الاتحاد

دنيا

ناتاشا نيكلسون·· أعطني حظاً وارْمِني في سراييفو!

إعداد ـ هالة دروج:
آخر مرة تواجدت فيها ناتاشا نيكلسون في ذلك القبو الضيق المظلم كانت ما تزال فتاة صغيرة في التاسعة من العمر تعتريها مشاعر الخوف والذعر وهي تحاول أن تأوي إلى ملجأ آمن يحميها من قصف الصرب لسراييفو· كان المكان مظلما ورطبا، تحاول الشموع المضاءة فيه أن تبعث شيئا من الدفء في نفوس الأطفال الأيتام الذين كانوا يجتمعون على فرشات موضوعة تحت الطاولات·
وبعد أن بلغت عامها الحادي والعشرين تتذكر الصبية تلك اللحظات وتقول: 'كنت خائفة إلى أبعد حدود الخوف· وكنت أسمع باستمرار أصوات الأطفال وهم يبكون· فبدء القصف كان يعني أنه من الممكن أن نمضي ساعات وساعات في الظلام الحالك·'
عندما دخلت ناتاشا إلى القبو في دار بييليف للأيتام مؤخرا بدا المكان أصغر بكثير من الماضي إذ امتلأ بكل مستلزمات الغسيل والتنظيف· هناك استقبلتها فازيلا بثيابها البيضاء الطويلة استقبالا حارا· فقد كانت هذه السيدة تعمل في مطبخ دار الأيتام عندما كانت ناتاشا تقيم فيه· لكن الفتاة حظيت بفرصة الذهاب إلى إنجلترا بعيدا عن سراييفو التي كانت تمزقها الحرب قبل 12 عاما· تتذكر فازيلا أن ناتاشا، تلك الفتاة الداكنة العينين التي كانت من بين ركاب أول حافلة من الأطفال الذين تمكنوا من النجاة من ظروف الحرب في سراييفو· معظم هؤلاء الأطفال تولت أمرهم جمعية خيرية فرنسية وانتهى مصيرهم إلى المجهول في كل من إيطاليا وألمانيا· أما ناتاشا فقد عرفت قصتها في جميع أنحاء العالم لكونها وصلت إلى بريطانيا عن طريق عملية تهريب قام بها الصحفي مايكل نيكولسون، مراسل محطة آي تي ان، وتبناها بعد ذلك لتكون في رعايته ورعاية زوجته ديانا·
عادت ناتاشا مؤخرا إلى بريطانيا بعد أن قامت برحلة خاصة إلى مسقط رأسها استمرت لمدة خمسة أسابيع· وهذه هي المرة الأولى التي تعود فيها الفتاة إلى سراييفو بعد أن غادرتها هربا من الحرب· كانت ناتاشا خلال تلك الزيارة تمضي النهار في اللهو واللعب مع الأطفال الذين يقيمون في المكان الذي تركتها فيه والدتها وهي لم تتجاوز شهرها الخامس من العمر· وفي الأوقات الأخرى كانت تخرج لتستكشف المدينة التي لم تعرفها أبدا وهي طفلة في محاولة للعثور على أجزاء تائهة من ماضيها، وإيجاد إجابات لكثير من الأسئلة التي تلاحقها حول مكان ولادتها، والأسباب التي دعت أمها لهجرها، ومصير أصدقائها، وان كانت الأم ما تزال على قيد الحياة·
رحلة عبر الزمن
عندما رأت دار الأيتام لأول مرة قالت ناتاشا: 'انه أشبه بالسفر في رحلة إلى الماضي· هناك الكثير من الأشياء التي ما تزال على ما كانت عليه· هذا القبو والبهو الخارجي الذي يعيد إليَّ صور الحرب والدماء، ويذكرني بشظايا القصف التي كانت تسقط فوقه· أتذكر تماما كيف أصيب طفل بطلقة في كتفه واثنين آخرين بعيارات في الساقين بينما كانوا يلعبون في البهو·'
في كتابه 'قصة ناتاشا' يصف مايكل نيكولسون كيف كان يعمل كمراسل ينقل أحداث الحرب في سراييفو عندما عثر على ناتاشا بين ما يزيد عن 200 طفل كانوا يعيشون في مكان غير آمن في ضواحي سراييفو على مقربة من قوات الصرب المتقدمة· وقد تعرض المأوى لقصف القنابل والمدافع والبنادق الآلية مما أدى إلى مقتل أربعة من الأطفال فيه· قام مايكل بلقاء عدد من الأطفال، ولفتت ناتاشا نظره بذكائها وفطنتها· وانتابته مشاعر الغضب للوضع المزري هناك فكان أن ناضل من أجل إجلاء الصغار عن المكان· وعندما قرأ لائحة أسماء الدفعة الأولى لم يكن اسم ناتاشا مدرجا فيها· لذلك قرر أن يساعدها على التسلل إلى الحافلة، ثم عرض نفسه للسجن بسبب إدراجها على جواز سفره بوصفها ابنته ليتمكن من إحضارها إلى إنجلترا· وبالرغم من معارضة السلطات البوسنية وانتقاد الكثيرين له بسبب قيامه بإبعاد طفلة عن وطنها، نجح مايكل أخيرا في تبنيها بشكل رسمي· تلقت ناتاشا تعليمها في المدارس الحكومية القريبة من مقر إقامتها، وحصلت على شهادة في الرياضة من جامعة باث· وهي تأمل في أن تعمل كمدربة لكرة التنس، ولا سيما للأطفال·
