الاتحاد

عربي ودولي

جورج طرابيشي يدعو إلى حضارة واحدة متعدِّدة الثقافات

د· رسول محمد رسول:

عن دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب في بيروت، صدر كتاب المفكِّر اللبناني جورج طرابيشي (هرطقات: عن الديمقراطية والعَلمانية والحداثة والمُمانعة العربية)· يضم الكتاب نحو 15 دراسة تناول فيها المؤلف عددا من القضايا ذات الطابع الإشكالي تلك التي تواجه الواقع والإنسان والفكر العربي الراهن· ولكي لا يقع القارئ في اللبس المفهومي، فإن جورج طرابيشي يحدِّد بداية معنى الهرطقة، فيقول: إن الهرطقة في اللاهوت المسيحي ترادفها البدعة في الفقه وعلم الكلام الإسلاميين· ويعتقد أن الهرطقة تبقى أحد السبل القليلة المتاحة للمقاومة أو على أقل تقدير للوقاية، في زماننا هذا، الذي هو زمان سيادة الأصوليات والارتداد العربي والإسلامي بشكل عام نحو قرون وسطى جديدة· ورغم أن طرابيشي كان قد ناقش بإسهاب إشكالية الديمقراطية في كتابه (في ثقافة الديمقراطية)، الذي صدر عن دار الطليعة في بيروت عام ،1998 إلا أنه عاد من جديد لمناقشة الإشكالية ذاتها ولكن من زوايا جديدة· فتحت عنوان (إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي)، ناقش طرابيشي هذه الإشكالية التي يعتبرها من أكثر الإشكاليات إلحاحاً كون الديمقراطية يُرفع شعارها اليوم ويتم الترويج لها في العالم العربي كما لو أنها أيديولوجيا خَلاصيَّة جديدة؛ فالعرب اليوم يراهنون على الديمقراطية مثلما راهنوا في الأمس على الاشتراكية، وقبل ذلك راهنوا على الوحدة·
العرب وتبيئة المفاهيم
يتأمل المؤلف في مصطلح العَلمانية في دراستين، فيعتقد أن ما يميز الخطاب العربي الحديث هو قدرته الهائلة على الاستدماج السريع للمصطلحات الأيديولوجية· فقبل قرن، لا أكثر، كانت اللغة العربية تجهل مئات المفاهيم التي باتت لها الغلبة في الخطاب العربي الحديث من قبيل: القومية، والأممية، والرأسمالية، والاشتراكية، والليبرالية، والفاشية، والرومانسية، والسريالية، والبنيوية، واللاأدرية· وهناك مفهوم واحد لم يأخذ طريقه إلى التبيئة هو العَلمانية· فهذا المصطلح ما فتئ يُعامل، منذ لحظة اكتشاف وجوده، معاملة القريب الفقير· ويعتقد طرابيشي هنا أن لفظ العلمانية لم يفلح قط في أن يفوز بحقوق المواطنة· فقد بقي على امتداد عقود بكاملها منبوذاً، مُتجاهلاً، مُتحاشى، مُستبعداً من أي تأسيس نظري، حتى من قبل العَلمانيين أنفسهم ممن أرادوا أن يمارسوا العَلمانية على طريقة بطل موليير في ممارسة النثر، أي كما لو بغير علمهم· بل لقد اُستبيح مفهوم ولفظ العَلمانية معاً إلى درجة أن كاتباً مثل محمد عابد الجابري، وهو الذي ارتقى إلى مصاف ''أستاذ تفكير'' بالنسبة إلى شريحة كاملة من الأنتلجنسيا العربية، لم يجدً حرجاً، ولا معارضةً، في أن يُطالب بسحبه نهائياً من القاموس التداولي للفكر العربي، بل والحجر عليه في غيتو اللامفكَّر فيه والممنوع التفكير فيه· ورغم أن هذه الكلمة تبدو من قبيل الكلمة الرجيمة في الخطاب العربي المعاصر، فإن طرابيشي يفصِّل القول في بذور كلمة العَلمانية في الإسلام، لكنه توقَّف عند مناقشة آراء عدد من المفكِّرين العرب المعاصرين كالجابري وبعض الفقهاء العرب المعاصرين ومنهم القرضاوي الذي استغرب يوماً، ومن على شاشة قناة الجزيرة، وفي برنامج (الشريعة والحياة)، من أن هذا المصطلح لم يُقم عليه الحد حتى هذه اللحظة·
وبعد أن يخوض المؤلف في نصوص تاريخية بحثاً عن شواهد من الأمس العربي، يصل إلى نتيجة مفادها أن بذرة العَلمانية، بمعنى التمييز بين الأخرويات و الدنيويات، أو بين الدين والسياسة، أو بين الخلافة والسلطنة، كانت موجودة في الإسلام وفي تاريخ الإسلام كحال وجودها في المسيحية وتاريخ المسيحية· لكنه حذَّر من خلط أو ما أسماه بالمغالطة التاريخية، فلن يكون أي مشروع للعَلمنة في الإسلام المعاصر هو نتيجة تطوُّر عضوي لبذرتها في الإسلام الأول وتاريخه الماضي، بل أن الثورة المعرفية التي لم تجترح بعدُ بسبب غياب مشروع حقيقي وفعّال للحداثة في الإسلام المعاصر هي التي يمكن أن تستحثُّ الوعي على اكتشاف بذور العَلمانية في تاريخ الإسلام، وفي ممارسات المسلمين الماضية·
