الاتحاد

الإمارات

علمـاء يرسمون الطريـق لسعـادة 7 مليـارات إنسـان

جانب من أعمال الجلسات (تصوير: أفضل شام)

جانب من أعمال الجلسات (تصوير: أفضل شام)

أحمد النجار (دبي)

ناقش كبار العلماء والمفكرين وممثلي المنظمات والجامعات في العالم، ضمن جلسات «حوار السعادة العالمي» الذي يعقد ضمن الفعاليات الرئيسة للقمة العالمية للحكومات، أفكاراً جدية وحلولاً فاعلة للحكومات تساعدها على إمكانية تصدير وإنتاج السعادة وتعميمها لتشمل 7 مليارات إنسان يعيشون على وجه الكرة الأرضية.
كما تناولوا دور الصحة النفسية في إنتاج السعادة، والعلاقة بين السعادة والتنمية، وتجربة المدارس السعيدة، ومحور قياس السعادة، وتجربة بوتان ووصفتها الخاصة، وتجربة دبي في ابتكار وتطوير مؤشر السعادة، ودور المدن في خلق الإبداع والتغيير لتحقيق السعادة، حيث قدموا خلاصة خبراتهم العريقة التي تستند على دراسات طويلة وبحوث علمية في مختلف المجالات، حيث ركزت الندوات في مجملها على الرفاه النفسي وانعكاساته على سلوك الأفراد؛ بهدف تشكيل توجهات عالمية جديدة تركز على تحقيق السعادة لشعوب العالم كافة والدعوة إلى تبنيها كناتج أساسي للتنمية.
كما عرضوا رؤى ودروساً علمية للحكومات تمكنها من تصميم سياسات خاصة بالسعادة والرفاه الاجتماعي، حيث تضمنت ندوة خاصة تناولت التجربة التشيلية كأيقونة ناجحة، وكيف تم تطبيقها في بناء قدرات الأفراد في ترجمة السعادة الاجتماعية.
وأكدوا أهمية تعميم فكرة صناعة السعادة، وقدموا دليلاً من النصائح والدروس المهمة بالبحوث والتجارب التي لا يستهان في مردودها الإيجابي ومدى تأثيراتها السحرية في صياغة السعادة الحقيقية التي صنفها الجميع بأنها المعادل الموضوعي والرافد الأساسي للرفاه الاجتماعي والذي تتجه معظم الحكومات لإنتاجها وترجمتها على شعوبها، بصفتها الجزء الأهم من ثروتها القومية والاقتصادية.

أهداف ومطامع ومكانة اجتماعية
وقال ميهاي تشيزينت ميهالي، المؤسس والمدير المشارك لمركز أبحاث نوعية الحياة، كلية كليرمونت للدراسات العليا في جلسة حملت عنوان «كيفية تحسين تجربة حياتنا»: سأركز على مفهوم «التدفق» الذي يمثل امتداداً للتجربة الإنسانية، فعندما يكون الناس سعداء في حياتهم فإنهم سيستمتعون بها حتماً، شريطة ألا ترتكز أهدافهم على مطمع مالي أو يسعوا وراء شهرة أو مكانة اجتماعية، بل يجب أن يحبوا ما ينجزونه ويعملونه؛ لأن هذا هو الجزء الأساسي من سعادتهم في الحياة.
وأضاف: نحن نتعلم مما نمر به في حياتنا، ويجب أن تتوافر لنا الحرية مبنية وفق قواعد معينة للحياة مصحوبة بالثقة الكاملة ليس تجاه حكوماتنا فحسب، بل جيراننا وكل من يعيشون حولنا ويتفاعلون معنا في محيطنا الاجتماعي.
وقدم ميهاي طرائق عملية حول اختيارنا لنمط حياتنا وكيفية السيطرة على حياتنا ومجراها، لافتاً إلى دور الحكومة في تقديم مساهمات فاعلة، وقدم العديد من الأمثلة التي تدعم ذلك. وذكر نماذج من المجتمع، منها لاعب الشطرنج الذي يعتمد في لعبته على التركيز الذي يصفه بأنه بمثابة «التنفس». فيجب أن يكون التركيز والاهتمام تلقائياً وطبيعياً، وذلك ينطبق على المتسلقين الذين يركزون طوال يوم كامل للوصول إلى القمة. وأضاف: «لا تقلق على مشاعرك حين تكون منشغلاً بشيء ما تفعله، فليس بمقدور أحد أن يوقفك، فأنت بمهاراتك وقوة مشاعرك الكامنة في فعلك الذي تقوم به قادر على مواجهة أي تحدٍ، ولا شك في أنك ستحقق النتيجة القصوى وتتحقق النجاح الذي يقود بالنهاية إلى سعادتك».
وأورد ميهاي مثالاً آخر عن الجراح الذي ينسى نفسه وحواسه حين يجري جراحة لشخص ما، ويقول على لسان أحد الجراحين إن وقت العملية مقدس، حيث يتجرد فيها الجراح من أفكاره ومشاعره وينسى الوقت، ولا يرى أو يفكر بشيء سوى بالمريض الذي أمامه وحين تنجح العملية، فإنه يشعر بسعادة تسري في كل عروقه.
ولخّص ميهاي جلسته في 3 مؤشرات، يمكن على ضوئها قياس مستوى الرضا والسعادة، وهي تحديد الأهداف ورسم الخطوات المؤدية إليها، والاستماع إلى الملاحظات من المحيطين، وتأمين التوازن بين التحديات والمهارات.
وقال ميهاي: «إذا أهملنا قيمة السعادة، فإننا بعد فترة من الزمن سنجد هناك مجتمعات برمتها تشعر بالإحباط والملل»، وأضاف: «العالم اليوم مثقل بمصائب كثيرة مثيرة للاهتمام، لكن يجب التركيز على فكرة صناعة إنتاج السعادة والتركيز فيها بشكل أعمق».

