الاتحاد

الإمارات

نافذة - أنور الخطيب

"والفلاسفة أيضا"

والفلاسفة أيضا مشاريع فلاسفة في الوطن العربي، شأنهم شأن الروائيين والقصاصين والنقاد والفنانين التشكيليين والشعراء والمفكرين، وأحيانا السياسيين والاقتصاديين· ومعظم من يتعاطون الفلسفة هم باحثون أكثر منهم مفكرين، لا يستطيعون التحدث إلا اتكاء على الفلاسفة الآخرين غير العرب·
في الندوة التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بأبوظبي لنادي القصة في الشارقة، احتج صديقنا د· إبراهيم الوحش على ذكرنا أدباء ونقاد غير عرب، حين تحدثنا عن هوجائية التجريب في القص العربي لدى الشباب، ونسي أو تناسى أن المدارس النقدية التي يحتكم إليها (النقاد) العرب هي صناعة غير عربية·
إن ما أدهشني أكثر هو الباحث مطاع الصفدي، الذي طرح سؤالا مرتين، مرة في المجمع الثقافي، ومرة في اتحاد الكتاب بأبوظبي، والسؤال هو: لماذا نجح العقل الغربي وفشل العقل العربي؟ إن طرح السؤال بهذا الشكل، والامتناع عن طرح إجابة، ليس له علاقة بالفلسفة، فالفلسفة وإن تبدأ في طرح الأسئلة، إلا أنها تنتهي في وضع الإجابات، حتى لو كانت على شكل احتمالات، ولن تكون الإجابة على ذاك السؤال عن طريق الإصرار عليه، وتكراره والدعوة للبحث فيه؟ لكن ما لم يتطرق إليه د· مطاع الصفدي في معرض تساؤلاته عن فشل العقل العربي، هي الأمية المستشرية التي تنخر الجسد العربي طولا وعرضا، ففي بعض الدول تتجاوز نسبة الأمية 60%، أما المعدل فهو فوق الـ 45% في أحسن الأحوال، ناهيك عن الأمية التكنولوجية، وأزمة احترام الرأي الآخر، والجرأة في المصادرة والتكفير وإطلاق الأحكام العامة، وناهيك عن محبطات الإبداع ومعوقاته الاجتماعية والسياسية، وناهيك عن الهزائم المتتالية، وصولا إلى إحساس الإنسان العربي ذاته بالهزيمة، متعلما كان أو مثقفا· فكيف سينجح العقل العربي في إحداث قفزة فكرية وثقافية واقتصادية وتقنية وعلمية وزراعية وأدبية، وكيف سينجح المبدع العربي وهو أسير القمع ولقمة الخبز·
هناك مسائل بديهية يجب النزول إلى بداهتها، والتعامل مع بساطتها، وإن كانت أفكارا شعبية منتشرة، وإن كانت موروثة بشكل كامل· إن تناسي تلك البديهيات ذات الصلة بالواقع، الذي تؤكده الأرقام والإحصائيات، والإنطلاق بخيالات وتأملات مجردة، يعني الوقوع في فخ النخبوية، والعيش في وهم الفكرة المطلقة والفلسفة الضبابية، وعدم تسميتها هي خيانة لآلية التفكير والأسئلة الفلسفية·
لقد نجح العقل الغربي حين أدرك أهمية الزمن في حياة الإنسان، وحطم الأنظمة المستبدة، وعطل سلطة الكنيسة، ووضع نظاما مجديا للانتاجية، مطلقا الطاقات الإبداعية لدى الأفراد، حاميا إياها بالقوانين التي تسري على الجميع، ونجح حين أطلق حرية النقد والنقد الذاتي، ورسخ حرية التعبير، واشرك الشعب في اتخاذ القرارات، وقبل هذا وذاك، اعتمد إجبارية التعليم حتى المرحلة الثانوية، ووضع نظام التأمينات التي تنقذ المواطن من التفكير بأهوال الغد· فمتى سيقود ( المفكرون) العرب الحياة العربية بصدق وتواضع، ومتى سيتصدون للحقيقة الخالصة بروح العالم الحقيقي، دون خشية أو مداهنة ؟ ومتى سينزلون للشارع ليتحسسوا هموم الناس اليومية، فقد يعثرون على الفلسفة في حديث فلاح أو مزارع، وقد يجدون الحكمة في حديث عامل بسيط ·· أما التنظير وتسويد البياض، فإنه لن يجدي نفعا·

أنور الخطيب
akhattib@yahoo.com

اقرأ أيضا

5.9% نسبة نمو قطاع الصناعات التحويلية في أبوظبي خلال 2018