خمس سنوات مرت على رحيل الشاعر الفلسطيني والكوني محمود درويش (13 مارس 1941 - 9 أغسطس 2008). هذا الشاعر الذي كان صديقاً للمغرب ولعدد كبير من النقاد والشعراء المغاربة، وغيابه ترك صمتاً مُهولاً في قلوب من صادقهم وأحبّوه وأحبهم وجالسهم وجالسوه، وترك في قلوبهم نبض القصيدة وشعاعها السحري. ومعروف عن الراحل محمود درويش أنه يُحب المغرب، وكانت تربطه علاقة سحرية بمسرح محمد الخامس في الرباط هذا المسرح الذي قال عنه ذات يوم: “إن هذا المسرح من أجمل الأمكنة التي أقرأ فيها شعري حتى ولو كانت خالية من السكان. وبالتالي، لا أستطيع أن أقول إن الناس في هذه القاعة هم جمهور، إنهم مؤلفون مشاركون في عملية تحويل العلاقة بين القصيدة والقارئ إلى طقس. ما يحدث معي دائماً في هذه القاعة هو نوع من الاحتفالية، أنا أحتفي بالجمهور، والجمهور يحتفي بي، وبالتالي، يساعدني الجمهور على أن أؤلف القصيدة تأليفاً مختلفاً من كتابتها. إذن عندما ألتقي بجمهور مسرح محمد الخامس، لا أشعر بأنني أقرأ نصاً شعرياً مكتوباً، بل أشعر بأنني، أنا والناس، نعيد إنتاج وكتابة هذا النص بشكل احتفالي أو مسرحي”. محمد نجيم في هذا الملف نستحضر روح صاحب “أثر الفراشة” و”لماذا تركت الحصان وحيداً” و”مديح الظل العالي” و”كزهر اللوز وأبعد”، و”عاشق من فلسطين”، و”لاعب النرد”. ونجالس بعض أصدقاء محمود درويش في المغرب ليدلوا لنا بشهادات نادرة في حق هذا الفقيد و”العَلامة الفارقة” في الشعر العربي. هو السبب يقول الشاعر والناقد المغربي الدكتور عبدالسلام المساوي: لا يمكن لشاعر عربي من جيلنا أو من الجيل الذي سبقنا إلا أن يقر بالدور الكبير الذي لعبه شاعران في حياته، وهما: نزار قباني ومحمود درويش. فهذان المبدعان الكبيران حببا إلي الشعر وحفزاني على الإقبال عليه قراءة وكتابة. ويضيف المساوي: ما أزال أذكر إلى الآن النشوة التي أحسست بها، وأنا اقرأ قصيدتي محمود درويش الشهيرتين: “أحمد الزعتر” و”سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا”.. قصيدتان تعطيانك من المعنى الإيديولوجي حتى تشبع، وتعطيانك من الإحساس بجماليات الإبداع ما لا تستطيع أن تستقصيه. أشهد أنني أحببت الشعر وكتبته بسبب من محمود درويش.. ولذلك حين فكرت في إنجاز أطروحة دكتوراه الدولة عن الموت في الشعر العربي المعاصر كان محمود أول الشعراء الذين انتدبتهم لتمثيل الشعراء في هذه الموضوعة، وفيما بعد خصصته بكتاب مستقل هو “جماليات الموت في شعر محمود درويش” الصادر عن دار الساقي ببيروت، سنة 2009. كان لي حظ اللقاء محمود درويش مرتين؛ الأولى عندما نظمنا له في مكتب فاس لاتحاد كتاب المغرب أمسية شعرية حاشدة، فاضت فيها جنبات القاعة الكبرى لعمالة فاس بمحبي شعره.. كان ذلك عام 1995، ولكنني ظللت بعيداً عنه كفراشة تخشى الاحتراق إن هي اقتربت من المصباح.. واكتفيت منه بمصافحة عابرة. أما في المرة الثانية، فقد