الناتج القومي والرفاهية
وتحدث الدكتور بول ليتشفيلد، مدير مركز طبي في المملكة المتحدة، في جلسة «تصميم سياسات خاصة بالسعادة» عن العوامل الضرورية للرفاه، والعلاقة بين السعادة والناتج القومي للبلدان وتأثيره على رفاهية الشعوب، وتناول العلاقة بين مستوى الرضا في الحياة وارتباطه بالرضا عن الوظيفة، وقال: هناك ترابط مهم بينهما، فإذا كان المرء سعيداً في وظيفته، فإنه سيكون سعيداً في حياته أيضاً. كما تحدث عن المستوى التعليمي وعلاقته بمستوى الرضا والسعادة، موضحاً: إذا كان التحصيل العلمي للفرد عالياً، فإن مستوى رضاه سيكون مرتفعاً.
ولفت ليتشفيلد إلى أن حالات الفساد في المجتمع تسهم بشكل كبير في تكريس جو من التشاؤم وعدم الرضا، مبيناً أن الأشخاص الذين يتمتعون بمهارات أكبر من توصيفهم الوظيفي سينخفض مستوى رضاهم، وبالتالي تتأثر سعادتهم، ويتراجع تفاؤلهم في الحياة، وختم قائلاً: يجب أن نعرف كيف نضخ الحياة من خلال تعزيز السلوكيات الإيجابية، ونشرها في المجتمع على مستوى الأفراد والمؤسسات والحكومات.

تجربة تشيلي
وحملت جلسة عن التجربة التشيلية بعنوان: «بناء القدرات من أجل السعادة»، قدمها رودريغو ماركيز، منسق تقرير التنمية البشرية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تشيلي، الكثير من النقاط المضيئة حول السعادة، ودعمها بتقرير التنمية البشرية الصادر عن تشيلي، وحاول خلال ندوته الإجابة عن سؤال: كيف للحكومات أن تربط بين أجندتها للسعادة مع تجربة تشيلي، مشيراً إلى أن هناك ست خطوات، وصفها بالصعبة لتحقيق هذه التجربة، تبدأ بوضع استراتيجية للأهداف، ووضع السعادة على جدول أعمال التنمية العامة، ويكون فيها الإنسان هو الهدف الأساس. وأكد رودريغو أن السعادة لها علاقة بالأفراد وليس بالمجتمعات، وأنها ليست خياراً شخصياً، موضحاً أن السياسات العامة أيضاً لها دور فاعل في رسم ملامح السعادة وتعميمها على الشعب.

