الاتحاد

الاقتصادي

كفاءة الإنفاق الحكومي ضمانة للنمو ومواجهة الانكماش الاقتصادي بالعالم

مشاريع بنية تحتية في أبوظبي حيث تعتزم دول التعاون طرح مناقصات جانب من أحد الشوارع الخارجية في دولة الإمارات

مشاريع بنية تحتية في أبوظبي حيث تعتزم دول التعاون طرح مناقصات جانب من أحد الشوارع الخارجية في دولة الإمارات

حسام عبدالنبي (دبي)

أكد خبراء ماليون أن إنجازات دولة الإمارات مكنتها من الاحتفاظ بالمركز الأول عالمياً في كفاءة الإنفاق الحكومي، متفوقة على 136 دولة في مؤشر التنافسية الدولية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى جانب تصدر الدولة أيضاً المرتبة الأولى عالمياً للمشتريات الحكومية لمنتجات التكنولوجيا العالية والقدرة الإبداعية، مشددين على أن كفاءة الإنفاق الحكومي ضمانة للنمو الاقتصادي للدولة وتحصنها من الضغوطات المتوقعة خلال العامين القادمين، بسبب الظروف والأوضاع الاقتصادية العالمية.
وأوضح الخبراء أن كفاءة الإنفاق الحكومي لا تعني تقليل النفقات العامة أو التبذير في النفقات والمشتريات الحكومية، بل تعني النظر في مقدار حاجة المجتمع إلى المشاريع المختلفة والمفاضلة بينها على أساس ما يحققه كل منها من منفعة جماعية، ثم تقرر كمية وتوقيت الإنفاق على هذه المشاريع، مشيرين إلى أهمية الإنفاق الحكومي في تحفيز الابتكار والإنتاجية في الأسواق المحلية، وتأثيره الإيجابي على الاقتصاد. ودعا الخبراء إلى عدم الاستجابة إلى الدعوات المتشددة بتقليل الإنفاق عن مستويات ما قبل 2015 لتجنب الانكماش اقتصادي، وأن تستمر دول المنطقة في الإنفاق لمواجهة الصدمات وأهمها تسارع الانكماش الاقتصادي بالعالم. وشدد الخبراء على أن كفاءة الإنفاق ربما تعد هي السبيل الوحيد المتبقي للاستدامة المالية، وتحقيق نتائج ملموسة، منبهين إلى ضرورة أن تعطي دول المنطقة الأولوية للاستثمار عالي الجودة المحفز للنمو في البنية التحتية ورأس المال البشري، مع مواصلة وتيرة الإنفاق الاجتماعي الموجه جيداً لتعزيز مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص.

أهميتها للحكومات
وقال لوران جيري، شريك إداري لدى شركة «أوليفر وايمان» للاستشارات الإدارية، إن إدارة الإنفاق العام تمثل أهمية كبرى لمعظم حكومات العالم، إذ تواجه الدول المتقدمة والنامية على حد سواء ضغوطاً متزايدة لتحقيق أعلى قيمة بتكلفة أقل، وأصبح رفع كفاءة الإنفاق أمراً إلزامياً بدلاً من اللجوء إلى زيادة الضرائب لخفض معدلات العجز العام.
وحدد جيري 12 قاعدة ذهبية أوصى الحكومات بتطبيقها لضمان كفاءة الإنفاق، وهي عبارة عن تقنيات تساعد الحكومات على السيطرة على زيادة الإنفاق.
من بين هذه التقنيات، إدارة فئات الإنفاق واستراتيجيات الشراء، ومركزية عمليات الشراء وتحديث نماذج عملها، وسرعة تفعيل التدفقات النقدية.
وأشار جيري إلى أن كفاءة الإنفاق الحكومي في دول عديدة حول العالم حالياً، مثقلة بالتعقيدات، مثل تشتت الإنفاق، وعدم مركزية اتخاذ القرار، وعدم وضوح الموازنة، واستخدام أنظمة تقنية عفا عليها الزمن. وأكد على أن الإنفاق الحكومي أحد محفزات الابتكار والإنتاجية في أسواق الموردين المحلية، وتثمر عن تأثيرات إيجابية على الاقتصاد في نهاية المطاف.