كان لقاءً حقيقياً مكنني من الانفراد به والحديث إليه لوقتٍ كافٍ. كان ذلك بالقاهرة سنة 2003 عندما شاركنا معاً في إحياء الذكرى العشرين لرحيل الشاعر أمل دُنقُل؛ حيث قضينا أسبوعاً كاملاً في فندق واحد.. وأذكر أنني حدثته عن مشروعي في الكتابة عنه، وكنت بصدد وضع اللمسات الأخيرة عليه. وسألني عن الموضوع، ولما أخبرته به قال لي: أحب مقاربة الشعر من جانب الموضوع والدلالات، وأكره تحويل القصائد إلى معادلات رياضية ورسوم بيانية بلا روح، ولذلك سأكون سعيداً بقراءة عملك عن الموت عندما تنشره. ولم يُكتب له أن يقرأه، فقد سبقت حقيقة الموت إلى جسده، وبقيت رمزية الموت يتيمةً في كتابي.. فليرحمه الله. أما الناقد والمترجم المغربي الدكتور بنعيسى بوحمالة، فيقول في شهادته: كان تعرّفي إلى الشاعر الراحل محمود درويش، أوّلاً، من خلال ديوانيه المبكّرين “أوراق الزيتون” و”عاشق من فلسطين”، وثانياً بفضل الكتاب النقدي المائز، إن لم أقل الاستثنائي، “محمود درويش شاعر الأرض المحتلة” للناقد المصري الراحل رجاء النقاش، وهو الكتاب الذي سيلعب دوراً فاعلاً في بلورة شهرة محمود درويش وذيوعه في العالم العربي، وبالتالي في انتباه المثقفين والقرّاء العرب إلى ثلّة من الشعراء الفلسطينيين الشبان، كسميح القاسم و توفيق زياد.. الذين التصقوا بأرضهم الأمّ وصمّموا على الدفاع عن هويتهم الوطنية وتأجيج آمال شعبهم من داخل فلسطين المغتصبة. حقّاً سيحدث أن تضيع مني فرصة لقائه مباشرة إثر زيارته الأولى للمغرب، مطلع سبعينيات القرن المنصرم، وكان ساعتها قد خرج من وطنه في اتجاه موسكو ثم القاهرة، بيد أني سأعمل، مواظباً، على متابعة إصداراته الشعرية المتلاحقة، مثل: “آخر الليل”، “العصافير تموت في الجليل”، “حبيبتي تنهض من نومها”، “أحبّك أو لا أحبّك”، “محاولة رقم 7”، “تلك صورتها وهذا انتحار العاشق”، “أعراس”.. ريثما تتأتّى زيارته الموالية للمغرب، وتحديدا لمدينة مكناس التي احتضنت آنذاك فعاليات ندوة القصة العربية القصيرة التي نظّمها اتحاد كتاب المغرب، في بداية الثمانينيات، ليقدّم قراءة طقوسية مذهلة لقصيدته الملحمية “مديح الظل العالي” التي كان قد كتبها عقب خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان. بعدها ستتواتر لقاءاتي به، سواء ضمن الندوة التكريميّة التي أقامها له اتحاد كتاب المغرب، ضمن فقرات المهرجان الثقافي والفني الدولي للرباط عام 2000، وحضرها هو شخصياً، بحيث ساهمت بدراسة عن تجربته الشعرية منحتها عنوان “أيّة أرض.. لأيّة قصيدة” وسعيت عبرها إلى معالجة موضوع عودته إلى فلسطين بعد مرور سنوات على اتفاقية أوسلو، أو عند مجيئه، لمرة أخرى، إلى الرباط، عام 2003، ليقرأ شعره، رفقة شعراء عرب آخرين، منهم سعدي يوسف ومحمد عفيفي مطر ومحمد بنيس ونزيه أبو عفش وعبد اللطيف اللعبي والمنصف الوهايبي وغسان زقطان بمناسبة اختيار الرباط عاصمة للثقافة