الاتحاد

عربي ودولي

صعود التيارات الإسلامية·· عقاب شعبي عربي


القاهرة - محمد عزالعرب:

لا يمكن تصور بناء مشروع ديمقراطي حقيقي في الدول العربية دون امتلاك رؤية إدماجية لحركات الإسلام السياسي السلمي في الأنظمة الحاكمة، فدمج هذه الحركات سيعني دمج السياسة في الحياة العامة وعودة الروح لباقي الأحزاب المدنية، التي ستحرص على أن تطور خطابها وتجند أفضل عناصرها لمواجهة الكادر الإسلامي النشط في الشارع السياسي·
وفي ندوة ''صعود التيارات الإسلامية في البرلمانات العربية: استجابة مؤقتة أم طموح قد بدأ'' ونظمتها مؤسسة ''عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع المدني'' بالقاهرة، قال ماجد سرور -مدير مؤسسة عالم واحد- إن الممارسات الديمقراطية في بعض الدول العربية أفرزت صعود تيارات إسلامية إلى السلطة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ولم يعد عملها قاصراً على المساعدات الخيرية بل خاضت انتخابات برلمانية وهو ما تجسده حالات مصر وفلسطين والعراق والكويت·


أرجع د· يحيى الجمل -أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة- صعود التيار الديني في العالم العربي إلى ضعف الكيانات الحزبية وتغير الجماعات والحركات الإسلامية في خطابها السياسي وتكتيكها الحركي واتصال الدين بمشاعر الناس وارتباطه بالقواعد الشعبية·
وأوضح د· علي الدين هلال -أستاذ العلوم السياسية وأمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم- أن هناك عشر دول عربية عرفت انتماء أعضاء برلماناتها لحركات إسلامية، وهي مصر والأردن والبحرين والكويت ولبنان والجزائر وفلسطين والمغرب واليمن والسودان ووصلت التيارات الإسلامية إلى البرلمانات العربية من خلال التحالفات الانتخابية مع الأحزاب السياسية الحاكمة والقوى السياسية المختلفة، لكن السياسة تقتضي الوصول إلى حل وسط وتعلم فنون الضغط وهذه التيارات تنطلق من المقدس، الأمر الذي يجعلها لا تؤمن بالمساومة، والبناء التنظيمي في هذه التيارات غير ديمقراطي لأنه يقوم على السمع والطاعة·
الهدف
وأكد أن هدف هذه التيارات ليس تعديل الدستور أوتبديل طبيعة النظام السياسي وإنما تسعى إلى تغيير أساس شرعية النظام وطبيعة الدولة بما يحقق أفكارها وينفذ غاياتها في الوصول إلى السلطة، مشيراً إلى أن هذه الحركات تمتلك رأسين داخل وخارج المجلس التشريعي، وهو ما يحدث حالة من الازدواجية وهو تجسده حركة ''حماس'' من خلال وجود خالد مشعل على رأس المكتب السياسي وإسماعيل هنية على رأس الحكومة·
وأشار إلى أهمية ترسيخ الدولة الديمقراطية المدنية التي تقوم على مبدأ المواطنة، وقيام دولة دينية في أي بلد عربي لا يمكن أن يحفظ حقوق المواطن وينبغي التمييز بين العمل الدعوي والعمل السياسي الحزبي، لأنه لا يمكن للمؤسسة نفسها أن تكون جماعة أخلاقية وتشارك في العمل الحزبي والتنافس السياسي، والدعوة تكون بين أبناء الدين الواحد والعمل السياسي يجمع جميع المواطنين والدعوة تقوم على قبول الرأي في حين يقوم العمل السياسي على الاختلاف·
ويرى نجاد البرعي -رئيس جمعية تنمية الديمقراطية- أنه لا علاقة بين صعود أوانحسار الحركات الإسلامية وحالة حقوق الإنسان في العالم العربي، وإنما قد يحدث تغيير في طبيعة ودرجة الانتهاك وفي حالة تولي جماعة الإخوان المسلمين الحكم في مصر مثلاً، قد يقل الاعتداء على جسد الفرد، ولكن حرية الاعتقاد والتعبير سوف تشهد تدهوراً مؤكداً أن وجود حركات إسلامية في البرلمان سوف يشده إلى التطرف لأنه لا يؤدي لانتقاص الحريات وإنما ينجم عنه ارتباك في آليات عمل النظام السياسي الديمقراطي وازدياد نفوذ الديكتاتوريات الدينية·
