صحيفة الاتحاد

دنيا

ميسون آل صالح توظف الهياكل العظمية في لوحاتها لبث رسائل تحذيرية

لوحة لميسون آل صالح تشير إلى ضرر الحميات الخاطئة (من المصدر )

لوحة لميسون آل صالح تشير إلى ضرر الحميات الخاطئة (من المصدر )

(العين) - تعبر الفنانة التشكيلية الإماراتية ميسون آل صالح عن فنها بشكل مختلف عن المعهود لدى غيرها من الفنانين، فهي على الرغم من صغر سنها وحبها للحياة وإقبالها عليها اختارت أن تكون الهياكل العظمية بطلة لوحاتها، فتحيك بريشتها قصصاً مؤلمة، وحقائق ممزوجة بالخيال، من أجل أخذ العبرة والعظة لكل من يرى تلك اللوحات، ويفهم ما ترمي إليه تلك القصص الساكنة في قلب اللوحة وثناياها.
الفنانة التشكيلية الإماراتية ميسون آل صالح ابنة الثلاثة والعشرين ربيعاً فاجأت الكثيرين بحصولها على رخصة غوص من أجل أن ترسم لوحاتها تحت البحر، متحلية بروح المغامرة والتحدي ومتجاهلة ما قد يواجهها من مخاطر، لتكون بذلك أول إماراتية ترسم تحت الماء. بالإضافة إلى أنها حاصلة على بكالوريوس في هندسة الديكور من جامعة زايد وتكمل حالياً دراسة الماجستير في إدارة الأعمال.
اللحاق بالركب
عن بداية مشوارها الفني، تقول آل صالح “بدأت أرسم في سن مبكرة جدا، فعندما كنت طفلة في الروضة كانت المدرسة تقول لوالدي حين يأتي لاصطحابي إلى المنزل بأنني أفضل طفلة ترسم بين الأطفال، وفي ذلك إشارة إلى الموهبة التي بدأت تنبع بداياتها في تلك الفترة، وعندما كبرت كبر معي حسي الفني وصرت أعشق دفتر الرسم والألوان وأجد فيهما نفسي وعالمي، خصوصا أنني نشأت في بيئة حفزتني كثيرا على تطوير مهاراتي في الرسم وعلى تذوق الفن واستلهامه، وذلك من خلال والدي الذي يحترف التصوير الفوتوغرافي، ووالدتي التي تهوى تصميم الأزياء، وخالتي التي سبقتني إلى عالم الفن التشكيلي وبالتحديد الرسم، فليس غريبا أن ألحق بركبهم وأنا أعيش في أحضان عائلة تهوى الفن وتمارسه”.
وتضيف “عندما أنهيت مرحلة الثانوية العامة هممت بدخول الجامعة لأدرس هندسة الديكور ذاك التخصص الذي ينسجم مع ميولي، فخضعت وغيري من الطلبة والطالبات إلى فحوص طبية، كان من بينها صور الأشعة، فأوحت لي تلك الصور بفكرة جديدة غير مطروقة من قبل لأرسمها في لوحاتي، وهي صور الهياكل العظمية وفعلا شرعت في رسمها لتعبر عن قصص مأساوية عاشها أصحاب هذه الهياكل، وأروي من خلال ذلك كيف ماتوا وما اللحظات التي عاشوها قبل الموت وكانت سببا في وفاتهم كتعرضهم لحادث سير نتيجة السرعة الزائدة ونحو ذلك، أو قيامهم بحمية غذائية غير صحيحة سببت الأمراض ومن ثم الوفاة”.
جانب مشرق
أطلقت آل صالح على مجموعتها الأولى “الجانب المشرق من العظام”، وذلك لأنها أرادت أن توصل الفكرة الإيجابية المشرقة من رسمها لتلك العظام والتي تتجلى، كما أفادت، بأخذ العبرة والعظة من القصص الحزينة التي ترويها تلك اللوحات، والتي تمزج أيضا بين الحقيقة والخيال بأسلوب الفن السريالي المعروف.
وترد آل صالح على انتقاد المجتمع لها خصوصا أنها أقامت معرضين للوحاتها في دبي والشارقة، وذلك لكونها لا تزال في مقتبل العمر، وقد اختارت موضوع الموت أساسيا في لوحاتها، قائلة “من يفهم الفن التشكيلي ويتعمق في لوحاتي يفهم قصدي وبأنني لست متشائمة ولا حزينة، وبأنني أردت أن أعبر عن الموت الذي يفر منه الناس بطريقة جديدة هادفة لا تنسى، ففي لوحاتي أيقظت الأموات الذين ماتوا بحوادث أليمة من قبورهم وأعدتهم إلى الواقع ليقصوا للناس ما مروا به من أخطاء كانت سببا في فقدانهم للحياة”.
الأبيض والأسود
واستخدمت آل صالح ألوان الأكراليك المختلفة في لوحاتها كالبرتقالي والأخضر والبني والأصفر. وقماش الكانفس كخلفية وتعمدت أن تضيف ضربات بالفرشاة باللونين الأبيض والأسود والتي منحت لوحاتها نوعا من الصدقية، خاصة بعد تصوير تلك اللوحات صورا فوتوغرافية بالكاميرا فتبدو صورة اللوحة خالية من الألوان، وكأنها استخدمت اللونين الأبيض والأسود فقط ليضيف ذلك إلى لوحاتها ميزة جديدة، هذا إلى جانب لوحة “بانوراما دبي” التي كانت واحدة من لوحات هذه المجموعة والتي تميزت بكبر حجمها، وفكرتها التي تطرحها، حيث عبرت من خلالها عن المساواة بين المواطنين في دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرهم من الجنسيات الأخرى، وقد وقع عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي أثناء عرضها في معرض للفن التشكيلي في البستكية.
غواصو اللؤلؤ
لم تتخل آل صالح عن فكرة الهياكل العظمية في مجموعتها الجديدة التي رسمتها تحت الماء، والتي تستعد لإطلاقها في معرض خاص قريبا، حيث جسدت قصص الذين ماتوا غرقا نتيجة غرق السفن التي كانت تحملهم أو ماتوا بسبب سقوط الطائرة التي كانت تقلهم على متنها في لوحاتها على هيئة هياكل عظمية أيضا. إلى ذلك، توضح “استوحيت فكرة الرسم تحت الماء من غواصي اللؤلؤ في الدولة، وفكرت بالحياة التي لا نعرفها للأحياء البحرية التي تعيش تحت الماء وللكائنات التي ماتت تحت الماء ففكرت أن أرسم ذلك في لوحاتي، ولن أتمكن من ذلك إلا إذا غصت في أعماق البحر، وفعلا تدربت على الغوص، وحصلت على رخصة في ذلك، وبدأت أصطحب لوحاتي وألواني التي أعددتها خصيصا ضد الماء معي في أثناء غوصي في بحار الدولة المختلفة الموجودة في أكثر من إمارة، فأقوم برسم صور السفن والطائرات الغارقة وأتخيل الناس الذين كانوا على متنها وفارقوا الحياة فأمزج بين الخيال والواقع في اللوحة التي أرسمها تحت الماء”.
وتؤكد آل صالح الصعوبة الكبيرة والمخاطرة التي تتعرض لها أثناء رسمها تحت الماء، حيث تحتاج إلى الكثير من التوازن والقدرة على التحكم بجسدها وباللوحة والألوان، حيث تغطس لمسافة 14 متراً تحت الماء من أجل أن ترسم على لوحات صنعتها خصيصا لنفسها، بحيث قامت بعلاج قماش الكانفس بمواد خاصة تجعل منه مقاوما للماء وللحرارة، وكذلك الأمر مع الألوان التي تختلف عن أي ألوان أخرى فهي ضد الماء، وتسمى “كرايون”.


