الاتحاد

عربي ودولي

محمد حسين هيكل منذ 60 عاماً: تقسيم فلسطين سيفجر أنهار دماء لن تتوقف

القاهرة - حلمي النمنم:

شغلت فلسطين كبار الكتاب والمفكرين العرب منذ وقت مبكر، ومن هؤلاد د· محمد حسين هيكل صاحب ''حياة محمد'' ورواية ''زينب''، فقد زار فلسطين عام 1937 وقضى بها عشرة أيام وجاب مدنها ومناطقها، وكتب عنها ''بلاد المسجد الأقصى وصخرة الإسراء'' والسبب المباشر للزيارة انه كان مدعواً للحديث في إذاعة فلسطين بالقدس في منتصف العاشرة من مساء السبت الخامس من يونيه عام ·1937
وعاد هيكل إلى مصر ليكتب سلسلة من المقالات، نُشرت في صحيفته ''السياسة'' وجمعها مؤخراً نجله أحمد هيكل في كتاب، وأهمية هذه المقالات أن هيكل الأب لم يكن فقط كاتباً ومفكراً كبيراً لكنه كان أيضاً مسؤولاً رفيع المستوى، فقد تولى رئاسة مجلس الشيوخ في مصر وشغل موقع وزير المعارف في أكثر من وزارة، وكان رئيساً لحزب الأحرار الدستوريين، والأهم أنه كان رئيس وفد مصر في اجتماعات الأمم المتحدة عام 1947 والتي صدر خلالها قرار تقسيم فلسطين، ويثبت نجله الكلمة التي ألقاها في تلك الاجتماعات والتي كانت تعبيراً عن الموقف الرسمي العربي كله·
جاءت رحلة هيكل بعد الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1936 حين قامت الثورة العربية في البلاد المقدسة وتقرر الإضراب في جميع أنحائها واستمر ستة اشهر كاملة واضطرت البلاد العربية كلها لأن تخرج عن الموقف السلبي وهو مجرد إظهار العطف وتمني النجاح وان تقف موقفاً إيجابياً تمد به يد المعونة لفلسطين في حدود ما تستطيعه، وعلى النحو الذي تراه منتجاً لصالح العرب من أبناء هذه البلاد، ولم تنته الثورة الفلسطينية إلا بعد أن تدخل الملوك العرب فيها وبعد أن أبدت السياسة البريطانية الحرص على حل هذه المسألة المعقدة مما جعل الأحرار من أهل فلسطين يعلنون انتهاء الإضراب والثورة ويهيبون بالأهلين أن ينتظروا ما تعرضه السياسة من حل لهذه المشكلة العويصة·
أرسلت بريطانيا باعتبارها دولة الانتداب على فلسطين لجنة برئاسة اللورد بيل للتحقيق في الحوادث التي جرت ولقاء أهالي فلسطين من العرب وسماع مطالبهم كما تلتقي باليهود الذين هاجروا إلى فلسطين، على أن تقدم اللجنة إلى الحكومة البريطانية اقتراحاً بحل لهذه المشكلة ''كانت الصحف في فلسطين وفي انجلترا تتكهن بالاقتراح الذي ستقدمه لجنة بيل، وربما جرى تسريب ذلك الاقتراح عمداً إلى الصحف لمعرفة رد الفعل والحل المتوقع كان تقسيم فلسطين ليس إلى منطقتين كما حدث في عام 1947 بل إلى ثلاث مناطق، المنطقة الساحلية لليهود ومنطقة أخرى تضم البلاد المقدسة مثل بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وغيرها تحت الانتداب البريطاني، والمنطقة الثالثة وتضم صحاري فلسطين مثل النقب وتكون مخصصة للعرب·
كان المتوقع أن هذا الحل لن يرضي العرب ولا اليهود، وسوف يثير المشاكل ويخلق الأزمات، فاليهود جاؤوا إلى فلسطين يطلبون أن تكون وطناً قومياً لهم، والهدف النهائي لديهم هو استعادة الهيكل المقدس وإعادة بنائه بمدينة القدس، وان تقع الأماكن الدينية في حوزة بريطانيا فإن ذلك لن يرضيهم بأي حال، كما أن للمسلمين أماكنهم المقدسة ولن يقبلوا بسيطرة الإنجليز عليها، أما المناطق الساحلية لليهود فهذا يعني أن يظفروا عملياً بأجود وأفضل مناطق فلسطين انتاجاً فضلاً عن السيطرة على البحر، وهذا يعني أن يحاصر العرب في المناطق الصحراوية، فضلاً عن أن يكونوا عرضة للأطماع الصهيونية، ولم يعلن هذا الاقتراح رسمياً وتم تأجيله عشر سنوات حيث عرض على الأمم المتحدة بعد أن جرى تعديله ليوافق الرغبات اليهودية بالسيطرة الفعلية على فلسطين·
