بعدما كان أمراً روتينياً تحول شراء الأغراض والمواد الغذائية الأساسية بالنسبة لفرونيكا كاستيو ببلدة لافيكتوريا التي تبعد بحوالي 50 ميلاً عن العاصمة الفنزويلية كراكاس إلى ما يشبه العمل بدوام كامل، محملة مسؤولية ذلك للرئيس نيكولاس مادورو، ذلك أن كاستيو، ربة البيت التي تبلغ من العمر 33 سنة، كانت تنهي مشترياتها الأسبوعية لأغراض البيت في ساعة أو ساعتين، ولكنها الآن تضطر للبحث عن تلك الأغراض بضعة أيام علها تجد ما تريد لبيتها في هذه المدينة ذات 150 ألف نسمة. وعن معاناتها تقول السيدة الفنزويلية والأم لطفل عمره سنة: «لم أتمكن من العثور على الحليب سواء الطازج منه، أو طويل الأمد، أو حتى مسحوق الحليب، لشهر كامل، فقد أمضيت ساعات في البحث ومع ذلك لم أجد شيئاً، وهذا ما جلبته لنا ثورتنا المجيدة»، لكن كاستيو التي تعترف بأنها صوتت على مادورو في الانتخابات المبكرة لشهر أبريل الماضي بعد وفاة هوجو شافيز، ليست الوحيدة التي غيرت موقفها وباتت تعبر عن استيائها من الرئيس، فحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيفاد» بين 21 و28 أغسطس الماضي قال أكثر من ثلثي المستجوبين إن الوضع السياسي في البلد «ليس مستقراً»، وهناك نسبة أكبر أعربت عن تشاؤمها من المستقبل الاقتصادي للبلد. ويُرجع المراقبون هذا التدني في شعبية مادورو إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها المواطنون، حيث تصاعدت معدلات التضخم، وتناقصت المواد الغذائية الأساسية في السوق، بالإضافة إلى الانقطاعات الواسعة للتيار الكهربائي والانتشار الكبير للجريمة، وبحسب استطلاع الرأي ذاته سيحتل مادورو مرتبة متأخرة مقارنة بزعيم المعارضة، هنريكي كابريلس، لو نظمت انتخابات جديدة. وهذا الشعور العام بالاستياء لدى الفنزويليين يعبر عنه ديفيد سميدل، الباحث بمكتب واشنطن حول أميركا اللاتينية، قائلًا: «هناك شعور طاغ بالتيه وعدم السيطرة على الأمور من قبل الحكومة»، ولكن مادورو نفسه ساهم في تكريس صورة سلبية حوله بتشديده على أنه من اختيار شافيز، بدلاً من الانصراف إلى حل المشاكل المتراكمة في فنزويلا التي وإن كانت تزخر بأكبر احتياطي للنفط في العالم، إلا أنه يظل غير مستغل، فعلى رغم سعي مادورو، الذي كان سائق حافلة، لتغذية هالة الرئيس الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة، لم تكن النتيجة إيجابية، فالرجل الذي ادعى مرة أن شافيز يحدثه في هيئة طير غالباً ما يبذل جهداً مبالغاً فيه للظهور وكأنه جزء من الجماهير وأحد أفرادها العاديين مثل تسمية نفسه بأنه «ابن شافيز»، والقول عن زوجته إنها «المقاتلة الأولى» في البلد بدل السيدة الأولى. وعن هذا الأمر يقول «طارق يورد»، المحلل السياسي بالعاصمة كراكاس «إنه يظهر باستمرار مع الناس إما يرقص أو يغني، وفي بعض الأحيان يقبل الأطفال ليعطي الانطباع بأن الأمور على ما يرام، ولكن الناس ينظرون إلى الرئيس وكأنه منفصل تماماً عن الواقع». ويضاف إلى ذلك خطابه الشعبوي مثل حديثه عن المسيح باعتباره المسؤول عن توزيع رغيف الخبز على الناس، وهو أيضاً يكرر كثيراً أن فنزويلا أصبحت مستقلة عن أي تدخل خارجي لأول مرة منذ عقود، كما لا يخلو حديث له من الإشارة إلى الوطن وضرورة حمايته ليتحول هذا الحديث العام عن الوطن ليصبح بمثابة الشعار الذي يخفي وراءه المشاكل المتمثلة في شح المواد الغذائية التي يحتاجها المواطن. وفي هذا السياق يعلق «ميجل سلاس» الموظف الحكومي على خطاب مادورو قائلاً: «إن الرئيس دائماً يؤكد أننا نتوفر على الوطن حتى لو لم يكن لدينا غذاء، ولكنني أتذكر أنه كان لدينا الاثنان قبل مجيء شافيز إلى السلطة». والأمر لا يقتصر على الصعوبات الداخلية، بل حتى السياسة الخارجية التي انتهجها مادورو مثل الانسحاب من الهيئات الحقوقية التابعة لمنظمة دول الأميركتين، ودعمه لنظام الأسد في سوريا، وعرضه اللجوء السياسي على إداورد سنودن، كانت محط انتقادات واسعة، فمادورو الذي تأرجح في سياسته بين التقارب مع واشنطن واستعداء إدارة أوباما برر انسحابه من محاكم حقوق الإنسان التابعة لمنظمة دول الأميركتين بأن أعضاءها مجرد بيادق أميركية منحازة ضد مصالح بلاده. ولكن على رغم الجدل الذي تثيره سياسة مادورو الخارجية يبقى اهتمام أغلب الفنزويليين منصباً على الاقتصاد والجريمة، وهي المواضيع التي سعى الرئيس إلى القفز عليها قبيل الانتخابات البلدية التي ستجرى في 8 ديسمبر المقبل، والتي يعتبر العديد من المراقبين أنها ستكون بمثابة استفتاء على سنته الأولى في الحكم. ولم ينجُ زعيم المعارضة كابريلس وحزبه، من انتقادات مادورو الذي نعت أعضاءه بالفساد. واللافت أن الرئيس في محاولاته للتصدي للفساد في دواليب الدول طلب إلى البرلمان منحه سلطات خاصة تمكنه من سن قوانين دون تصديق السلطة التشريعية. وفي عودة إلى خطاب شافيز اتهم مادورو المعارضة بأنها مناهضة للثورة وتخطط لاغتياله، ولذا تمثل الانتخابات المقبلة محكاً حقيقياً لشعبية مادورو، فخلافاً لحزب المعارضة الذي أجرى انتخابات تمهيدية لاختيار مرشحيه قام مادورو والحزب الاشتراكي الموحد الذي ينتمي إليه بانتقاء مرشحيه في صفوف المشاهير من ممثلين ورياضيين دون انتخابات علَّ ذلك يساعده في جلب الأصوات، وهو الأمر الذي يهدد بتمرد داخلي في صفوف مناضلي الحزب الذين تم تهميشهم. بيتر ويلسون كاتب وصحفي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلبومبيج نيوز سيفرس»