الاتحاد

عربي ودولي

عنان.. "الأسمر" الذي ملأ الدنيا صمتاً

أمينة عوض

غادر يوم أمس ''كوفي عنان'' الأمم المتحدة مخلفاً وراءه أوراقة المبعثرة على طاولة المجلس الدولي، تاركاً ملفاته مفتوحة، لخلفه من كوريا الجنوبية، ومع إشراق صباح اليوم أصبح حاملا للقب الأمين السابق للأمم المتحدة· ''عنان'' الذي أضاء شمعة صغيرة على طاولة عامهُ الأخير في محاولة لإنارة أعوامه العشرة التي قضاها في الأمم، سيظل اسمه عالقاً -في ذاكرة التاريخ- من أكثر أسماء الأمناء الذين مروا بها، ليس بسبب إنجازاته والنجاحات التي حققها فترة توليه مهام الأمانة، إنما بسبب اقترانه بفترة شهدت فيها المنظمة الأمم المتحدة اكبر انتكاسة منذ نشأتها عام 1945 بعد الانفراد الاميركي بضرب العراق بعيداً عن المظلة الدولية·
كوفي عنان و''الجمعة الرابعة''
يبدو أن أحلام كوفي عنان كانت أكبر من زعامة قبيلة بمسقط رأسه في مدينة كوماسي بغانا حيث ولد في 8 من إبريل عام ·1938 عنان من أسرة اجتماعية لها مكانتها القيادية بين القبائل، وكان جده لأبيه من زعماء قبيلة ''أشانتي'' يقوم بدور المصالحة وحل مشاكل القبيلة، وتولى عمه فيما بعد هذا المنصب القبلي، في حين كان جده لأمه أيضاً من زعماء قبيلة ''فانتي'' المشهود له بالحكمة وسدة القرار· كوفي عنان اسم يحمل جزءا من حياة صاحبه، فكلمة ''عنان'' تعني الرابع وهذا هو ترتيبه بين أخوته و''كوفي'' تعني الجمعة وهو اليوم الذي ولد فيه·
رحلت عائلة عنان إلى العاصمة أكرا وعمل والده في إحدى شركات تصدير الكاكاو، إلى أن عاد إلى قريته مع بلوغه سن التقاعد ليتولى عرش ''أشانتي''· عاش ''عنان'' في مجتمع قبلي مليء بالصراعات والصدامات والنزاعات كانت بمثابة المدرسة الدبلموسية السياسية الأولى التي نهل منها وتعلم القيادة· وكانت لدى عنان شقيقة توأم تدعى ''إيفا'' توفيت عام ،1991 وله ثلاثة أبناء اثنان من زواجه السابق من سيدة نيجيرية تدعى ''تيتا'' وتم الانفصال عام،1970 ومن زوجته الحالية لديه طفلة، وهو متزوج من سيدة سويدية يهودية تدعى ''ناني كرونستيدن'' وتعمل محامية ورسامة·
كان عنان منذ الصغر ناشطاً سياسياً وزعيما، فقد أكمل دراسته الثانوية في مدرسة الثانوية المسيحية· وفي عام 1957 شارك عنان الحركة الوطنية للاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وحتى بعد التحاقة بكلية العلوم والتكنولوجيا في ''كوماسي'' واصل عنان نشاطه الرئاسي والسياسي، وانتخب نائبا لرئيس اتحاد الطلاب· كان الحظ حليفاً لعنان بحصوله على منحة لدراسة الاقتصاد في كلية ''ماك الستر'' عام ،1961 وذلك بعدما قابل مندوبا من مؤسسة ''فورد'' الأميركية لدى ذهابه لحضور مؤتمر اتحاد الطلاب الأفارقة في سيراليون· وجاءت بداية بعد أن حصل عنان على الزمالة من ''سلون'' بسويسرا في معهد ''ماساتشوستس'' للتكنولوجيا، كما حصل كذلك على درجة الماجستير العلوم في الإدارة بين عامي 1970-،1971 وهناك التحق بمنظمة الصحة العالمية ومنها بدأ أول خطواته نحو الدبلوماسية العالمية حتى أصبح أميناً عاماً للأمم المتحدة·
''سد حنك'' عنان!!
لم يكن يتوقع عنان الذي عمل على منذ بداية حياته النضالية -الحافلة بالقيم والمبادئ- أن يزج اسمه في فضيحة النفط مقابل الغذاء، التي أصبحت بمثابة ''سد الحنك'' للأمين العام في أوج حاجة العالم لسماع صوته· ففي الثامن من ديسمبر عام 2004 تعالى تصفيق دبلوماسيو مائة وتسعين بعثة تصدياً لحملة إعلامية طالبت باستقالته· جاء هذا بعد أن كُشف عن معلومات واردة من مراقب الحسابات في الأمم المتحدة، قامت الصحفية ''كلوديا كروسيت'' بنشرها في صحيفة ''نيويورك تايمز''، ومن ثم في ''ناشونال رفيو''، أفادت أن ''كاجو عنان'' ابن الأمين العام للأم المتحدة كان يحصل على راتب من مؤسسة ''الكوتكنا'' المتعاقدة مع برنامج النفط مقابل الغذاء، وبذلك أُلصق بكوفي عنان تهمة الفساد· إلا أنه لم يقف أو يستسلم لمثل هذه التهم، فأمر بتحقيق داخلي حيث أن البرنامج لم يكن على مسؤوليته بل تحت مسؤولية مجلس الأمن ولجنة العقوبات·