المدارس السعيدة
كما تحدث غوانغ جو كيم مدير مكتب منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلم والتربية «يونيسكو» في بانكوك، عن مشروع المدارس السعيدة في بانكوك، وذلك ضمن جلسة: مشروع تجربة المدارس السعيدة، الذي يستهدف 48 دولة، لتنشئة جيلٍ سعيدٍ إيجابي، ويساهم في استدامة التجربة البشرية وتنميتها، وقال: إن الدافع وراء هذا المشروع هو أن أبناءنا يمضون معظم وقتهم في المدرسة بصفتها المكان الذي يصقل تجاربهم وحياتهم؛ لهذا فإن من حقهم أن يشعروا بالسعادة.
وأشار إلى أن المدارس تؤثر على الرفاه والسعادة، فإذا شعر الطالب بالسعادة في مدرسته فإن ذلك يزيد من مستوى رضاه عن حياته، وتابع متسائلاً: ما الذي يجعل المدرسة مكاناً سعيداً، وكيف يكون التعليم مثيراً للحماسة والمنافسة، وأضاف: توصلنا عبر المشروع إلى أن السعادة أمر جماعي يتم الحصول عليه من خلال 5 عوامل، هي تكوين الصداقات والعلاقات داخل المجتمع المدرسي وتهيئة بيئة مثالية خالية من العنف والتنمر والحرية في التعلم وخلق الشعور بالإبداع والتشجيع على ممارسة الأنشطة والهوايات، وتعزيز العمل الجماعي والسلوك الإيجابي.
ولفت إلى أن السعادة على المستوى الدولي، تكمن في العدالة وإمكانية العيش سواسية دون أي تمييز، مشيراً إلى تقارير تفيد بأن بوتان في عام 2012 تربعت على عرش البلدان التي حققت مدارسها نمواً واضحاً في مؤشر السعادة. بينما كانت كوريا تعاني مشكلات في قطاع التعليم، ويكثر فيها الانتحار بسبب الضغوط والتنافسية، فيما كانت سنغافورة صاحبة الأداء الأفضل من خلال إطلاقها مبادرة التعليم الاجتماعي والعاطفي.

التحرر والعيش الحر في بوتان
وقدم داشو كارما أورا رئيس مركز بوتان للأبحاث ودراسات وصفة السعادة في بوتان، من خلال لوحة مرسومة لحياة كاملة، ظهر فيها رجل عاش في عصور قديمة وحوله نهر وكهف عميق وحيوانات مختلفة، ولفت من خلالها إلى دور البيئة في إنتاج السعادة وتصديرها للأفراد والمجتمعات. وقال إن تجربة بوتان تقوم على فكرة التحرر والعيش الحرّ والتعامل مع المخلوقات والطبيعة بشكل إيجابي إنساني.
وأضاف: إن البيئة التي تتقبل فكرة السعادة مستعدة أن تغير قيمها وسياساتها وقادرة على إرساء قوانين حديدة تساهم في إدخال الرضا والسرور على شعوبها.
وأفاد بأن تجربة بوتان كمملكة اشتهرت باعتماد على تعميم «السعادة المحلية الإجمالية» بدلاً من الناتج المحلي الإجمالي، وتميزت بالحفاظ على التوازن بين النمو الاقتصادي والتنمية المجتمعية والاستدامة البيئية والحفاظ على التراث والثقافة.

قصة دبي الذكية
من جانب آخر، عرضت الدكتورة عائشة بن بشر مدير عام مكتب دبي الذكية، قصة دبي الذكية في ابتكار وتطوير مؤشر السعادة الذي يهدف إلى رصد مستويات السعادة بين سكان دبي، واستكشاف التوجهات الكفيلة بتحقيق أعلى مستويات السعادة للمجتمع.
وقالت: إن هذه التجربة مستوحاة من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي استطاع ملامسة حياة كل شخص وتطلعاته ليحقق السعادة للجميع، وركزت بشر في جلستها على 5 أبعاد، وهي البيئة الذكية والاقتصاد الذكي والعيش الذكي والشعب الذكي والتنقل الذكي. وتابعت: لدينا 16 برنامجاً عن السعادة، و84 مشروعاً لقياس السعادة في مدينة دبي التي استطاعت تحقيق مفهوم السعادة وقياسها على أفراد شعبها، وذلك عبر منظومة من الوسائل والأدوات المختلفة، فمثلاً إذا تحدثنا عن التربية والتعليم، فقد أطلقنا «دبلوم السعادة عبر التعاون مع إحدى الجامعات المرموقة، حيث قمنا بتمويل 20 متطوعاً للالتحاق بهذا الدبلوم لتعلم استراتيجيات السعادة وثقافة الرفاه، وكيفية تطبيقها على المجتمع». كما تحدثت د. عائشة عن «هاك فون دبي للسعادة» الذي أطلقته مطارات دبي، لتعزيز تجربة المسافرين، ليكونوا سفراء يحملون انطباعات إيجابية لبلدانهم عن إمارة دبي، كما قمنا بتطوير أداة لقياس توقعات سعادة الموظفين في مختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية لإمارة دبي.?

اقرأ أيضا

حمدان بن زايد: دعم القيادة منحنا التميز في ساحات العمل الإنساني