وقال د· علي الصاوي -مدير برنامج الدراسات البرلمانية بجامعة القاهرة- إن الملاحظ هو انتشار ثقافة القطب الواحد في أغلب البرلمانات العربية ويكون الاستقطاب حاداً بين القطب المهيمن والقوى والتيارات السياسية الأخرى، ودخول تيار محجوبة عنه الشرعية القانونية إلى البرلمان سيمهد له الطريق لاكتساب الأرضية واعتلاء المنبر ليلعب دور القطب المعارض حتى ولو كان وجوده في الشارع السياسي أوتمثيله في البرلمان رمزياً، حيث يسعى إلى تجميع المتمردين من القوى السياسية الأخرى خاصة في ظل وهن الحياة الحزبية·
تصويت عقابي
وترى د· نيفين مسعد -وكيل معهد البحوث والدراسات العربية- أن الصعود الانتخابي للتيار الإسلامي في الدول العربية لا يمكن اعتباره إنجازاً لهذه التيارات والتفاعل الشعبي مع هذه الحركات يجسد ظاهرة ''التصويت العقابي'' للأنظمة الحاكمة وانسحاب الدولة من قطاعات التعليم والصحة علاوة على جاذبية الخطاب الديني والدعم الإقليمي للحركات الإسلامية ووجودها في النقابات المهنية والجمعيات الأهلية، مشيرة إلى أن الحركات الإسلامية حلت محل الدولة في بعض الدول العربية مثل الصومال·
بينما يقول د· سيف الدين عبدالفتاح -أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- إن الوجود الإخواني في البرلمان المصري ظل محكوماً بدرجة التضييق أوالتوسيع لعمل الجماعة السياسي، ووصل الإخوان في آخر انتخابات تشريعية إلى أعلى مستوى تمثيلي لهم في تاريخهم، مشيراً إلى قضية حجب الشرعية في بعض المجتمعات العربية عن القوى والتيارات الإسلامية وهو ما جعل بعض هذه الحركات يترشح في وضع الاستقلال في إطار التحايل على ورطة الشرعية·
وأشار إلى أن عام 2005 يمثل عام الانتخابات العربية التي أثارت جدلاً واسعاً بين اتجاهين متعارضين الأول يرى أنها تمثل مؤشراً على أن المنطقة بدأت تعيش ربيع الديمقراطية وتشهد موجة من الإصلاح وإطلاق الحريات العامة وتداول السلطات نتيجة مطالبات داخلية أو ضغوط خارجية، والثاني يعتبر أنها لا تعكس تحولاً حقيقياً نحو الإصلاح وإنما تهدف إلى تحقيق أهداف القائمين عليها·
وأوضح الدكتور ''سيف'' أن التاريخ الإسلامي يشهد دوماً فترات منتظمة من إحياء الدين وتجديده ولا توجد حركة إصلاحية ترمي لمقاومة الضعف والتفرق والتخلف في الأمة إلا وتستعين بالإحياء الديني، مشيراً إلى أن صعود الإسلاميين لا يرتبط بالجانب السياسي فقط، ولكن بجوانب الحياة الاجتماعية والثقافية، فالكتاب الديني هو الأكثر مبيعاً والإقبال على المساجد يزداد يوماً بعد يوم والبرامج الدينية في القنوات الفضائية هي الأكثر مشاهدة والحجاب ظاهرة تنتشر بقوة بين النساء من مختلف الفئات· والحركة الإسلامية الإصلاحية لم تكن صدى لدعوات أوتوجهات خارجية أوجاءت استجابة لتحديات غربية، بل نبعت من واقع شعوبها، مشيراً إلى أن موقف التيار الإسلامي من مقاومة الهيمنة الاستعمارية ساهم في رفع رصيده وصدقيته لدى الرأي العام وأضر بعدد من الأحزاب السياسية التقليدية التي لم تبد اهتماماً كبيراً بذلك·