العربية. إن قراءاته الشعرية شكّلت دوماً حدثاً ثقافياً وإعلامياً كبيراً، إذ كان مسرح محمد الخامس بالرباط يغصّ عن آخره بجمهور واسع يجمع بين النّخبة الثقافية والطلبة ورجال السياسة والنّقابيين والإعلاميين وممثلي السلك الدبلوماسي وعموم الناس... جمهور يجد نفسه أمام شاعر بقدر ما يقرأ شعره بمهارة وحرفيّة عاليتين لا يتنازل، في المقابل، عن المشترطات الجمالية والتخييلية والرؤيوية الصارمة لقصيدته. أفليس هو من قال، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكان قد تبرّم ساعتها من المجاملة المفرطة التي يتعاطى بها الرأي العام الثقافي والإيديولوجي، باسم نبل القضية الفلسطينية وأولويّتها، مع الشعر الفلسطيني “أنقذونا من هذا الحبّ القاسي”، بمعنى عاملونا كشعراء، أوّلاً، وكفلسطينيين، ثانياً. ولتقديره للمغرب، وثقته في مثقفيه وقرّائه، سينشر، على سبيل التمثيل، ديوانين من أهمّ دواوينه، ألا وهما “ورد أقلّ” و”أحد عشر كوكبا”، لدى دار توبقال المغربية التي يديرها الشاعر المغربي محمد بنيس. أمّا قراءتنا نحن لشعره فتضعنا، للتّو، في صلب مشروع شعري لافت يمتلك صاحبه ما يكفي من الكاريزما الثقافية والذكاء والتمثّل المتأنق للوجود، زائد جرعة مستحقة من تراجيديا شعبه، الشيء الذي سيمنحه مكانة نادرة في الشعر العربي المعاصر. فعلى يديه ستدرك لا القصيدة العربية الراهنة ولا اللغة العربية، في حدّ ذاتها، درجة من العمق والجمال.. الشّفوف والمرونة.. الحيويّة والتعبيرية.. وذلك دفعة واحدة، ممّا لم يتحقّق مع أيّ شاعر عربي معاصر آخر، وهو ما تتكشّف عنه، بخاصة، أعماله الشعرية المتأخرة، مثل “مأساة النرجس وملهاة الفضة”، “أرى ما أريد”، “سرير الغريبة”، “جدارية”، “حالة حصار”، “لا تعتذر عمّا فعلت”.. من هنا، إذن، قوة انتشار شعره ليس في العالم العربي لوحده بل وفي بقاع أخرى كثيرة من العالم، بحيث سيترجم شعره إلى أكثر من ثلاثين لغة. وفي هذا الصدد، وباقتراح من صديقي الشاعر البلجيكي جيرمان دروغنبرودت، سنتعاون معا على ترجمة ديوانه “ورد أقلّ” وقصائد بعينها من ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيداً” إلى اللغة الهولاندية (صدرت في كتاب أنيق عن دار لينيك عام 2005) عاملاً، في هذا الإطار، على كتابة مقدّمة موسّعة أبنت فيها عن خواصّ شعريّة محمود درويش، لغة وموضوعات ومجازات ورؤيات، وكذا عن تمفصلاتها الأساسية وتحوّلاتها الفارقة. وبالمناسبة، ولكونه منفتحا على الثقافة العربية ومتعاطفا مع رموزها، فلسوف لن يتلكّأ هذا الشاعر الصديق، ولو لبرهة، عن تفعيل نداء مهرجان برلين الأدبي الداعي إلى إقامة أنشطة شعرية وفنّية في مختلف أنحاء العالم احتفاء بشخص محمود درويش وشعره. فبمجرد ما وافيته بنص النداء، الذي كان قد أمدّني به الصديق الشاعر البحريني قاسم حداد، حتى سارع إلى مراسلة أصدقائه هنا وهناك.. من المكسيك إلى تايوان مرورا