عوالم مجهولة
على الرغم من المتعة الكبيرة التي تشعر بها الفنانة ميسون آل صالح، وهي تغطس وترسم تحت الماء، وتغامر من أجل اكتشاف عوالم مجهولة والتعبير عنها بطريقة مميزة، تنسى نفسها، وهي في حالة تركيز عميق في اللوحة التي تريد أن تنجزها خلال الغطسة الأولى التي لا تتجاوز 40- 50 دقيقة، ومن ثم تخرج لتبقى 45 دقيقة أخرى فوق الماء، وتعاود الكرة للغطس من جديد لمدة زمنية لا تزيد على سابقتها.
وتحرص على حد وصفها على وجود المدربة معها أو إحدى محترفات الغطس لئلا تنسى نفسها والوقت أثناء انشغالها بالرسم فينفذ الأكسجين الذي تحمله على ظهرها وتتعرض لمكروه. وحول تعرضها لموقف صعب أثناء الغطس، ألمحت آل صالح إلى تعرضها إلى نفاد الأكسجين الذي تحمله على ظهرها ذات مرة، وهي تحت الماء مسافة 8 أمتار، ودخول الماء إلى أنبوب التنفس ما عرضها لخطر الاختناق لولا رحمة الله بها ومساعدة المدربة وإخراجها على الفور.