وكان أهل فلسطين في ذهول مما تقوم به بريطانيا، فقد دخلت بريطانيا فلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى بترحيب من أهلها، طبقاً لاتفاق مع الشريف حسين بن علي بإقامة دولة عربية مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية على أن تكون فلسطين جزءاً من هذه الدولة، ولذا جاء وعد بلفور في نوفمبر 1917 ولكن انجلترا كانت تصر على موقفها وفتحت فلسطين للهجرات اليهودية ولم تحترم مشاعر العرب ولم تحترم مسؤوليتها وأمانتها على فلسطين باعتبارها دولة انتداب لا يجب ان تغير طبيعة البلد وهويته وتحمل الفلسطينيون كثيراً وطويلاً، ولما لم يجدوا أية استجابة قاموا بثورتهم الكبرى في عام ·1936
حل هيكل
ولا يوافق د· محمد حسين هيكل على الاقتراح ويقدم هو اقتراحاً يكشف منطق التفكير العربي أو عينة منه آنذاك في المسألة الفلسطينية، ويقول هيكل: ''الحل عندي أن تقنع انجلترا بكفالة مواصلاتها البريطانية على نحو ما فعلت في مصر والعراق، وأن تدع المسألة بين العرب واليهود يحلونها هم بطريقة نظامية هي الطريقة الدستورية النيابية، وان تعتبر أنها حققت لليهود وعد بلفور إلى الحد الذي يستطيع اليهود معه أن يتولوا أمرهم بأنفسهم دون حاجة إلى حماية أجنبية لا تشرفهم ولا تفاخر بها الدولة التي ندبها اليهود لحمايتهم''·
ويضيف د· هيكل ''فإذا كان اليهود قادرين بعلمهم وبمالهم بعد ذلك على أن يجعلوا فلسطين كلها وطناً قومياً لهم فسيكون ذلك ذنب العرب، وإذا كان العرب قادرين بحكم اتصالهم بالبلاد عبر مئات السنين على احتمال شدائدها وجني خيراتها على أن يجعلوا منها وطنهم وحدهم فسيكون ذلك ذنب اليهود، وإذا استطاعت القوتان العيش في أمان متضامنتين كان ذلك دليلاً على إمكان تعاونهما في بلاد المسجد الأقصى''· وما كان يعنيه هيكل أن تخرج بريطانيا من الموضوع برمته ''إن الوقت قد حان لترك العوامل الطبيعية لذاتها تعمل عملاً دون تدخل من دولة أجنبية وهذه العوامل الطبيعية هي الكفيلة بأن تجد الحل لمشكلة لا سبيل إلى حلها بأية وسيلة أخرى'' والواقع أن بريطانيا لم توقف تدخلها وظلت تعمل لصالح اليهود، خاصة أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية ولم تقرر أن ترفع يدها وتنسحب إلا بعد أن تأكدت من أن اليهود بصدد إعلان الدولة اليهودية وليس فقط الوطن القومي على أرض فلسطين· وقدر بعد ذلك بعشر سنوات أن يترأس د· هيكل وفد مصر في الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء صدور قرار التقسيم وكان يرأس وفد السعودية الأمير فيصل - الملك فيصل فيما بعد- ووجدت الوفود العربية نفسها في مأزق، الدول الكبرى تتجه إلى تقسيم فلسطين، هذه المرة بين اليهود والعرب فقط، والتصويت يكون بالأغلبية وحشدت الدول الكبرى الموقف لصالح التقسيم، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي· وذكر د· هيكل في مذكراته أن سكرتير عام الأمم المتحدة داج همرشولد كان صديقه، فقد تزاملا معا في جامعة باريس وهما يدرسان، وقال له همرشولد في جلسة خاصة أن قرار التقسيم سوف يصدر ما لم تتقدم الدول العربية بقرار مناظر يراعي وضع اليهود في فلسطين، وساعتها قد تكون هناك فرصة للمفاضلة بين المشروعين، ولم يكن أي مسؤول عربي في الأمم المتحدة مستعداً لتقديم مثل هذا المشروع·
