دفعت بي بي مليارات الدولارات في الغرامات والتعويضات عن الخسائر وتحملت انخفاضاً كبيراً في قيم أصولها ولحق بها ما لحق من تشويه السمعة، إلى أن فاض بها الكيل ونفد صبرها. الآن قررت الشركة اتخاذ إجراءات مضادة. تعبيراً عن ذلك الموقف الجديد، أقامت بي بي دعوى قضائية مؤخراً ضد الحكومة الأميركية مطالبة بنقض قرار الحكومة بتعليق معظم كيانات بي بي، بما يشمل ذراعها الاستكشافية والإنتاجية، عن العقود الفدرالية. كان ذلك الحظر قد فرض في شهر نوفمبر الماضي من قبل وكالة حماية البيئة التي ادعت أن بي بي تفتقر إلى السلامة في عملياتها حسب ما تبين في ضلوعها في كارثة خليج المكسيك عام 2010. وقالت الوكالة إن التعليق سيسري إلى أن تقدم الشركة براهين كافية للوكالة بوفائها بمعايير الأعمال الفيدرالية. كما استبعدت وكالة حماية البيئة وحدة استكشاف وإنتاج بي بي من العقود الفيدرالية في شهر فبراير الفائت. وجاء في دعوى بي بي تحميل المسؤولية لكل من جينا مكارثي مدير وكالة حماية البيئة وريتشارد إيه بليتيه مسؤول الوكالة عن تعليق الأعمال والوكالة ذاتها كمدعى عليهم. حماية البيئة وقالت بي بي في بيان أصدرته مؤخراً: «نؤمن بأن إجراء وكالة حماية البيئة غير لازم وغير مبرر من الناحية القانونية ومن حيث السياسات العامة ونحن نبحث عن إنصافنا أمام المحكمة الفيدرالية». وأضافت الشركة: «في الوقت ذاته لا نزال مستعدين لبلوغ تسوية معقولة مع وكالة حماية البيئة». تعد مقاضاة الحكومة الأميركية أمام المحكمة توجهاً نحو مقاربة تميل إلى العند والصرامة من قبل بي بي عملاقة النفط المتمركزة في لندن. ذلك أن تنفيذيي بي بي يعتقدون أن الشركة قد دفعت بالفعل ثمناً باهظاً مقابل التسرب النفطي في خليج المكسيك قبل عدة سنوات فضلاً عن الغرامات المدفوعة، بما بلغ حتى الآن 42.4 مليار دولار، وهم محبطون من استمرار ظهور دعاوى ومطالبات بمزيد من التعويضات. وقال بريان جلفاري مدير بي بي المالي في يوليو الماضي إن الشركة تريد إغلاق هذا الملف. ويبدو أن تنفيذيي بي بي قد خلصوا إلى أن مقاربتهم التصالحية لم تبلغ النجاح الذي كانوا يتمنونه. وجاء إجراء وكالة حماية البيئة بعد أن توصلت بي بي إلى اتفاقية مع وزارة العدل الأميركية، في شهر نوفمبر الماضي تقر فيها الشركة بإدانتها جنائياً وتدفع غرامات تبلغ 4.5 مليار دولار. ويعتقد بعض تنفيذيي بي بي أنه كان ينبغي للتسوية أن تمنع قيام وكالة حماية البيئة بتعليق أعمال الشركة وإن كان لا يوجد اتفاق رسمي بهذا الشأن. كما يرى تنفيذيو بي بي أن الدور الذي تقوم به الشركة لمصلحة الاقتصاد الأميركي غير موضوع في عين الاعتبار بالقدر الذي يستحقه. كما تتصاعد الدعاوى المدنية ضد بي بي رغم جهود الشركة في تسويتها. ففي 30 يوليو الماضي تعهد الرئيس التنفيذي لشركة بي بي روبرت دبليو دادلي بمقاومة ما أسماه دعاوى زائفة ووهمية أقيمت بموجب تسوية تمت العام الماضي مع محاميي الشركات التي لحقت بها خسائر جراء التسريب النفطي. وقالت بي بي في 30 يوليو إن القائمين على التسوية بالغوا في تعويضات الشركات بما شمل البعض الذي لم يلحق به أي تلفيات أو خسائر. وكانت بي بي في بادئ الأمر تقدر أن تكلفها التسوية 7.8 مليار دولار ولكنها زادت هذا التقدير في 30 يوليو إلى 9.6 مليار دولار