للفنون التشكيلية في كل إمارة، وأن يكون لها دورها الفاعل، وهذا يجعل الأجيال تلتقي وتتحاور واقعياً، لأن العالم الافتراضي لا يغني عن الواقعي، وهذه اللقاءات تساعد على اكتشاف المواهب الإبداعية، وتطوير المستوى الفني بتنافسية إبداعية بين الجميع، ما يجعل الإنسان منتجاً أكثر منه مستهلكاً مع أدوات التكنولوجيا ووسائلها الحديثة، وأقترح أن تخصص الجهات المختصة، ومن الممكن أن تكون وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، صالة عرض خاصة «غاليري» بالفنانين الإماراتيين في كل مكان من الإمارات، مثلاً حي الفهيدي، ثري دي دبي، السركال أفنيو، أبوظبي، الفجيرة، الشارقة، ليتم الاستثمار في الفن أيضاً عرضاً وبيعاً، ومن الممكن تخصيص مساحة مناسبة في مراكز التسوق، ليكون الفن الإماراتي أقرب إلى المجتمع.

حضور دائم
تقول التشكيلية د. نجاة مكي: التشكيل الإماراتي حاضر دائماً والغياب معدوم، لأن الفن وبأشكاله كافة، التشكيلية والتصويرية، حاضر في أرجاء الإمارات كافة بين معارض جماعية وفردية محلية وعربية وعالمية، إضافة إلى المهرجانات والملتقيات والندوات والجلسات الحوارية الفنية، ويحتار الفنان والمتلقي كيف يوزع وقته بين هذه الفعاليات الحاضرة يومياً وعلى مدار السنة، ونلاحظ دور المؤسسات والغاليريهات والبيناليات في هذا المجال، مثل بينالي الشارقة، مؤسسة الشارقة للفنون، مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية، مهرجان الخط العربي، وفي دبي ما تقدمه هيئة دبي للثقافة والفنون، حي السركال أفنيو، قرية البوابة العالمية، آرت دبي، أرت أبوظبي، دبي ديزاين، مهرجان سكة الفني، منطقة الشندغة، والمتاحف، والمجمع الثقافي، وجزيرة السعديات الثقافية، ومتحف اللوفر أبوظبي، ومركز الشيخة سلامة، إضافة إلى المعارض التي تقام في صالات الفنادق، وتكمل هذه الحركة معارض المجوهرات المعتمدة على التصاميم الفنية والتشكيلية.
وأضافت: المشهد الفني في الإمارات متنوع بين رسم وتصوير وتشكيل ونحت، يضم التجارب المتنوعة لأسماء محلية وعربية وعالمية، كما أنه يلتفت بقوة لتجارب الشباب والأطفال والطلاب، ويهتم بالإقامات الفنية للإماراتيين، كما يستضيف فنانين عرباً وعالميين، ويتيح الفرصة للجميع، ويشكّل بيئة جاذبة للمستثمرين الفنيين، كونه يجمع فنون العالم المتنوعة والمختلفة، وتدعم ذلك أيضاً الجوائز مثل جائزة النقد التشكيلي في الشارقة، جائزة مركز كولاج، جائزة الشيخة منال للفنانين الشباب، جائزة الشيخة لطيفة بنت محمد لإبداعات الطفولة، وجوائز أخرى.