هذه الحيرة أو المباغتة التي وجد العرب أنفسهم أمامها نكتشفها في كلمة د· هيكل أمام ذلك الاجتماع، فقد أراد الالتفاف على قرار التقسيم بالرجوع إلى ميثاق الأمم المتحدة ليثبت انه ليس من حقها أن تتخذ قرار التقسيم، وحججه قوية ومنطقية، لكن قوة الأمر الواقع تفوق قوة القانون وفي رأيه أن إنشاء دولة يهودية لا يمكن بحال من الأحوال أن يدخل في نطاق الميثاق ولا في اختصاص الجمعية العامة أو أية هيئة من هيئاتها، وقد استفاض في شرح ذلك ويعلن أن التجربة في الأمم المتحدة أثبتت انه إذا تحمست دولة كبرى لمشروع وساندته الصحافة الاميركية فإنه يحظى بالموافقة من الأغلبية· وبضمير المفكر الحر راح يشرح أيضاً أن الأغلبية مهما كانت ساحقة لا يمكن أن تتجه اتجاهاً مضاداً لرأي نص من نصوص الميثاق الصريحة المحددة ولا يمكن أن تتحدى العدالة الثابتة والحق المقدس· ثم يقول: ''لقد تحررت أفكارنا اليوم فلم يعد من الممكن أن يقال إن الأغلبية على صواب دائما وليست لها أهواء أو مصالح، ولم يسمع ابداً أن الميثاق يصبح قانون العدد الأكبر، قانون من هم أكثر قوة وبأساً''· وراح يذكر المجتمع الدولي أن القوانين والإجراءات المضادة لليهود في ألمانيا صدرت بالأغلبية، فالأغلبية يمكن أن تكون شرعية لكن ليس كل ما تتخذه له مشروعية·
وتوقف أمام وعد بلفور ليثبت أنه لا يتسق مع ميثاق الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ينص في المادة 13 منه على أن يتم تيسير للجميع دون تمييز في الجنس أو النوع أو اللغة أو الدين التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وبالتالي فإن تمييز اليهود كأصحاب دين أو باعتبارهم جنساً خاصاً لا يتفق مع ذلك الميثاق· ويبدو أن الرجل كان يدرك أن محاضرته البليغة لن تجد من يأخذ بها لذا راح يصرخ بأسى حقيقي ''أن هذا أيها السادة لهو الظلم المبين الذي لن أكف عن ترديده، فليس لفلسطين أي شأن من الوجهة السياسية أو من الوجهة الدولية، بالأماني الصهيونية أو بحل مشكلة مناهضة السامية''·
ويضيف ''إذا كان يتعين على فلسطين أن تساهم كغيرها من البلاد في حل مشكلة المبعدين، فإنها قامت في هذا الصدد بنصيب عظيم بل هائل· لقد تعدت الهجرة حدود المعقول، ولا يمكن تصور فرض عدد آخر من المهاجرين على فلسطين· وإذا كان الأمر متعلقاً بتصريح بلفور وبانتداب عصبة الأمم في 24 يوليو عام 1922 فإنها لم ينفذا فحسب بل بولغ في تنفيذهما، رغم أنهما كانا قائمين على أساس ظالم· لقد شربت فلسطين كأسها حتى الثمالة''·
شروح مطولة قدمها الدكتور هيكل وقام بتفنيد الموقف الأميركي والموقف السوفييتي، فكل منهما كان الأكثر حماساً لتقسيم فلسطين، وأثبت خطورة موقف كل منهما، لأنه يفتح الباب لأي أقلية في أي بلد أن تطمح لتستقل هي بالبلد وتقيم لنفسها دولة مستقلة، ويقدم اقتراحاً بديلاً للتقسيم ''أردد أن خير حل لمشكلة فلسطين ليس تقطيع بلد زاخر بالسكان لإنشاء دولة وهمية باسم الدولة اليهودية، لا تقوم على أساس الجنسية بل على تمييز في الجنس أو العقيدة الدينية وإنما هو إنشاء دولة فلسطينية مستقلة لها حكومة ديمقراطية وجمعية تأسيسية تقدم لفلسطين دستوراً حديثاً على غرار دساتير بلادنا المختلفة وتضمن لكل من الأغلبية والأقلية حقوقها الخاصة· وعلى هامش المشكلة الفلسطينية وخارجاً عنها يتعين كذلك اتخاذ إجراءات محلية فعالة لمعاملة المواطنين اليهود في العالم كله على قدم المساواة التامة بسواهم من المواطنين ذوي العقيدة الدينية المختلفة· وأكرر القول إن فلسطين لا شأن لها بمناهضة السامية''·
القضايا السياسية لا تحل بالمنطق والعقل والقانون، بل بالقوة والعقل وحين أوشكت الأمم المتحدة على إصدار قرار التقسيم قال لهم: ''إن القرار سيؤدي إلى إراقة الدماء'' وقال أيضا ''إذا بدأ سيل الدماء فلن تستطيع قوة على الأرض أن تحصرها داخل حدود فلسطين''· وما حذر منه الدكتور هيكل حدث ومازال يحدث إلى اليوم، لكن الدول الكبرى لم تأبه بكل ذلك·

اقرأ أيضا

ولي العهد السعودي يستعرض التعاون العسكري مع وزير الدفاع الأميركي