بليتوانيا.. مدعّماً، هكذا، تلك البادرة الرمزية المعبّرة التي استجاب لها ما يربو على أربعين بلداً يوم خامس أكتوبر 2008 فأثمرت قراءات شعرية وندوات وعروضاً موسيقية ومسرحية وكوريغرافية كانت بمثابة تراتيل استذكار، بل استرحام، كونية مهداة إلى روح عاشق فلسطين وسادنها الذي لا يتكرّر. تعاقد ثقافي أما الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري، فيقول: في المغرب، كان لقصيدة محمود درويش تاريخٌ به كانت تتجدّد علاقة القارئ المغربي بشعره، وهو ما أرسى تعاقداً ثقافيّاً وجماليّاً بينهما كانت تترجمه الأمسيات الجماهيرية الحاشدة التي أحياها الشاعر خلال السنوات الماضية في البلد، وحرّر كثيراً من قصائده الجديدة في هوائها. وأذكر أنّه، في أواخر التسعينيات، كم كان محمود درويش، حتى في لحظة مرضه وإعيائه، يطير من الصّفاء وهو يُنْشد قصيدته التراجيدية المطوّلة “جداريّة” لأوّل مرة، وبالصفاء نفسه يواسيه جمهوره بمسرح محمد الخامس حتّى عُوفي. وقد احتفظت لنا ذاكرة الشاعر النصّية، بأريحيّتها الخاصة، وجوهاً وطيوباً وأيقوناتٍ وروائح مغربيّة اِلتقطها غناؤُه في طريقه إلي تغريبتِنا، بما في ذلك “شبابٌ مغاربةٌ يلعبون الكرة”. وبالقدر نفسه، تحتفظ لنا الجامعة المغربيّة ببحوث وأطاريح قيّمة أنجزها باحثون مغاربة عن شعر درويش وتجربته المتوتّرة بين السياسي والشعري على مدار سنواتٍ، بمناهج نقديّة لا تأسر أغلبها شخصيّته القالبية. إلى ذلك، تحتفظ لنا شوارع عريضة في مدن مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وتطوان ووجدة وأغادير والجديدة بذكرياتٍ من مظاهرات عارمة وعامرة بالحبّ خرج فيها النّاس متضامنين مع قضيّة فلسطين التي اكْتشف معظمهم جراحاتِها من شعر الشاعر أكثر من أدبيّات السياسة والنّضال المباشر، ومن خلاله تماهتْ ذائقتهم مع القضيّة بوصفها قضيّتهم الإنسانيّة، بمنأى عن كلّ أيديولوجيا أو مناورة. ويضيف الوراري: لا يختلف الدّارسون في أنّ ديوان “ورد أقل” يؤرّخ لواحدٍ من أهمّ التحوُّلات الّتي اجتازتّها شعريّة درويش، وذلك عندما شرع في فهمٍ عميقٍ لمعنى أن تُقيم غِنائيّته الجديدة علي حوافّ الأسطورة الّتي حرّرتها من ثقل الحادثة وضغطها السياسي والتّاريخي، ووضعت مأساة الوجود الفلسطيني في بؤرة الحياة الدّاخلية للشاعر. ذلك الدّيوان خرج إلي النّاس من المغرب أواسط الثمانينيّات، مازِجاً بين دَمٍ وحِبْرٍ أخوَيْن. ولكم كان طريفاً أنّك إذا سألت الناس في الشارع، بمن فيهم طلاب الثّانوية والجامعة، عن أهمّ شعراء المغرب، فإنّهم يذكرون لك اثنيْن، هما: محمد الحلوي الشاعر الذي سكن الكتاب المدرسي لعقود خلتْ، ومحمود درويش الذي يحسبون مسقط رأسه ناحية البحر، ومنه تعلّم الإيقاع، وأخذ الأسطورة. اِرتبط تاريخ قراءتي للشّعر باكتشاف شعر محمود درويش نفسه، في أواخر الثمانينيات. كان التعرُّف إلى محمود درويش في بدايات كتابتي