المخاطر العالمية
وقال جهاد أزعور، مدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، إن المخاطر الناجمة عن تصاعد توترات التجارة العالمية، إضافة إلى تضييق الظروف المالية، وغموض مسار أسعار النفط، والتطورات الجيوسياسية، تلقي بظلالها على التوقعات المستقبلية لأداء اقتصادات المنطقة. وشدد على أن هذه العوامل تستوجب بالتالي مواصلة وتسريع وتيرة الإصلاحات المالية والهيكلية لزيادة المرونة الاقتصادية وتحفيز نمو القطاع الخاص، إذا أرادت دول الشرق الأوسط ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين كل المواطنين، ليتمكنوا من بناء مستقبل أكثر ازدهاراً.
وذكر أزعور أن تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان لعام 2018» لصندوق النقد الدولي، يتوقع أن يدعم ارتفاع أسعار النفط وتسارع وتيرة ضبط الإنفاق الحكومي اقتصادات معظم الدول المصدرة للخام على المدى القريب، منبهاً أن التقرير أوصى بأن تعطي دول الشرق الأوسط الأولوية للاستثمار عالي الجودة والمحفز للنمو في البنية التحتية ورأس المال البشري، مع مواصلة وتيرة الإنفاق الاجتماعي الموجه بشكل جيد لتعزيز مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع دون تمييز.

التنمية المستدامة
من جانبه، قال الدكتور محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس مجموعة البنك الدولي، إن نجاح برامج التنمية المستدامة التي أعلنتها دول الخليج لا يستوجب فقط وضع رؤية مستقبلية، مضيفاً: «العبرة ستكون في تطبيق تلك الاستراتيجيات بما يصب في صالح رأس المال البشري والبنية الأساسية والاستثمار في توقي وتجنب المخاطر، وهو مفهوم غائب تماماً في الدول العربية».
وأوضح أنه رغم أن تباطؤ الاقتصاد العالمي الحالي قد لا يوفر البيئة المناسبة لمشاركة القطاع الخاص في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فإن تلك المعوقات يمكن التغلب عليها بزيادة كفاءة الإنفاق الحكومي على المشروعات المرتبطة بالتنمية المستدامة وحسن اختيارها. وشدد على أن الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية ضرورة لمواجهة كل التحديات والخروج من الأزمات، داعياً حكومات الدول المختلفة إلى أن تجعل القطاع الخاص شريكاً في التنمية وأن توفر له المشاريع المبتكرة التي تحفزه على المشاركة.

استمرار الإنفاق
بدوره، قال الدكتور ناصر السعيدي وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني الأسبق، إن أسعار النفط لن تعود إلى مستويات 100 و120 دولاراً للبرميل، ورجح انخفاض الطلب العالمي على النفط وتراجع أسعاره نتيجة ثلاثة عوامل، توسع أميركا في إنتاج النفط الصخري وتوريده للدول الآسيوية، وهي أهم الدول المستوردة للنفط من دول الخليج، والمنافسة مع مصادر الطاقة المتجددة، وأخيراً سعي الدول لتطبيق مفهوم الكفاءة في استخدام الطاقة.
وأكد السعيدي أن انخفاض أسعار النفط لن يؤثر فقط على منطقة الخليج، بل على كل المنطقة العربية، خاصة أن دول الخليج أهم شريك تجاري واستثماري لكل الدول غير المصدرة للنفط.
وذكر أن انخفاض أسعار النفط يتطلب إصلاحات هيكلية وليس إجراءات مالية فقط، بينها ضرورة التركيز على كفاءة الإنفاق، منبهاً أن تطبيق النصائح الصادرة عن صندوق النقد الدولي بتقليل نسب الإنفاق عن مستويات ما قبل 2015 قد يحدث انكماشاً اقتصادياً، لذا يجب أن تستمر دول المنطقة في الإنفاق لمواجهة الصدمات.

السبيل الوحيد
وأفاد أندريه مارتينيز، الخبير الاستشاري والمالي، بأن كفاءة الإنفاق ربما تعد هي السبيل الوحيد المتبقي للاستدامة المالية والتي قد تحقق نتائج ملموسة. وقال إنه وفقاً للتقديرات العالمية فإن قيمة الإنفاق الحكومي عالمياً تبلغ نحو 28 تريليون دولار، وتبلغ قيمة المشتريات العامة منها نحو 8.5 تريليون دولار فقط، وإذا استمرت على معدلاتها الحالية، سيتعذر تحمل مستويات الإنفاق في كثير من الدول.
وأرجع ذلك إلى عوامل، بينها، العجز الكبير في الميزانيات، وارتفاع تكاليف الديون، وشيخوخة السكان، والاعتماد على تقلب أسعار السلع الأساسية، ما يستلزم معالجة مشكلات الإنفاق الحكومي بمنهجية أكثر استراتيجية.
وأوصى مارتينيز الحكومات بتطبيق برامج مشتريات تستند إلى منهجيات أكثر شمولية على مستوى القطاعات المتعددة، مشيراً إلى أن المشتريات العامة تمثل أحد المحاور الأساسية التي تتطلب إحداث نقلة نوعية بها في ظل تسارع الانكماش الاقتصادي بالعالم، حيث تتعرض الحكومات حالياً لضغوط متزايدة لتحقيق أعلى قيمة بتكلفة أقل، ومضاعفة القيمة من مشترياتها على الصعيدين المحلي والعالمي.