التبرُّؤ من العَلمانية
تحت عنوان الأنتلجنسيا العربية والإضراب عن التفكير يناقش طرابيشي وقائع عدة مما جرى بين المفكرين العرب من حوار، خصوصاً الحوار الذي جرى على صفحات مجلة اليوم السابع عام 1989 والتي تصدر من باريس وبغداد بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، وكلاهما تبرأ من العَلمانية التي كانت أحد محاور تلك المناظرة، وهنا وجد طرابيشي أن عنوان كلا المداخلتين بالذات ينطوي على قدر لا يُستهان به من اللاتفكير رغم أن أحدهما تبرأ من العَلمانية بحجَّة أن الإسلام ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة، كما يقول الجابري· وثانيهما يغسل يديه منها بحجَّة أن الإسلام لا يحتاجُ إلى عَلمانية غربية، كما يقول حسن حنفي· ويتحامل طرابيشي على الجابري على نحو كبير، قال في هذا الصدد: لقد كان الجابري لاحظ من موقعه الإبستمولوجي أن الخطاب العربي المعاصر غارق في الإيديولوجيا، وأن زمنه راكدٌ، شبه ميت، لأنه لا يفتأ، ومنذ قرن ونصف القرن من الزمن، يصوغ الأسئلة نفسها، ويقدِّم عنها الأجوبة نفسها· ولاحظ المؤلف أن الجابري عندما يتحوَّل إلى ممارس للخطاب العربي المعاصر، فإنه يمارسه كما يشف عن ذلك طرحه لإشكالية العَلمانية، لا متراجعاً من الموقع الإبستمولوجي إلى الموقع الإيديولوجي فحسب، بل ناكصاً أيضاً من زمنه الراكد التكراري إلى زمنه المتقهقر إلى الوراء، وإن كان الجابري يصوغ، بصدد العَلمانية، الأسئلة نفسها التي صاغها النهضويون العرب، فإن الأجوبة التي يقدِّمها عنها هي أقل تقدُّماً أو أكثر تخلفاً من تلك التي كان قدَّمها أولئك النهضويون!!
قلب العلاقة الضديَّة
وتحت عنوان الذات العربية وجرحها النرجسي ينتقل المؤلف من مناقشة مشروعات المفكرين العرب المعاصرين إلى إشكاليي التراث والحداثة في الثقافة العربية· ومن دون أن يشير إلى أي واحد بالاسم من أولئك المفكرين العرب الذين تناولوا تلك الإشكالية بالتحليل والنقد والبناء يعتقد طرابيشي ناقداً أن هناك منْ يضع التراث في مواجهة الحداثة كما الضد في مواجهة الضد· وهذا أحد الأسباب العميقة لمظاهر الشلل والصراع العقيم في الثقافة العربية الحديثة· والحال أن قلب العلاقة الضدية بين التراث والحداثة إلى علاقة تضامنية من شأنه، على العكس، أن يكون مصدراً كبيراً للإبداع، ومن الصحيح القول إن العرب أمة ذات تراث كبير وعريق، ولكن الأمة ذات التراث قد تكون مؤهَّلة أكثر من غيرها للتعاطي مع الحداثة العالمية من موقع الإيداع لا من موقع الإتباع فقط!
أخيراً، يتوقَّف طرابيشي عند كتاب (الفكر العربي وصراع الأضداد) لمحمد جابر الأنصاري / ،1996 وتحديداً عند مقولة (صراع الأضداد)، لكنه يعتقد أن حجر الزاوية في هذا الكتاب إنما هو مفهوم (التوفيقية)، الذي يرى له فاعلية خاصة في حقل تطبيقه على الحضارة العربية الإسلامية· لقد نظر طرابيشي إلى كتاب الأنصاري من خلال مقولة التوفيق المستحيل في التوفيقية، واستناداً إلى ذلك، قال طرابيشي: قد يكون مباحاً لنا أنْ نقوم بنوع من قلب جدلي لنتحدَّث عن توفيق ممكن بلا توفيقية· فالنقطة التي تنطلق منها التوفيقية هي معارضة حضارة بحضارة، والنقطة التي تنتهي إليها هي الوهم بتوليد مندمج حضاري جديد· أما التوفيق، كما نفهمهُ وكما نريدهُ، فهو تمفصُل الثقافية العربية مع الحضارة العالمية في عالم يتجه أكثر فأكثر إلى أن يكون موحَّد الحضارة ومتعدِّد الثقافة، فهذه هي جدلية عصرنا، وعلى فهمها يتوقَّف، قبل مصير الحضارة، مصير ثقافتنا نفسها· أحد الأسباب

اقرأ أيضا

جزيرة مايوت الفرنسية تستعد لإعصار "بيلنا"