الاتحاد

الإمارات

ندوة: النقاد أخضعوا أدب محفوظ المتطور لنظريات جامدة

القاهرة - زين إبراهيم:

مئات المقالات والدراسات النقدية تناولت ابداعات نجيب محفوظ إلا أن هناك فجوة بين إبداعات محفوظ والرؤية النقدية لها مما يستوجب البحث عن مناهج نقدية مختلفة للتعامل مع أدب محفوظ الذي قدم أعمالا ذات قيمة كبيرة في أدبنا العربي· وفي ندوة ''قراءات نقدية في أعمال نجيب محفوظ'' على هامش مؤتمر الكتاب والأدباء العرب الذي عقد مؤخرا في القاهرة قال الناقد الدكتور محمود الربيعي: إن إبداع نجيب محفوظ قبل فوزه بجائزة نوبل وبعده حظي بالاهتمام واحتفى به الرواد سيد قطب والدكتور طه حسين ومحمد مندور والجيل الذي جاء بعدهم سواء من عمل بالصحافة الأدبية أو بالبحث الأدبي وكانت النتيجة كماً هائلاً من المقالات والأبحاث والكتب والرسائل الجماعية والمقابلات الصحفية والندوات الأدبية وشغل محفوظ الحياة النقدية معظم سنوات القرن الماضي ومطلع هذا القرن·
وأضاف أن النظر في مجمل ما قيل وكتب عن أدب محفوظ يؤكد أن ثمة فراغا هائلا في المكتبة النقدية المحفوظية ينتظر من يشغله فكثير مما قيل يقع خارج النقد الأدبي كالكلام عن سيرة محفوظ الذاتية وانتماءاته السياسية وعاداته وما الى ذلك مما هو أقرب الى فروع معرفية غير نقدية كفرع ''البيوجرافيا'' أو ما هو ثرثرة بحتة، وقليل مما قدم عن محفوظ يقع داخل الدراسة النصية ولكنه يتبع في معظمه مناهج لا علاقة لها بالنقد الأدبي في معناه العلمي فهو يصنف النصوص باعتبارها وثائق اجتماعية أو سياسية أو إيديولوجية ويبقى أقل القليل من هذه الدراسات يرهق النصوص الإبداعية لمحفوظ بنظريات مسبقة مجلوبة من وراء الحدود ومستنبتة في تربة غريبة عن التربة التي أنتجت إبداعات محفوظ·
خارج دائرة المساءلة
وأكد الربيعي أنه ليس من مصلحة أعمال نجيب محفوظ الإبداعية أن تتحول الى نصوص شبه مقدسة لا ينبغي الحديث عنها، ومحفوظ نفسه كان على وعي بأن بقاء إبداعه خارج دائرة المساءلة ليس في صالح هذا الإبداع ولا في صالح الادب العربي لأنه يصيب هذا الأدب بالخمول، ويعتقد أن إبداع محفوظ يحتاج الى منهج نقدي يتلاءم مع طبيعة هذا الإبداع ويفك رموزه وأسراره ويعيد تفكيكه ثم تركيبه بصفته لغة خاصة تكشف عن دلالاتها ومراميها السياسية والاجتماعية التي تنبع من داخلها ولا تفرض عليها· فمن حق محفوظ أن يكون له منهج نقدي يكشف عن خباياه ويضعه في مكانه الصحيح من الإبداع الإنساني· وقال الدكتور أيمن تعيلب أستاذ الأدب والنقد: إن الرواية العربية لم تصبح فنا مكتملا منذ اللحظة الاولى في أعمال نجيب محفوظ او الروائيين المجايلين له فلم تشب الرواية عن الطوق وتصير فنا مكتملا بذاته إلا في كتاباتهم المتأخرة نسبيا فمثلا لا نستطيع أن نطابق الابنية الروائية بين روايات محفوظ التاريخية ورواياته الاجتماعية التي تبلغ قمة نضجها الفني والبنائي في الثلاثية سواء في بناء الحدث أو الشخصية أو الحوار ومختلف دلالات الفضاء السردي·
وأضاف: إن محفوظ تنقل مع المدارس الجمالية السردية في نقلاتها الفنية الكبرى في الغرب والشرق من الرواية التاريخية الى الاجتماعية فالواقعية النقدية والرمزية ثم الواقعية الوجودية والفلسفية الى آخر الانماط السردية التي تنقلت معها الرواية في الغرب ثم الشرق واستطاع محفوظ أن يضيف بإبداعه السردي الى النظريات النقدية المختلفة فكل تيار نقدي وجد في كتابات محفوظ ما يناسبه وتحول محفوظ في الخطاب النقدي السردي المعاصر الى حقل تجارب نقدية وميدان جمالي واقعي لتجريب نظريات النقد على إبداعه وهذا يرجع الى قدرته الابداعية المتفردة ورموزه الجمالية المعقدة طوال نصف قرن من الإبداع الروائي·
المصطلح الإبداعي وأكد أن النقاد الذين تعرضوا لإبداعات محفوظ على اختلاف مدارسهم النقدية كانوا مشغولين بمسألة قياس المصطلح الإبداعي لمحفوظ على المصطلح النقدي وليس العكس، ولا تزال مسألة قياس الشاهد الغائب أي المصطلح النقدي على الغائب وهو النص السردي لنجيب محفوظ متحكمة في العقل النقدي العربي، والنتيجة الحتمية لهذا الخلط أنه ظل النص السردي والنظرية النقدية لا يتطابقان أبدا في ظل لي عنق الإبداع لصالح النظرية النقدية ومن هنا وجب التنبية الى ضرورة البحث عن مناهج نقدية تحاول الاقتراب من إبداعات نجيب محفوظ بشكل علمي حقيقي وليس بشكل نظري عقيم·
وقال الناقد يوسف الشاروني: إن محفوظ أرسى دعائم الرواية العربية وعبّد طريقها لمن يتلوه من أجيال منذ عام 1936 حتى صار أحد الذين تولوا قيادة الموكب الأدبي وتميز بتطوير موضوعاته وأسلوبه وتجديد نفسه باكتشاف العالم المتغير من حوله· وأهم أسباب نجاح محفوظ أنه عرف طريقه ومضى فيه لا يشتت بصره وهج الشهرة ولا بريق المادة ولم ينقطع او ينعزل عن الحياة طوال حياته التي تجاوزت التسعين عاما·
خصائص
وأضاف أن الفن الروائي عند محفوظ يتميز بعدة خصائص فمن ناحية القالب القصصي نجده يسير على نهج الادب الاوروبي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وهو القالب الذي اعتنق بعض مؤلفيه المدرسة الواقعية واعتنق البعض الآخر المدرسة الطبيعية، وهذا النوع من القصص نجده عند ديكنز وتولستوي وزولا وكان الاهتمام بالتفاصيل هو العنصر الغالب على أسلوب روايات محفوظ وبلغ هذا الاهتمام ذروته في الثلاثية وكانت الطبقة الوسطى هي البيئة الاجتماعية التي تناولها في رواياته كما كانت القاهرة هي البيئة المكانية التي يتحرك فيها أبطاله، وتبدل أسلوب محفوظ في أواخر سنوات عمره عندما بدأ ينشر قصصه القصيرة جدا التي تتراوح بين بضعة سطور ولا تتجاوز الصفحة وتتميز كل هذه القصص بالإيحاء والرمز وشدة التركيز وهذا يحسب لنجيب محفوظ الذي كان متجددا ومتطورا ولا يعرف التوقف عن الإبداع·

اقرأ أيضا

محمد بن زايد: سعدت بلقاء ابنتي أمل المنصوري