دفع النمو
وتوقع سامي القمزي، مدير عام اقتصادية دبي، أن تشهد مشروعات البنية التحتية (والتي تأتي على رأس أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة) ضخ المزيد من الاستثمارات ما يساعد في تحريك السيولة في أسواق الدولة، مؤكداً خلال فعاليات الدورة الحادية عشرة من «المنتدى الاستراتيجي العربي» التي عقدت في دبي مؤخراً، أن حكومة الإمارات انتهجت سياسة مالية توسعية بزيادة الإنفاق العام في مشاريع البنية التحتية ومشاريع استثمارية أخرى، وذلك في إطار التحضيرات لاستضافة معرض إكسبو 2020.
وشدد على أن القرارات والمبادرات الحكومية المحفزة التي صدرت على المستويين المحلي والاتحادي أعطت نظرة إيجابية متفائلة نحو اقتصاد الإمارات ودبي، حيث إن مبادرات حكومة دبي التحفيزية وبرامج حكومة أبوظبي سيساعدان في دفع معدلات النمو الاقتصادي في الدولة إلى حد كبير، خاصة أن اقتصاد أبوظبي ودبي يمثلان نحو 80% من اقتصاد دولة الإمارات، لافتاً إلى أهمية تلك المبادرات في المرحلة المقبلة لأنها تعمل على تحقيق نمو أسرع.

تحسينات مستمرة
حدد مايكل آرمسترونج، المحاسب القانوني المعتمد والمدير الإقليمي لمعهد المحاسبين القانونيين في الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، عدداً من العوامل التي تسهم في تحقيق أهداف رؤية 2021، فقال إن أبرزها التحسينات المستمرة في كفاءة الإنفاق، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، والتقدم نحو الاقتصاد التنافسي القائم على المعرفة، فضلاً عن شمولية وتوسيع الإصلاحات الهيكلية، وخصخصة المشاريع الحكومية غير الاستراتيجية، وتحسين النظام الكلي لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخيارات الحصول على التمويل.
وتوقع أن يكتسب القطاع غير النفطي دفعة تحفيزية، بعد أن أعلنت حكومة دولة الإمارات مؤخراً عن إصلاحات لدعم الاقتصاد في سياق خطة «غداً 21»، التي تتضمن خطة تحفيزية بقيمة 50 مليار درهم إماراتي (13.6 مليار دولار) مع إجراءات متنوعة لدعم الاستثمار وتسهيل ممارسة الأعمال في الدولة، منوهاً أن الإصلاحات الاقتصادية ستُستكمل من خلال الموافقة مؤخراً على أكبر ميزانية اتحادية في تاريخ البلاد بقيمة 60 مليار درهم (16.3 مليار دولار)، مع تخصيص أكثر من نصفها للتعليم والتنمية الاجتماعية.

مبادرات لتعزيز كفاءة الإنفاق والاستخدام الأمثل للموارد المالية
تبنت حكومة دولة الإمارات أربع مبادرات تهدف إلى تعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي، والاستخدام الأمثل للموارد المالية في القطاعات الحيوية، وتحقيق التكامل بين الجهات الاتحادية والمحلية لتبسيط نظام الرسوم وحماية الاستقرار الاقتصادي في الدولة، وذلك أثناء اجتماع فرق عمل كفاءة الإنفاق، ضمن الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات، وتتضمن مبادرة رفع كفاءة القطاع الحكومي تعزيز استخدام الموارد المالية في الدولة بكفاءة وفاعلية، من خلال تحديد الإنفاق في المجالات ذات الأولوية، خصوصاً الصحة والتعليم، التي تفيد الاقتصاد الوطني، وتقليص الإنفاق على المجالات الأخرى غير ذات الأولوية، عن طريق مراجعة كل السياسات والقوانين المتعلقة بالمبادرة، وعقد ورشة تنسيقية مع كل الجهات المعنية، وإعداد مسودة الدليل الاسترشادي لرفع كفاءة الإنفاق العام.

