الاتحاد

الإمارات

زياد دلول.. معالجة الطبيعة الصامته بدلالات خاصة

دمشق ـ فاطمة شعبان:

بعد غياب اغترابي عن بلده سوريا لمدة ربع قرن، عاد التشكيلي السوري زياد دلول ليقدم معرضاً في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق، عارضاً 40 لوحة أنجزها بين عامي 1999 و،2006 وهي لوحات زيتية ولوحات حفر، وهوالاختصاص الأساسي لدلول·
وُلِد زياد دلول عام 1953 في مدينة السويداء جنوب سوريا، في بيئة جبلية داكنة، ثم عرف الصحراء خلال إقامته في الجزائر قبل أن يقيم ويعمل في باريس· وبالرغم من الاغتراب الطويل، إلا أن ذاكرته حملت دائماً آثار أصول نشأته وتنقلاته وهي علامات واضحة في أعماله الفنية، حيث يعكس فنُه ذاكرة هادئة وهائلة في ذات الوقت· وإذا كانت اللمسة التصويرية لدلول مشحونة بالطاقة فإن الأشكال تحافظ على رصانتها، وهي تنمو في اختبار متواصل وفي صرامة مطلقة من دون أي تنازل أمام الشائع الدارج·
ذهب دلول إلى الغرب، إلى باريس التي يقيم فيها منذ العام 1984 ولكنه لم يترك الشرق بالمعنى التعبيري، وعرف كيف يوظف مناخه الانفعالي في أعماله· لقد عمل على لغة تشكيلية خاصة، اكتسبها من توظيف الذاكرة ومزاوجتها مع اطلاع عميق على المدارس التصويرية الغربية، ما جعل لوحته تحمل دفء الحياة في الوقت ذاته الذي تنفصل عنها· ويكتب الشاعر أدونيس عن خصوصية دلول: نعرف أن التجربة الفنية عند زياد دلول ليست مجرد نظام من العلاقات اللونية ـ التشكيلية مع الطبيعةـ إنما هي كذلك، وقبله رؤية ومشروع، رؤية فنية خاصة، ومشروع جمالي معرفي خاص، وهكذا نعرف أن فنه دعوة لا إلى اكتشاف الخارج وحده، وإنما كذلك إلى اكتشاف الداخل، اكتشاف لهذه الحركة الجدلية بين اللاشكلي والشكلي، بين الباطن والظاهر، اللامرئي والمرئي، كأن في ذلك استمرارللرؤية الغنوصية ـ الصوفية التي تتأصل فيها ذاكرته المعرفية ·
بالرغم من حداثة أعمال دلول، إلا أنها تجسد قدرات تصويرية واضحة، وتبدو هذه القدرة التصورية هي خيار دلول الجمالي، ولكن ليست التصورية بالمعنى التقليدي للكلمة، تصويرية من الممكن تسميتها تصويرية حداثية· وتتصف قدرات دلول التصويرية بخصوصية بصرية، بحيث تشاهد العين الأعماق البصرية وتجليات اللون في تحديد هذه الأبعاد، ما يعطي اللوحة أبعاداً تعبيرية إضافية، وتفتح إمكاناتها على تنوع عالي القيمة، وعالي الجودة فنياً·
يعالج دلول عالما تصويريا له قوانينه الخاصة، مستمد من الواقع الحقيقي، لكنه متعال عليه دلالياً· مستمد من الواقع ولكنه في ذات الوقت يحوله إلى جزء من الفن الخالص من التصوير الذاتي الذي يقول الأشياء بضربات لونية، بحيث تصبح معادلاً موضوعياً بوصفها أداة فنية تأخذ مسافة عن الواقع الفج· لذلك تأخذ الأعمال شكل المسار الجمالي الخاص الذي يقود ذاته بذاته، ويقود ذائقة المتلقي، ليواجه عوالم تشكيلية من الخطوط الداكنة المجاورة، للأضواء الشفافة الكاشفة لجزء من اللوحة، الصانعة لتناقضاتها الجمالية، ومعطية طيف الألوان التي تحتاجها تصويرية دلول الخاصة· وهذا ما نجده في جميع لوحاته سواء، طبيعة صامتة، أومشاهد طبيعية خارجية، أوعوالم داخلية، وفيها جميعاً هناك بؤرة ضوئية يبدأ منها الصعود اللوني وتدرجاته وصولاً إلى اكتمال اللوحة تشكيلياً·
والمعالجة التصويرية للطبيعة الصامتة لها دلالاتها الخاصة عند دلول، فقطع الأثاث المتناثرة في اللوحة، أوالمفردة كالطاولة، ليست ذات طبيعة، وظيفية، خدمية، في لوحة دلول· فهي ليست طاولات للطعام أوللدراسة أوطاولات استخدامية لأغراض متعددة· فهي لا تحتاج لهذه الوظيفة لوجودها في لوحة دلول، ولا تستمد الأدوات التعبيرية وظيفتها التعبيرية من الواقع، بقدر ما تستغل هذه الوظيفة في اللوحة ذاتها، فهي تكتفي بتمثيل ذاتها ولذاتها، دون امتداد خارجي تستمده من خارج اللوحة· ومن هنا تعيش لوحة دلول حياتها الداخلية الخاصة، وتصنع فضاءها المفتوح الذي يُوجد شكلاً خاصاً أيضاً· لذلك تصنع، الأقمشة، والنساء، والكراسي، والطاولات، عالماً تعبيرياً خاصاً، يعالج في خلفيات لونية معقدة، تستخدم لإطلاق القدرات التعبيرية إلى نهاياتها، هو ما يشكل عالم دلول التصويري الخاص·
تقدم أعمال دلول ميزة الترابط فيما بينها، وأن اللوحات تؤلف مجتمعة مقولة فنية لا تقولها منفردة، وبتجاورها تشكل عالم دلول بانسجام روح الأعمال مع بعضها البعض، سواء اللوحات الزيتية أولوحات الحفر، وسواء عالجت اللوحة طبيعة صامتة أوعالجت أجساداً إنسانية، وكأنها تنتمي إلى جوهر فني واحد يوحد بينها ويعطيها أبعاداً جمالية إضافية·

اقرأ أيضا

نيويورك أبوظبي تطلق برنامج منحة «الشيخ محمد بن زايد» لعام 2019