لكن بالرغم من الارتياح الذي تظهره ناتاشا تجاه الحياة في بريطانيا، إلا أنها ما تزال تشعر بحاجة ملحة للبحث عن جذورها إذ تقول: 'عندما كنت صغيرة أردت أن أنسى الماضي· ولكن كلما كبرت أشعر أن هناك الكثير مما ينبغي أن أعرفه·'
لطالما كانت تكره أن يوجه لها السؤال التقليدي الذي يطرح من أجل التعارف على الآخرين والذي غالبا ما يأتي بصيغة: 'أخبرينا عن نفسك'، وذلك لأنها لا تعرف الكثير عن نفسها· لكنها الآن عادت إلى بريطانيا وهي تحمل معلومات أكثر عن ماضيها حيث قابلت في زيارتها لسراييفو أصدقاء قدامى، وبحثت في الملفات القديمة مما جعلها تشعر بالسعادة والرضى الحقيقيين لأول مرة في حياتها·
وداعاً للحيرة
تقول ناتاشا أن تجربة العودة إلى ملجأ بييليف الذي شهد ذكريات حياتها في السنوات التسع الأولى أثارت فيها الكثير من العواطف· وكانت كثيرا ما تجهد لاخفاء دموعها عندما كان أصدقاؤها يروون لها قصص حياتها معهم في ذلك المكان· لكنها تعلمت الكثير وأصبح بإمكانها الآن الإجابة على الكثير من الأسئلة التي وقفت حائرة أمامها لأكثر من 12 عاما·
فقد قرأت ناتاشا اسمها الصحيح، وتاريخ ومكان الولادة تماما كما ذكرت في شهادة الميلاد التي اطلعت عليها في دار الأيتام· كما علمت من ملفها أنها ولدت في إطار حياة زوجية، وهجرت من قبل أمها لأسباب غير معروفة· لكن لم يكن هناك وسيلة اتصال بأي من الأقارب· كما أشارت تقارير المدرسة إلى شخصية ناتاشا على أنها حلوة الطباع، خجولة، مجدة ورياضية·
نشأت بين ناتاشا والأطفال المقيمين في دار الأيتام، ولا سيما من ذوي الاحتياجات الخاصة، علاقة متينة· فالجميع توقعوا منها أن تتذكر اللغة البوسنية، لكنها لم تستطع أن تحفظ أكثر من ثلاث كلمات· كما اندهشت الفتاة من الأجواء الحميمية التي تسود بين الأطفال في ساحة اللعب وهي أجواء مختلفة تماما عن تلك التي كانت سائدة في طفولتها إذ تقول: 'في الماضي كان المكان يتسم بالبرودة حيث كنا نترك بمفردنا· أما الآن فالأطفال يلقون الرعاية والحنان من المشرفين عليهم·'
اتصلت ناتاشا أثناء زيارتها لسراييفو بالمحامي الذي ساعد والدها في عملية التبني، وعلمت أن والدتها حاولت الاتصال بها منذ حوالي عام ونصف· لكن الأمر لم يحرك عاطفة الابنة التي ما تزال غاضبة من أمها، وغير قادرة على إيجاد عذر يبرر هجرها لها وإهمالها، لذلك لم تحاول الاتصال بها· تقول ناتاشا: 'كنت في أعماق نفسي أشعر برغبة في لقائها، لكنني لم أكن مستعدة لذلك·'
بعد عودتها من سراييفو أخبرت ناتاشا والداها بالتبني وأخويها توم ووليام بكل الحقائق التي تمكنت من الحصول عليها حول تاريخ طفولتها· تقول الفتاة: 'من قبل كان والدي هو الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يخبرني عن الماضي· أما الأن فأستطيع أن أخبره أشياء لا يعرفها عني· لقد جعلتني هذه الزيارة إلى موطني الأصلي أعرف تماما قيمة الحياة التي أعيشها الآن في بريطانيا· كما أنها تثير في نفسي التساؤلات عن المصير الذي كنت سألقاه لو لم يحضرني والدي معه، ولو لم يكن هو الذي رباني· فمن المؤكد أنني كنت سأجد صعوبة في الحصول على عمل بعد قضاء سنوات عديدة في دار الأيتام· وكان من المحتمل أن أنجرف إلى عالم الرذيلة· لكنني على العكس تماما أنعم بحياة هانئة مع عائلتي في إنجلترا· لقد كنت محظوظة إلى أبعد الحدود وأشعر في كل لحظة بالرغبة في أن أقول لوالدي أنه قام بعمل نبيل جدا·'
زيارة ناتاشا حملت المسؤولين عن دار الأيتام على دعوتها للقيام بزيارة ثانية في العام القادم من أجل المساعدة في تدريب الأطفال على رياضة التنس· وقد أبدت هي بدورها دعمها المطلق للملجأ الذي أعيد بناؤه من جديد من قبل جمعية خيرية بريطانية تدعى (هوب آند هومز فور تشيلدرن)· ويذكر أن هذه الجمعية ترعى ما يزيد عن 7 آلاف طفل في كل من أوروبا الشرقية وأفريقيا ممن يعانون من فقدان أو هجر الوالدين نتيجة للحروب أو الكوارث· وتسعى الجمعية أيضا لتأمين كل من هؤلاء الأطفال مع عائلة، وتعلق ناتاشا على هذا الأمر بقولها: 'أكثر ما يحتاجه كل طفل يعيش في دار أيتام هو أن يعيش في أجواء عائلية·'

اقرأ أيضا