الفنان الغائب
يقول التشكيلي د. محمد يوسف إن الأنشطة الفنية موسمية أكثر منها يومية، وتحت مسميات عديدة منها سكة للفنون المفتوح للجميع، وآرت أبوظبي ومؤسسة الشارقة للفنون ومهرجان الفنون الإسلامية، لكونها معارض نوعية، وتبحث عن المختلف، والمتخصصين، بينما تتسم الغاليريهات بالنزوح إلى الرسم والبعد التجاري، والمسألة تتعلق بذائقة الناس بكل تأكيد، وثقافتهم الفنية، المعارض موجودة، لكنها غائبة عن المؤسسات الحكومية، ونحن بحاجة إلى تطوير، ولابد من تطوير أكاديمي والانتقال بالفن إلى العامة.
وتابع: أتمنى الخروج من الفن التقني وبرامج الغرافيك الحديثة والتصوير المصاب بفيضان، لأن الفن من مقوماته العلاقة مع الناس والتحدث معهم، والتحاور مفيد للفنان والناس على حد سواء، رغم وجود جلسات حوارية وندوات إلاّ أن الناس غائبة، للأسف الشديد، والإعلام غائب وبعيد عن دوره العميق المنشود من خلال البحث والدراسة والقراءة النقدية للوحات الفنية، كما أن هناك إعلاميين بحاجة للثقافة، فلا يعقل بعد أربعين سنة من الفن وإصدار عدة كتب أن يسألني إعلامي صحافي أو تلفازي أسئلة سطحية: ما اسمك؟! ما رأيك بالفن؟! ما رأيك بالمرأة؟؟
نحن بحاجة إلى فلسفة الفن والنقد الفني ومتلقي الفن المثقف والإعلام المهتم بعمق الفن وثقافته ودوره الجمالي والتثقيفي، وبحاجة إلى متابعة الأعمال الفنية الداخلة والخارجة من الإمارات من قبل الجهات المسؤولة مثل المجلس الوطني للإعلام ووزارة الثقافة وتنمية المعرفة، لمتابعة الأعمال الفنية ومخاطبة الجمارك لفرض الرسوم، ولابد من رقابة لأجل المستوى الفني، والحرص على استفادة الفنان الإماراتي أكثر وضرورة حمايته وإعطائه دفعات إيجابية إلى الأمام، وضرورة حضوره في جميع الفعاليات والأنشطة، وفي جميع الأماكن العارضة ومنها الصالات الفندقية، ولابد من إعطاء سلطة أكبر لجمعية الفنون التشكيلية.
واسترسل: أقترح أن يكون جناح خاص للفن الإماراتي في متحف الفنون، والأماكن الفنية الأخرى، يقدم لوحات مختلفة للمنتوج المحلي بشكل شهري، كما أرجو الخروج عن التركيز على فنان واحد أو شكل فني واحد مقابل إهمال الفنانين الآخرين والأشكال الفنية الأخرى، أنا متمسك بالأشكال الفنية كافة، لكن، لا أقبل التطرف لمصلحة شكل معين واسم معين، مثلاً، اكتشفوا حسن شريف بعد وفاته، وأنا لا أريد أن يكتشفوني بعد موتي.
وأكد: لابد من البحث عن الفنان الإماراتي الغائب، لأن التركيز على أسماء معينة فقط، وإغفال بقية الأسماء، يجعل جزءاً من المشهد الفني غائباً أيضاً، لاسيما الرواد والقدامى، نحن بحاجة للبحث العميق عن عبدالرحيم سالم مثلاً ومنى الخاجة، ومن الخطاطين لابد من البحث العميق عن محمد مندي وخالد الجلاف والعديد من الفنانات والخطاطات، والأهم، علينا البحث عن الفنانين والمبدعين بين الشباب والطلاب وفي المعاهد والكليات والمدارس، علينا اكتشاف المبدعين وفي جميع التخصصات لأنها الخطوة الأكثر إيجابية لبناء الإنسان وبناء المستقبل.
وتابع: أتمنى خروج الفنانين إلى الشوارع والمشاركة في فنون الجداريات والتكوينات والتركيبيات، لأنها إحدى الحلول المناسبة، المتكاملة مع الرقي الذي تعيشه الإمارات. وأضاف: من الممكن مشاركة الفنانين وتكليفهم بأعمال فنية في الأماكن العامة كالمطارات والحدائق والمتنزهات والأماكن الثقافية والسياحية، ومن الممكن أن يتجدد حضورهم تبعاً لوسائل حديثة ومعاصرة، مثلاً، في ألمانيا درجت العادة على احتساب 20 % للفنان من أي مشروع عمراني أو معماري، إضافة للمصمم والمستشار، لماذا لا نطبق ذلك على منتجنا الفني المحلي؟
واختتم د. محمد يوسف: وكم هو جميل أن يتم تكليف الفنانين الإماراتيين من قبل الجهات المختصة بذلك في تجميل هذه الأماكن العامة، والبحث عن الديمومة، لأننا، في حال إشراكنا في هذه الثقافة الفنية، نكون قد اكتسبنا طاقة إيجابية أكثر ولفتة روحية تجعلنا أقرب إلى الحضور من الغياب، نريد أن نشعر بأننا أحياء فنياً، ورغم اعتزالي مؤخراً، وبعد 40 عاماً، عن الفن والإعلام إلا أنني خصصت «الاتحاد» بهذه الإجابة.

نفتقد المختصين والمكتشفين
بدورها، أكدت التشكيلية عائشة العبار أن الفن اليوم هو الحاضر الغائب، لكنّ الفنانين الإماراتيين موجودون، والحكومة تطور قطاع الثقافة والفنون بطريقة جميلة، وهناك توجهات فنية إيجابية ومختلفة، وفعاليات ومهرجانات وجوائز وحركة مشهدية متحركة، إلاّ أن القلة تقدّر قيمة العمل الفني، وتقتنيه.
وأضافت: نحتاج إلى مختصين يبحثون ويكتشفون ويقتنون، وإلى مشروعات مختلفة لتفعيل الطاقة الإبداعية للفنان والناس بطريقة إيجابية كي لا نصاب بالإحباط، وربما الجيل الجديد يختلف قليلاً لأنه بدأ يعي قيمة الفن، وأهمية اقتنائه، وأقترح أن تساعدنا الجهات المختصة في استثمار الأعمال الفنية، مثلاً أن تتعاون هيئة دبي للثقافة والفنون مع دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي مع بعض الغاليريهات والفعاليات من أجل ابتكار مبادرة استثمارية في الفن، عن طريق العرض المأجور والبيع في صالات الفنادق والمولات والأماكن العامة، ومن خلال مبادرة مزاد شهري تقام في الأماكن العامة، والأحياء الفنية، والمناطق الأثرية، والحدائق، وغيرها، من أجل إنجاز عدة أهداف، منها وجود تجمعات مهتمة بالفن وثقافته ومتغيراته، ما يسهم في ارتفاع نسبة الوعي الاجتماعي الثقافي في هذا المجال، ومنها بيع الأعمال الفنية.

اقرأ أيضا

«سيرك الشمس».. يخترق الحجر الصحي!