مجلس لتحقيق أعلى درجات الكفاءة في الإنفاق الحكومي
يسهم مجلس تنسيق السياسات المالية الحكومية، التابع لوزارة المالية في الإمارات بدور مهم في تحقيق أعلى درجات الكفاءة في الإنفاق الحكومي. وحسب يونس حاجي الخوري، وكيل وزارة المالية، رئيس مجلس تنسيق السياسات المالية الحكومية، فإن المجلس يضطلع بمهمة دراسة مشاريع الموازنات وأوجه الصرف، بهدف تحقيق أعلى درجات الكفاءة في الإنفاق الحكومي وتطوير الإيرادات الحكومية وتنويعها، بما يعزز من تنافسية الدولة ويرتقي بمكانتها في تقارير التنافسية العالمية، خاصة في المحاور ذات الارتباط بالقضايا المالية والنقدية، وفي مقدمتها محور الإنفاق الحكومي، مشيراً إلى الدور المحوري الذي يقوم به المجلس في دراسة البيانات المالية ومناقشة أبرز القضايا والمتغيرات في السياسات المالية والنقدية على مستوى الدولة والمنطقة والعالم، ووضع الخطط والتوجهات التي تعزز مكانة الدولة وتدعم مسيرة التنمية الاقتصادية المستدامة.
وذكر الخوري، أن المجلس ناقش في آخر اجتماع له في شهر نوفمبر ملخص الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات والمرتبطة بمحور كفاءة الإنفاق، وتقريراً عن القوانين المالية الصادرة في الأعوام بين 2016 إلى 2018، مع عرض تفصيلي لبرنامج حماية وسلامة النظام المالي في الدولة، إضافة إلى مناقشة أهم وأحدث التطورات المالية والنقدية والمصرفية على المستويات المحلية، والإقليمية والعالمية، لافتاً إلى أنه تم خلال الاجتماع الذي يعد ثالث اجتماعات المجلس في عام 2018، استعراض بيانات إحصاءات مالية الحكومة السنوية لعام 2017 والربعية لعام 2018 لمشروع جمع وإعداد تقارير إحصاءات مالية الحكومة على مستوى الدولة، كما تم التداول حول تطور الإيرادات والنفقات على مستوى الدولة، خلال الأعوام من 2010 ولغاية 2017.

3 قواعد تحكم الإنفاق العام
يرى الخبراء أن هناك ثلاث قواعد يجب أن تحكم الإنفاق العام، وهي تحقيق أكبر قدر من المنافع، ومراعاة قاعدة الاقتصاد في الإنفاق العام، والترخيص والرقابة على الإنفاق.
وقالوا إنه فيما يخص قاعدة تحقيق أكبر قدر من المنافع يجب على الدولة أن تنظر في مقدار حاجة المجتمع إلى المشاريع المختلفة، وأن تجري مفاضلة فيما بينها على أساس ما يحققه كل منها من منفعة جماعية، ومن ثم تقرر كمية وتوقيت الإنفاق على هذه المشاريع.
كما يجب أن يقسم هذا الإنفاق بشكل يراعي حاجات الطبقات الاجتماعية المختلفة في كافة المناطق.
وأكدوا أنه يجب على القائمين بالإنفاق العام مراعاة قاعدة الاقتصاد بمعنى تجنب التبذير فيه، ومن ثم يجب عدم إنفاق أي مبلغ إلا لمبرر، إذ إن الإنفاق العام مبرر بما يحققه من منفعة عامة، ولا يمكن أن تتحقق هذه المنفعة إذا كان تبذيرياً، منبهين أن تطبيق قاعدة الاقتصاد في الإنفاق العام لا يعني التقتير فيه، وإنما الإنفاق على جوهر الموضوع بكميات كبيرة تناسبه، وتجنب الإنفاق على هوامش الموضوع إلا بقدر، ويمكن تحقيق ذلك عبر رقابة الرأي العام، والرقابة الإدارية والبرلمانية، وتوافر الجهاز الإداري الكفء. وأشار الخبراء إلى أن قاعدة الترخيص تستوجب أن تخضع النفقات العامة لإذن سابق من الجهة المختصة، وهذا الأذن قد يختص بمنحه البرلمان على النطاق المركزي، أو الهيئات المحلية ضمن حدود اختصاصها الزماني والمكاني.

اقرأ أيضا