أحمد مراد (القاهرة) أباح الإسلام الطلاق عندما يشتد الشقاق والنزاع بين الزوجين وتصبح الحياة بينهما مستحيلة، وحدد الدين الحنيف سبلا أخلاقية وطرقا شرعية للطلاق، حتى يكون الانفصال بالمعروف أو تسريح بإحسان، وهو ما لا يحدث في أيامنا هذه، حيث عادة ما ينتهي الأمر في ساحات المحاكم، ويتبادل الزوجان أبشع الاتهامات، مما يتنافى مع الضوابط والأخلاقيات التي وضعها الشرع الحكيم للطلاق. الحل الأخير يقول د. محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، إن الطلاق هو الحل النهائي لما استعصى حله على الزوجين وأهل الخير والحكمين بسبب اختلاف الأخلاق، وتنافر الطباع، مما يؤدي إلى ذهاب المحبة وتوليد الكراهية، ففي هذه الحالة يكون الطلاق طريقاً شرعيا أمام الزوجين، مؤكداً أن الإسلام جعل الطلاق بيد الزوج بحكم أنه الأكثر تحكماً في أعصابه وانفعالاته من المرأة، فهي سريعة الانفعال والاندفاع، كما أن الرجل أكثر تقديرا لعواقب الأمور وأبعد عن الطيش في اتخاذ القرارات، ومع ذلك فمن حق المرأة أن تطالب بطلاقها في حالة سوء العشرة، وغيرها من الحالات. ويقول: إذا كان الزواج ليس مجرد كلمة يقولها الرجل للمرأة، فكذلك الطلاق أيضا حيث إن له مراحل وقوانين ينبغي اتباعها، فهناك أربع مراحل تسبق الطلاق، وهي الوعظ والهجر والضرب الخفيف غير المبرح وحكمان من أهلهما، وعند فشل هذه الخطوات الأربع تتم طلقةٌ واحدة يمكن التراجع عنها ورجوع بيت الزوجية في حالة الاتفاق بين الزوجين، وهذه المراحل طويلة المدى لكي يعود الطرفان لرشدهما ويخضعا لأمر الله وإلا فالفراق بالمعروف والتسريح بإحسان يكون الحل النهائي. ويضيف: مراحل الطلاق ذكرها القرآن الكريم في قول الله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً»، حيث حدد القرآن خطوات التعامل مع نشوز الزوجات، الخطوة الأولى هي العظة «فَعِظُوهُنَّ» أي ذكرها بالموت وبالآخرة، فإن لم تستجب، تأتي الخطوة الثانية وهي الهجر «وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ»، أي لا تلتفت نحوها في الفراش، وأَحسن معاملتها في النهار واهجرها في المضاجع، ويمتد الهجر بالفراش أقصى حده لمدة أربعة أشهر، وإن لم ترجع تأتي الخطوة الثالثة وهي الضرب «وَاضْرِبُوهُنَّ» ضرباً إنسانياً خفيفا لا ضربا مبرحا، وأكثر ما يكون ضربا معنويا، حيث إنه يعاملها أرقى المعاملات الإنسانية قبل هذه المرحلة، ولما يضربها بشكل خفيف جدا فتكون لها بذلك ضربة معنوية لتفهم من الضرب أنه عازم على الطلاق فإن كان في قلبها محبة لزوجها عندها ترضى بالعودة لطاعة الله. وقال: إن لم تستجب رغم اتخاذ الخطوات الثلاث كاملة، عندها تتم الخطوة الرابعة بقوله تعالى:«وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا» فالحكمان يحاولان الإصلاح عسى أن يتم ولا يقع الفراق، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» ألا وهي مدة الهجر، وخلال الهجر يعاملها أفضل المعاملات الإنسانية، ولكن عند النوم يدير لها ظهره ويمتنع فقط عن المقاربة لمدة أربعة أشهر كما بين الله تعالى، وبعد ذلك إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان «فَإِن فَاؤوا» أي رجع الطرفان للحق «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، ولكن بعد أربعة أشهر «وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»، ولا طلاق إلا باتباع هذه القوانين حتى ولو عقد اليمين يترتب عليه فقط دفع كفارة يمين الطلاق، أي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم. إجراءات وخطوات وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد الطلاق، تقول الباحثة الإسلامية د. خديجة النبراوي: إذا حدث الطلاق، فهناك عدة إجراءات يجب أن تتبع، يقول الله تعالى: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ»، أي تبقى في بيت زوجها ثلاث حيضات، «وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ»، إذ بهجره لها أربعة أشهر ثم ببقائها من بعد الطلاق في بيته ثلاث حيضات أي ثلاثة أشهر تقريبا يصبح لها سبعة أشهر مهجورة، أربعة قبل الطلاق وثلاثة بعده، فإن كانت حاملاً حتما سيظهر حملها واضحا، ولا تستطيع النكران للتخلص من البقاء في بيت زوجها لأن عدتها تصبح ممتدة حتى تلد حملها. وخلال ظهور الحمل جليا يعود الزوجان للتفكير بمصير المولود ولربما يعودا للحق فيلغى الطلاق، وهذا ما يريده الله وتلك من حكم الله تعالى «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً» وخلال مدة القروء الثلاثة «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، أي يعاملها كزوجة وله الحق خلالها بإرجاعها، وبين تعالى أنه لا يجوز إخراج الزوجة المطلقة من بيت زوجها مدة العدة والقروء الثلاثة والحاكم يشرف على ذلك فعند بقائها في بيت زوجها لعلها ترجع للحق، فبرؤيتها لمعاملته الإنسانية الجيدة بذلك يمكن أن تفكر وتعدل عن الطلاق. وقال تعالى: «الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» في الطلاق الأول يحق له إرجاعها، وكذلك في الطلاق الثاني يحق له إرجاعها، وإن طلقها مرة ثالثة «فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى? تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا» مع العلم بأن للزواج الثاني شرطين، وهما نية البقاء مدى الحياة، والمهر الجديد. رباط مقدس ويقول فضية الشيخ عبدالحميد الأطرش، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر: الزواج رباط مقدس، وحل هذا الرباط فيه كثير من الأضرار، ووضع الشرع قيودا لإيقاع الطلاق مثل أن يكون لحاجة مقبولة، فإنه يقع ويأثم المطلق، وأن تكون في طهر لم يجامعها فيه، فقد طلق ابن عمر زوجته وهي حائض، فذكر ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فقال: «مره، فليراجعها أو ليطلقها طاهرا أو حاملا»، وأن يكون الطلاق مفرقا ليس بأكثر من واحدة. ويضيف: اللجوء إلى التفريق القضائي يكون عند تعسف الرجل في عدم تطليق المرأة إذا كانت هناك أسباب تدعو إلى ذلك، والتفريق القضائي يكون لعدة أسباب أبرزها الشقاق والضرر وسوء العشرة، فإذا ثبت إضرار الزوج لزوجته، وسوء عشرته لها، كأن يضربها ضربا مبرحا، أو يشتمها شتما مذموما، جاز للمرأة رفع أمرها للقاضي، فإذا ثبتت دعواها فللقاضي أن يفرق بينهما. نية البقاء والمهر الجديد شرطا الزواج الثاني حل الرباط المقدس فيه كثير من الأضرار