وقال: إن الغالبية الساحقة من قيادات وأعضاء الحركات الإسلامية في العالم العربي فاعلون نشيطون في المجتمع قبل أن ينتقلوا إلى الحركة السياسية، وكثير منهم من طبقات شعبية فقيرة أو متوسطة، ونجاحهم لا يعود إلى توافر إمكانات مادية، لأن الأحزاب تتوافر لها إمكانات أكبر وإنما يرجع إلى ما عرف عن أبناء هذه الحركات من نظافة اليد ونزاهة في المعاملات ومحاربة الرشوة·
ويرى د· سيف الدين عبدالفتاح أن السبب الرئيس للحضور الشعبي المتزايد للحركات الإسلامية في العالم العربي هو إفلاس البرنامج السياسي والاقتصادي للأنظمة المتعاقبة والأحزاب السياسية، حيث يلجأ المواطن إلى التصويت العقابي وهو ما ظهر في الانتخابات التشريعية الأخيرة في مصر وفلسطين فقد طغت المصالح الخاصة على المصالح العامة وتفشت مشكلات مزمنة من فقر وأزمات اقتصادية طاحنة لدرجة دعت المواطن للجوء للجماعات الإسلامية بحثاً عن مخرج· وأشار د· عمرو الشوبكي -خبير الجماعات الدينية بمركز الأهرام للدراسات السياسية- إلى أنه لا يوجد تنظيم مواز في العالمين العربي والإسلامي نجح في الاستمرار ما يزيد عن ثلاثة أرباع القرن مثلما حدث مع الإخوان المسلمين، حيث نجحت الجماعة في الاحتفاظ ببنائها التنظيمي وكانت حاضرة في الأحداث الصغيرة والكبيرة، بالرأي أو الفتوى وشاركت في الأنشطة النقابية والسياسية والطلابية وتطرح أفكارها بشأن القضايا الأخلاقية والإخوان أكثر التنظيمات السياسية تعرضاً للملاحقة الأمنية، والتي بلغت أقصى مراحلها في الفترة التي أعقبت اغتيال رئيس وزراء مصر الأسبق محمود فهمي النقراشي على يد أحد عناصر الإخوان عام 1948 ثم عقب محاولة اغتيال الرئيس عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954 وبالرغم من ذلك بقيت جماعة الإخوان المسلمين عبر كل العصور الملكية والجمهورية وتراوحت بين التقدم والكمون والهجوم والدفاع والحوار والمواجهة ونجحت في السيطرة ديموقراطياً على عدد من أهم النقابات المهنية واكتسبت خبرات جديدة عقب تحالفها السياسي العلني مع أحزاب سياسية أخرى ووصل سبعة نواب من الإخوان إلى قبة البرلمان المصري عام 1984 و35 نائباً إخوانياً من اصل 60 نائباً للتحالف الإسلامي للبرلمان المصري عام 1987 ومال بعضهم إلى صياغة مفردات وسطية تعترف نظرياً بأحقية وجود الآخر بالرغم من أنهم عملياً قاموا باستبعاده، ولكن من خلال صناديق الانتخابات·
الصيغة الثالثة
يقول د· عمرو الشوبكي: نحن أمام صيغة إخوانية ثالثة في مصر تختلف عن إخوان العهد الملكي وإخوان العهدين الناصري والساداتي، وظلت الإشكالية الرئيسة التي تواجه الإخوان المسلمين تتمثل في التداخل بين المقدس والمدني والسياسي والأخلاقي بصورة تجعل من الصعب النظر إلى الجماعة باعتبارها حركة سياسية، مؤكداً أن تحول الإخوان المسلمين إلى حزب سياسي يقبل بقواعد الديمقراطية والتعددية الحزبية وتقديمهم لبرنامج سياسي مدني سيمثل خطوة كبيرة في تدعيم التجربة الديمقراطية في مصر·
وأكد أن خطاب ''الإصلاح هو الحل'' مثل لأول مرة في تاريخ مصر المعاصر حالة توافقية بين أهل اليمين واليسار وأعضاء حركة ''كفاية'' التي لم يكن سهلاً على بعضهم أن يقبل بوضع مسألة الإصلاح السياسي على سلم أولوياته قبل مواجهة الإمبريالية الأميركية والصهيونية، وبات هناك إحساس عميق بين النخب السياسية المختلفة بأنه ليس هناك إمكانية لمواجهة التحديات الخارجية إلا إذا تم بناء نظام سياسي داخلي ديمقراطي يمتلك القدرة على التمييز بين التحالف مع الخارج والاستسلام له· ولم تعد المعركة بين حركات الإسلام السياسي السلمي والدولة ترجع إلى أنهم تيار ظلامي يواجه الدولة المدنية الحديثة إنما لكونهم تيارا سياسيا عجزت معظم النخب العربية الرسمية عن منافسته بكوادرها المترهلة في أي ساحة انتخابية·
