الاتحاد

تقارير

غزة··· حرب أخرى بالوكالة

دخان ونار في سماء غزة

دخان ونار في سماء غزة

تبدو الصور المبثوثة عن الحرب الدائرة في قطاع غزة مروعة دون أدنى شك، إلا أنها تظل غير دقيقة في ذات الوقت· فهي تعكس زحف جيش إسرائيلي جرار مدعوم بطائرات F-61 الحربية التي تواصل قصفها للمدنيين العزل، الذين ليس لهم من قوة أو جيش يحميهم سوى بعض المقاتلين المزودين بالبنادق والصواريخ البدائية·
ولكن عند توسيع عدسة الكاميرا قليلاً ستتضح لنا الطبيعة الحقيقية لهذا النزاع· ذلك أن حركة ''حماس'' التي تواجههــــا إسرائيل عسكرياً في القطـــاع، لا تختلف كثيراً في خوضها حرب وكالة عن إيران، مثلما يفعل ''حزب الله'' اللبناني· وإذن فالعدو الحقيقي الذي تحاربه إسرائيل في القطاع هو إيران وليس حركة ''حماس''· وعليه فإن في إمكان العملية الجاريـــة الآن توجيه ضربة قاضية لتوســع النفوذ الإيراني في المنطقة·
فحتى اليوم لا يبدو أن الثورة الإيرانيــة التي انطلقـــت في أواخـــر عقـــد سبعينيات القرن الماضي، قد أوشكت على التوقف· فقد انتهت الحرب الإيرانية- العراقية الطويلة باحتلال إيران لبعض الأراضي العراقية في أواخر الثمانينيات· ومن هناك امتد الأمر ليتجــه إلى لبنــــان عبر حليفها ''حزب الله''·
وما أن انهار نظام خصمها اللدود صدام حسين في العراق، حتى تغلغلت إيران بنفوذها عميقاً في عراق ما بعد صدام· وبالمثل تم استقطاب سوريا كذلك إلى دائرة النفوذ الإيراني· أما في قطاع غزة، فقد تمكنت إيران من خلال تعاونها مع حركة ''حماس'' القريبة في أفكارها ومفاهيمها من جماعة ''الإخوان المسلمين'' المصرية، من تحويل النزاع الإسرائيلي/ الفلسطيني إلى حرب ''جهادية'' ضد الدولة اليهودية· والخطر الأكبر الذي يهدد المنطقة هو فرض هيمنتها التامة على الشرق الأوسط كله، ما أن تتمكن من الحصول على أسلحتها النووية·
والشعور بهذا الخطر هو ما دفع عدداً من القادة المعتدلين العرب إلى لوم حركة ''حماس''، بسبب الإعلان الأحادي من جانبها عن نهاية اتفاق التهدئة الذي كان يمكن تجديده مع إسرائيل· ولا يزال على القادة الغربيين أن يدركوا أن نزاع الشرق الأوسط لا يقتصر على الإعلان عن قيام دولة فلسطينية حرة مستقلة فحسب، وإنما يشمل أيضاً الحيلولة دون اختطاف المنطقة كلها من قبل الإسلام السياسي المتطرف· بل إن قيام الدولة الفلسطينية نفسه يظل مستحيلاً بدون تطبيع المتطرفين الرافضين لأي حل تفاوضي للنزاع·
وفيما لو نجحت إسرائيل في الإطاحة بحكومة ''حماس'' في القطاع، فإن في ذلك ما يعزز نفوذ القوى المناهضة لإيران على امتداد المنطقة بأسرها، إلى جانب كونه مؤشراً على تراجع التوسع الإيراني· ولكل هذه الاعتبارات فإنه ربما كانت هذه العملية العسكرية الإسرائيلية، نقطة البداية للإطاحة بنظام ''حماس'' الذي وضع يده بالقوة على قطاع غزة في عام ،2007 وقصف مقاتلوه البلدات الإسرائيلية المجاورة بآلاف الصواريخ وقذائف الهاون·
وسواء تمكنت العملية من الإطاحة بحكومـــــة ''حماس'' أم لم تتمكـــــن، فإنــــه لا يزال في وسع إسرائيل تحقيق عدد من الأهداف الرئيسية· أولها التوصل إلى وقف مطلق للنيران·
فإذا كانــــت اتفاقـــات وقف إطلاق النار السابقة تسمح لمقاتلي ''حماس'' بإطلاق نحـــو صاروخين إلى ثلاثـــة صواريــخ في الأسبوع على البلدات الإسرائيلية المجاورة، وكذلك تهريب الأسلحة إلى داخل القطاع عبر الأنفاق، فإن التوصل الآن إلى وقف للنيران، يتطلب من المجتمع الدولي الاعتراف لإسرائيل بالرد على أي عدوان على أراضيها، إلى جانب مراقبة إغلاق الأنفاق التي تستخدمها الحركة في تهريب السلاح· وفوق هذه الأهداف جميعاً، التأكد من عجز ''حماس'' عن إحراز النصر، وإخفاقها في حفز التوسع الإيراني في العالم العربي·
ولكن ينبغي القول إن تحقيق هذه الأهداف المحدودة نفسها ليس مؤكداً· فقد كانت حرب صيف عام 2006 فرصة أكيدة لوقف الزحف الإيراني، إلا أنها أهدرت بفعل الأخطاء العسكرية الإسرائيلية والضغوط الدولية التي مورست على إسرائيل، وبسبب تمكن ''حزب الله'' من خديعة الرأي العام العالمي بتضخيمه لعدد القتلى المدنيين· فكانت استجابة المجتمع الدولي فرض وقف مبكر لإطلاق النار، قبل أن تتمكن إسرائيل من تحقيق الأهداف التي شنت من أجلها الحرب، وكذلك نشر قوة حفظ سلام دولية، مكنت ''حزب الله'' من زيادة ترسانته العسكرية بأكثر من ضعف ما كانت عليه قبل الحرب·
وعلى رغم قتل إسرائيل لحوالي ربع مقاتلي الحزب، إضافة إلى تدمير مقر قيادته، إلا أنها بدت طرفاً خاسراً في تلك الحرب، في حين كان الفوز من نصيب إيران في نهاية الأمر·
وقد استوعبت إسرائيل جيداً دروس الحرب اللبنانية المريرة· فخلال العامين التاليين لتلك الحرب، واصل الجنود الإسرائيليون تدريباتهم العسكرية الشاقة، وتمكنوا من رفع روحهم المعنوية· واعتماداً على تلك الروح قرر القادة الإسرائيليون مهاجمة قواعد حركة ''حماس'' بواسطة إحدى أخطر الضربات الجوية منذ حرب عام ·1967

يوسي كلاين
زميل رئيسي بمعهد أديلسون للدراسات الاستراتيجية

مايكل بي أورين
أستاذ بكلية الخدمة الخارجية بجامعة جورج تاون
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا