صحيفة الاتحاد

دنيا

ملعقة لبن بدرهم

استبدّ بي الجوع يوماً فهرعت إلى أقرب مطعم “فلافل” وطلبت “سندويتشين”، ودفعت ثمنهما ثمانية دراهم، وطلبت من صاحب المحل أن يزيد لي ملعقة صغيرة من اللبن “الطحينية”، فبادرني بالقول: لكن الملعقة بدرهم!
فتذكرت قول صديق عزيز من أصحاب مطاعم كبرى، مهنة المطاعم ومهن الأكل جميعاً لا تنجح مع بخيل، فهي تحتاج للكرم والسماحة أولاً، ولذلك ما زلت حريصاً على صداقته وأتواصل معه دائماً مع بعد المسافات بيننا.
وتذكرت بخلاء الجاحظ، وترحمت على حاتم الطائي وأيامه، وحمدت الله أنه لم يعش في أيامنا!
حُكي أن ملكان ابن أخي ماوية زوج حاتم الطائي قال: قلت لها يوماً: يا عمة حدثيني ببعض عجائب حاتم وبعض مكارم أخلاقه، فقالت يا ابن أخي أعجب ما رأيت منه أنه أصابت الناس سنة قحط أذهبت الخف والظلف وقد أخذني وإياه الجوع وأسهرنا، فأخذت سفانة وأخذ عدياً وجعلنا نعلّلهما حتى ناما، فأقبل عليّ يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام، فرفقت به لما به من الجوع، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي أنمت؟ فلم أجبه فسكت، ونظر في فناء الخباء، فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة، فقال ما هذا؟ فقالت يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب جوعاً، فقال لها: أحضري صبيانك فوالله لأشبعنهم فقامت سريعة لأولادها فرفعت رأسي وقلت له يا حاتم بماذا تشبع أطفالها فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقال والله لأشبعنّك واشبعنّ صبيانك وصبيانها، فلما جاءت المرأة نهض قائماً وأخذ المدية بيده وعمد إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً ودفع إليها شفرة، وقال قطعي وأشوي وكلي وأطعمي صبيانك، فأكلت المرأة وأشبعت صبيانها، فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم، فقال والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم! ثم أتى الحي بيتاً بيتاً يقول لهم انهضوا بالنار فاجتمعوا حول الفرس، وتقنَّع حاتم بكسائه وجلس ناحية فوالله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير إلا العظم والحافر، ولا والله ما ذاقها حاتم وإنه لأشدهم جوعاً.
أمَاويّ! إنَّ المــالَ غَادٍ ورائِحٌ
وَيَبْقَى منَ المالِ الأَحَادِيثُ وَالذِّكْرُ
وقد علِم الأقوامُ لو أنَ حَاتِمَاً
أرادَ ثَرَاءَ المـــــلِ كَانَ لَهُ وَفــــــْرُ
ولما مات حاتم عظم على طيء موته فادعى أخوه أنه يخلفه، فقالت له أمه: هيهات شتان والله ما بين خلقتيكما، وضعته فبقي والله سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت إحدى ثديي طفلاً من الجيران، وكنت أنت ترضع ثدياً ويدك على الآخر فأنى لك ذلك؟!



Esmaiel.Hasan@admedia.ae