مؤكدة أن التكلفة النهائية ستكون على الأرجح أكبر كثيراً. وقال دادلي: «نريد أن يعرف الجميع أننا ملمون جيداً بالقوانين ومستعدون لمواجهات طويلة الأجل في المسائل القانونية». وتعد دعوى بي بي ضد وكالة الحماية البيئة ظاهرة جديدة تدل على مدى استشعار الشركة بالغبن. ووصفت بي بي إجراء التعليق والاستبعاد الذي فرض على وحدة الاستكشاف الصادر في يناير 2013 بأنه تعسفي وطائش وأنه يجدر بالمحكمة أن تحكم ببطلان التعليق وعدم وجوب تنفيذه. وقالت الشركة إنه سبق لها أن أجرت أعمالاً مع الحكومة الفيدرالية لفترة عامين ونصف العام عقب حادثة تسريب نفط عام 2010. كما قالت إن المشرعين الفيدراليين «أعربوا صراحة عن ثقتهم في بي بي كمشغل آمن وموثوق به» عقب الكارثة، الأمر الذي أتاح لها الفوز بعشرات العقود في خليج المكسيك واستخراج تصاريح حفر للشركة. رخص جديدة كما ذكرت بي بي أنها منذ عام 2010 حصلت على 84 رخصة حفر في 12 دولة. وأكدت بي بي أنها طالما كانت ولا تزال شريك أعمال مخلصاً لحكومة الولايات المتحدة وأنها تشغل أكثر من 20 ألف موظف في الولايات المتحدة، كما قالت إنها استثمرت 52 مليار دولار في تطوير الطاقة في الولايات المتحدة متقدمة على أقرب منافسيها بعشرين مليار دولار. ويشمل البيان شهادات من مسؤولين أميركيين من ضمنهم مايكل آر برومويتش المسؤول عن إرساء تراخيص عمليات الحفر يفيد فيها بأن بي بي أثبتت أنها مشغل مراع للسلامة. وكان برومويتش قد قال بعد موافقته على تصريح حفر لشركة بي بي عام 2011: «استوفت بي بي كافة متطلبات السلامة المعدلة التي فرضناها وطبقناها طوال العام الماضي». وقالت بي بي إنها كانت بصدد إجراء مفاوضات مع وكالة حماية البيئة بهدف حل كافة مسائل التعليق والحظر الفدرالية حين اتخذت الوكالة إجراءات دون أي إخطار مسبق. ويكمن أهم تأثير للحظر في منع بي بي من الحصول على عقود نفط وغاز جديدة في الولايات المتحدة. ومن المرجح أن يعمل ذلك التعليق، على سبيل المثال، على إعاقة نشاطات الشركة في خليج المكسيك الذي لم تتمكن من تقديم طلبات عقود جديدة فيه منذ أن فرض الحظر. وقالت الشركة إنها في صدارة الشركات الحاصلة على عقود في مياه خليج المكسيك العميقة بما يبلغ 719 عقداً. انخفض إنتاج بي بي في خليج المكسيك الذي يعد مركز أرباح مهماً انخفاضاً حاداً من حوالي 33800 برميل يومياً عام 2010 إلى 219 ألف برميل يومياً عام 2012 بتراجع نسبته 35% بسبب تخلصها من حقول نفط وغاز هناك وبسبب حظر عمليات الحفر الذي فرض عقب التسريب والذي تم رفعه حالياً. وقال فاضل غيث محلل النفط في مؤسسة أوبنهايمر في نيويورك إنه من غير المرجح أن يسبب الحظر أي أضرار مباشرة لشركة بي بي ولكن قد تخسر الشركة فرصاً كبرى في الأجل الطويل ما يجعل شركات مثل اكسون وشل في مركز أكثر تميزاً. وقال غيث: «ينتظر أن تقل ميزة بي بي من خلال عدم مشاركتها، بينما سيستفيد غيرها من الفرص المتاحة». هل ستنجح مقاربة بي بي الجديدة؟ سؤال مفتوح الإجابة ويخشى غيث من احتمال أن تواجه بي بي مزيداً من المشاكل، وقال: «ينبغي عليك أن تكون عنيداً ومشاكساً ولكن بقدر غير مبالغ فيه، ذلك أن الجهات المنظمة سيضعونك في صندوق العقوبات». عن «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» ترجمة: عماد الدين زكي