تفاصيل كثيرة احتوتها فضيحة النفط مقابل الغذاء بدأت بعد إعلان عنان بعدم شرعية اجتياح العراق خصوصاً أن لا وجود لأسلحة الدمار الشامل حسب معلومات الأمم المتحدة· إلا أن هذه الفضيحة أكدت أن الأقوى يهيمن على القانون الدولي وهذا ما ألمح إليه عنان في خطابه الأخير·
عنان في غرفة الإنعاش
هي عادة لدينا أن ننتظر الكلمة الأخيرة الحاسمة، غير أنها أصبحت لا تنطق إلا في آخر اللحظات، هكذا فعل عنان· إذ يبدو أن عشر سنوات على عرش الأمم لم تسعفه، لذا جاء عامه الأخير ليبرز العديد من مهاراته التي أخذت منه كل هذا الوقت ليدركها، تكلم كوفي، وسمع العالم ما كان لا يُمكن أن يسمع إلا في الوقت بدل الضائع، فكان البطل في حرب لبنان حين أدان مجزرة قانا، وألح على ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، واستنكر موقف مجلس الأمن المتقاعس وفشله بإصدار قرار سريع في هذا الخصوص إنقاذا لأرواح الأبرياء، ولم يسكت عنان عن الخروقات الإسرائيلية لقرار1701 لوقف إطلاق النار، وكان ذلك الزعيم الأفريقي الذي واجه الانتقادات الإسرائيلية المستفزة·
كان ''عنان'' كذلك ممن وجهوا تحذيرا شديدا بشأن الأوضاع المتدهورة في العراق، واصفا العراق في تلك الحالة بأنها على أبواب حرب أهليه، محاولا بذلك إسعاف هذا البلد الغارق في دماء الأبرياء· وكان فيما قاله في هذا الشأن للإذاعة البريطانية ''بي·بي·سي'': ''إن الحياة في العراق الآن أسوأ مما كانت عليه في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين''، مضيفا أن ما يحدث في العراق أسوأ من حرب أهلية، وأنها تعد من أصعب الملفات التي مرت عليه خلال فترة عمله في المنظمة الدولية، متابعا ذلك بقوله: ''لو كنت مواطنا عراقيا عاديا لعقدت المقارنة نفسها بالتأكيد، كان لديهم دكتاتور وحشي، لكن كان لديهم شوارعهم وكانوا يستطيعون الخروج، وكان أطفالهم يستطيعون الذهاب إلى المدارس والعودة منها دون أن يساور القلق الأم أو الأب، بينما يدور في أذهانهم سؤال واحد: هل سنرى أطفالنا مرة أخرى؟''· وانتقد عنان القوى النووية الرئيسية في العالم· وقال إن تباطؤ تلك القوى في التخلي عن أسلحتها النووية قد شجع دولاً أخرى على السعي للحصول على ذلك النوع من الأسلحة· ووصف عنان الموقف بأنه كما لو كان العالم نائماً على مقود طائرة تتحرك بسرعة هائلة· وأضاف إن حيازة دول مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان وإسرائيل أسلحة نووية دون أن تكون موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي هو بمثابة أزمة ثقة كبرى· وحث عنان الدول النووية على الموافقة على جداول زمنية للتخلي عن أسلحتها·
زوبعة قبل الرحيل
حُلت عقد لسان عنان قبل مغادرة الأمم المتحدة، فوجه انتقادات لاذعة لسياسة العم ''سام''، وأثار خطابة الأخير زوبعة بمطالبته الولايات المتحدة احترام حقوق الإنسان في ''حربها ضد الإرهاب''، كما حث عنان أميركا على تولي دورها الجماعي في القيادة بدلاً من العمل الفردي· وقال ''لا توجد دولة يمكنها أن تحقق الأمن لنفسها عن طريق البحث عن التفوق على الآخرين''، مضيفا أنه يجب أن تؤخذ الدول في الاعتبار، موضحاً أن الأمم المتحدة هو الإطار الوحيد الذي يمكن أن يضمن هذا الأمر· لقد كان خطاب عنان الأخير رسالة توبيخ لسياسات الرئيس الاميركي جورج بوش، مصرحا بانتقاده لمعارضة واشنطن توسيع مجلس الأمن المؤلف حاليا من 15 عضوا، وقال ''فقط من خلال المؤسسات المتعددة الجنسيات تستطيع الدول محاسبة بعضها البعض، وهذا يجعل من المهم للغاية تنظيم هذه المؤسسات بشكل منصف وديمقراطي يمنح الفقير والضعيف بعض النفوذ للرد على أفعال الثري والقوي''· هذه السطور كانت صرخة عنان تمرد فيها على حشرجة عشرة أعوام·

اقرأ أيضا

زعيم المعارضة الفنزويلية يعلن انتهاء الحوار مع الحكومة