ويرى د· عمرو الشوبكي أن معركة الإسلام السياسي السلمي مع النظم العربية ليست بين الظلاميين والعلمانيين إنما هي بين السياسيين والبيروقراطيين وبين الديناميكية والجمود وأصبحت عملية دمج حركات الإسلام السياسي في عملية التطور الديمقراطي تستدعي تجديد شامل في بنية الدولة والحكم· وذكر أن معيار نجاح الإسلاميين أصبح إنجازاتهم الاقتصادية والسياسية وليس شعاراتهم المقدسة والدينية حتى لو كان خصومهم علمانيين وغير مؤمنين، فقد تحالفوا معهم في بعض الأحيان وصار الحكم هو الإنجاز وليس الشعار، مشيراً إلى إن تمسك التيار الإسلامي بمرجعية دينية لا يثير أي تحفظ وإنما يجب أن يعي أن برنامجه الذي يقدم للناخبين هو برنامج مدني من الوارد نقده ورفضه وفي حالة خسارته الانتخابات من الوارد تغييره أو التراجع عنه فلا يجب أن يحتمي بزي قدسية دينية·
ويرى الدكتور احمد السيد النجار -رئيس تحرير تقرير الاتجاهات الاقتصادية والاستراتيجية- أن البرنامج الاقتصادي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر يقوم على نقد ما هو قائم ومرفوض شعبياً، مستخدما طرحاً تأليفياً وليس طرحاً أيديولوجياً صارماً، بل إنه استعار إجراءات كثيرة تتمتع بالقبول الشعبي، بالرغم من أنها ذات طابع ناصري أوماركسي إلى جانب الطابع الليبرالي مع إكمال الخلطة ببعض المقترحات ذات الطابع الديني والطائفي، وتجاهل قضايا رئيسة مثل الموقف من النظام المصرفي وأسعار الفائدة، بالرغم من حاكميتها في أي نظام اقتصادي·
ويرى ضياء رشوان -الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية- أن أحد أسباب صعود الحركات الإسلامية السلمية في الدول العربية هو صمودها وإصرارها على مقاومة الأنظمة الحاكمة الاستبدادية وامتلاكها أساليب منظمة ذات طبيعة تكتيكية علاوة على بروز ظاهرة الدولة الفاشلة التي تدنت فيها الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما أن بعض هذه الحركات تحركت انطلاقاً من مواجهة السياسات الأميركية تجاه العالم الإسلامي·
وذكر جمال اسعد -مفكر قبطي وناشط سياسي- أن الحركات السياسية الإسلامية في العالم العربي تتعدد أشكالها وتتباين مواقفها وتختلف ممارساتها مع الجماهير والسلطة، وتظل المرجعية الإسلامية واحدة ويبقى الهدف مشتركاً وهو إقامة الدولة ذات المرجعية التشريعية الإسلامية حتى لو أعلن أنها ليست الدولة الدينية· وأشار إلى تغلغل الإخوان في الحياة السياسية المصرية، حيث قبلوا مبدأ الحزبية ويجاهرون بدور المرأة في العمل العام ولم يعترضوا على كونها قاضية، بخلاف سيطرتهم على النقابات المهنية ودورهم في الانتخابات العمالية والمحلية وتنامي حركتهم تجاه انتخابات الاتحاديات الطلابية وتشكيل ما يسمى الاتحاد الموازي ودخولهم انتخابات النوادي الرياضية، مع تواجدهم في الشارع والحارة من خلال تقديم خدمات مادية حتى ولو كانت رمزية في غياب حقيقي لدور الدولة·

اقرأ أيضا

جانتس يطالب برئاسة حكومة الوحدة في إسرائيل