أدلى أكراد العراق أمس بأصواتهم في انتخابات تشريعية لاختيار برلمان جديد لإقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي، وسط خلافات متواصلة مع بغداد، ومعارك تخوضها مجموعات كردية في سوريا المجاورة. وتُنظمُ هذه الانتخابات في ظل تساؤلات حول مستقبل الأكراد الموزعين تاريخياً على مجموعة دول متجاورة يُبدي بعضها استعداده لمناقشة مطالبهم، بينما تعصف ببعضها الآخر صراعات دامية، معبدة الطريق أمام الأكراد لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية. وشارك 2,8 مليون كردي يتوزعون على محافظات الإقليم الثلاث، السليمانية وأربيل ودهوك الواقعة جميعها في شمال العراق، في العملية الانتخابية التي تشمل المنافسة على 111 مقعداً في برلمان محلي يشرع قوانينه الخاصة. وما أن فتحت صناديق الاقتراع أبوابها عند الساعة السابعة بالتوقيت المحلي (04:00 تج)، حتى بدأ الناخبون الذين ارتدى معظمهم اللباس الكردي التقليدي التوافد إلى مراكز الاقتراع. وقال غازي أحمد بعدما أدلى بصوته في مركز انتخابي في أربيل “الوضع كان سيئاً خلال فترة حكم النظام البعثي”، في إشارة إلى نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وأضاف أحمد (56 عاماً) “الحياة أفضل اليوم .. ونأمل بأن تتحسن الأوضاع أكثر في المستقبل”. وأغلقت مراكز الاقتراع أبوابها ليلاً، على أن تبدأ النتائج بالظهور خلال الأيام المقبلة. وقال وفد مراقبة ياباني قام بزيارة العديد من مراكز الاقتراع في أربيل إنه لم يشاهد أي تجاوزات أثناء جولته وإن الانتخابات تجري بسلاسة. وتركزت الحملة الانتخابية التي سبقت عملية الاقتراع على مكافحة الفساد، وتحسين مستوى الخدمات الرئيسية، وكيفية إنفاق العائدات النفطية. وأبرز الأحزاب المتنافسة في أول انتخابات في محافظات الإقليم الثلاث منذ أكثر من أربع سنوات، حزبا الرئيس العراقي جلال طالباني الغائب عن الساحة لتلقيه منذ نهاية العام الماضي علاجاً في ألمانيا من جلطة دماغية أُصيب بها ورئيس الإقليم مسعود بارزاني، إلى جانب حركة التغيير “غوران” بزعامة نوشيروان مصطفى الذي انشق عن حزب طالباني. ويتوقع مراقبون أن يفوز الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة بارزاني بالعدد الأكبر من مقاعد البرلمان، في وقت يواجه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة طالباني منافسة من قبل “غوران”، خصوصاً في ظل الغموض الذي يحيط بالوضع الصحي للرئيس العراقي (80 عاماً). وتُسلط هذه الانتخابات الضوء على المحاولات الكردية على مدار السنوات الأخيرة التي تصب في اتجاه الاستقلال عن الحكومة المركزية في بغداد. ويشكل التقدم الذي أحرزه الأكراد في الإقليم، علامة فارقة مقارنة بالعقود المنصرمة التي كان الناشطون الأكراد يواجهون فيها الإعدام في تركيا وسوريا وإيران والعراق. وقد سعت سلطات الإقليم الغني بالنفط إلى بناء خط أنابيب يربطها مباشرة بالأسواق العالمية، وعملت في موازاة ذلك على تصدير النفط إلى جارتها تركيا، ووقعت عقوداً مع شركات أجنبية على رأسها (اكسون موبيل) الأميركية و(توتال) الفرنسية. ويعتمد الإقليم في سعيه هذا بشكل أساسي على صورته كمنطقة آمنة في العراق، على عكس المناطق الأخرى من البلاد التي تعاني أعمال عنف يومية، وعلى اقتصاده الذي يشهد نمواً سريعاً. وتثير محاولات الإقليم الكردي تحقيق استقلال نفطي واقتصادي وسياسي متزايد غضب حكومة بغداد التي تخوض مع سلطاته صراعاً متواصلاً حول مناطق متنازع عليها بين الجانبين، بينها محافظة كركوك الغنية بالنفط التي تحتضن خليطاً من الاتنيات والقوميات. في موازاة ذلك، يجد إقليم كردستان نفسه منخرطاً في الصراع الدامي في سوريا المجاورة. فقد دفعت الاشتباكات التي خاضتها الشهر الماضي مجموعات كردية مع أخرى متشددة تحاول إيجاد ممر آمن إلى العراق، عشرات آلاف الأكراد السوريين للجوء إلى إقليم كردستان العراق. وكان بارزاني هدد بالتدخل في الصراع في سوريا بهدف حماية الأكراد هناك، رغم أن المسؤولين الأكراد يحاولون التقليل من وقع هذه التهديدات.