الشعرية ضروريّاً، لأنّ شاعراً مثله كان لا يتوانى عن أن يحفر في جماليّات اللغة العربية، ويصرّ علي الإيقاع العابر للأزمنة، وينذر قصيدته للذاتي بقدر ما للجمعيّ، ولا يفصل كتابته عن الأخلاقيات والتاريخ. كان لشعره على وجداني ووعيي أثرُ الصّعق. ولا أنسى أن تجربته الشعرية بظلالها وأبعادها كان كثيرٌ من أبناء جيلي وقع في أسرها، وقليلُ منهم استطاع أن ينفكّ عنها فيما بعد؛ وأمّا من وقع في أسر ترجمات الشّعر واستغرقه “النَثْريات” الباردة التي لا ماء فيها فقد كان ينظر إلى شعره من خارج. تعلّمْتُ من محمود درويش الدّربة علي البناء الذي يعبره الإيقاع، والقدرة علي الإصغاء إلى حركة المعني في اللّغة، وبذل الجهد الفنّي الذي لا يبخس الموهبة، والمعرفة بالشّعر كصفة لا كماهية، واقتناص الشّعرية المتناثرة في حياتنا اليوميّة، مثلما تعلّمت منه فضيلة القلق المثمر الّذي يحمي العميق والجوهري، ولا يستسلم للمجمع عليه وفرقعات الموضة. ولا أزال، إلى اليوم، أتعلّم منه وأصغي إليه. الشريان واللسان أما الشاعر والكاتب والناقد المغربي إبراهيم الحجري، فيقول: يشكل الشاعر محمود درويش وحده مدرسة شعرية لها أركانها ومسوغاتها وبنياتها الشعرية. شاعر أفرزته قضية فصار لها الدم والشريان واللسان الناطق. شاعر ليس من السهل تكرره، لذلك فقد شكل رحيله خسارة مزدوجة أولاً للقضية العربية الفلسطينية، وثانياً للشعرية العربية الحداثية؛ لأنه كان عصبها النابض بالحيوية والتجديد. لقد ظهر شعراء كثر بعده صنعتهم قضايا مختلفة، وكرسوا جهودهم لرسم مساراتهم الشخصية وحفر طرقهم السالكة، لكنهم بقوا مجرد نجوم تحلق حول قمر يستعصي على النسيان. ترك تراثاً شعرياً كبيراً، ما يزال في حاجة إلى الدراسة والبحث، بالرغم مما أنجز حوله من أعمال قيمة. ومع الرحيل المادي للشاعر كبر حضوره المعنوي من خلال السجال الذي يدور يومياً حول تركته الفذة. ومن خلال امتداد صوته في ظهور أجيال جديدة تستلهم تجربته ونصوصه وتتناص مع تراثه الشعري. وبالجملة محمود درويش شاعر أسطورة صنعته القضية الفلسطينية وصنعها، وسيظل رمزها الخالد. ورغم مرور الزمن وتجدد الأجيال، لن يدول اسم محمود درويش. غموض الأمكنة أما الشاعر المغربي محمود عبدالغني، فقول: كنا نعرف أن محمود درويش هو شاعر يجيء من كل الأمكنة، من كل البلدان. كنا نعرف أنه يقيم في عمّان. في ذلك البيت الذي نقلته وسائل الإعلام. لكن كنا نجده يجيء من اتجاهات كثيرة. من المسؤول عن هذا الإحساس الغامض؟ إنها قصيدته، طليعيته، حداثته، هذا المصطلح الذي ربما أكثر المصطلحات غياباً في مصطلحيته. وعندما يقف على منصات القراءة كنا نرى بوضوح أن “الإنسانية تنقسم إلى صنفين: الشعراء والآخرون” حسب تعبير المفكر البرتغالي أورتيغا إيغاسي. وهي مقولة تتصادى مع فكرة طرد أفلاطون للشعراء من المدينة. لذلك عندما ينشد محمود درويش شعره في مدننا نشعر أنه رفيق لكل الشعراء، لفيكتور هيغو الذي يرى أن الشعر يضيء الإنسانية ويقودها في الليل. لمالارمي الذي كان يعطي معنى جديد للكلمة التي هي وحدها القادرة على كشف المعنى الأورفيوسي المحجوب. لكن حالة محمود درويش استثنايئة، لا يجاريها في هذا الاستثناء سوى حالة أوكثافيو باث، وبابلو نيرودا، وغابرييلا ميسترال، وإدغار ألن بو القائل بأن الأصالة الشعرية لا تتكون فقط من خلال القصائد. لكننا كنا نحار كيف نجيب عن هذه الأسئلة: كيف كتب محمود درويش هذه القصيدة؟ كيف أتقن إلقاءها أمام الناس؟ لا نجد أفضل من جواب إدغار ألان بو:”لا بد لكل شيء، في قصيدة مثلما في رواية، في مقطوعة مثلما في قصة قصيرة، أن يسهم في الحل. فالكاتب الجيد هو الذي يكون، مسبقا، في ذهنه السطر الأخير عندما يكتب الأول”. مثل هذا المنهج العجيب نجده عند محمود درويش. فما أن يكتب، أو يلقي، السطر الأول، حتى نتبيّن السطر الأخير. فكنا نتابعه، قراءة وإنصاتاً، وهو ذاهب إلى ذلك السطر النهائي، السطر الحدّ. لنتابع مثلاً كيف كان أبو عمار (ياسر عرفات) ينصت إليه رفقة العديد من القيادات الفلسطينية، وهو يلقي شعره مستغرقاً في تلك الرحلة الممتعة والعجيبة بين السطر الأول والأخير. كان أبو عمار مستغرقا في الإنصات إلى “الحل”، حسب مفهوم إدغار ألان بو. ولنتأمل كيف كان الفيلسوف جاك ديريدا ينصت إليه وهو يقرأ في باريس. وتلك كانت وضعية كل الجالسين أمامه وهو ينشد، أو الذين يقرؤون شعره في كتاب. لكن السؤال هو كيف كان يختار محمود درويش قصائده التي يلقيها أمام الجمهور؟ هل هو معيار الاختيار نفسه في عمّان أو بيروت أو الرباط أو القاهرة أو دمشق أو باريس أو لندن أو تونس أو الجزائر؟ لا لم يكن يختار قصائد وفق معيار واحد. كان يطلع الناس على فلسطين والشعر بشكل دائم من خلال حالات نفسية وعقلية مختلفة. كان في الرباط يقرأ من قصائده المعروفة، ثم يعود إلى قصيدة من بداياته، ثم يقرأ قصيدة عن الموت، ثم أخرى عن وطنه، ثم أخرى عن الحب، ثم أخرى عن المعنى، وذلك أمر مسموح به دائما لعبقري مثله، شيء من الخداع لزعزعة المعاني والدلالات. وذلك كان يناسبه. فقصيدة فريدة من بين قصائد أقل فرادة، هي التي تجعل الإنسان يبصر اللانهائي الذي ينعم محمود فيه الآن. الوجه الجسد أما الشاعر المغربي بوجمعة العوفي، فقول في شهادته: أيقونة الشاعر أو مديح الوجه العالي ليست تجربة درويش الحياتية، ومساراته المضنية والفرحانة أيضاً ـ في ليل الكتابة ـ أمراً مستحيلاً أو مستعصياً على القبض. إذ تعمل العديد من الرؤى والمقاربات ـ في ارتباكات النقد العربي خصوصاً أو “قصوره” ـ على تشهيق ظل الرجل عمدا كي تسقط وجهه الطفولي في الاستحالة والعدم. ومن المؤكد أيضاً أن كل القراءات التي أنجزت حول درويش، هنا وهناك، لم ولن تستنفذ أبداً ممكنها التعبيري والجمالي في تجربة هذا الشاعر. ولم تتبين بعد لممكن هذه القراءات بما يكفي من القرب والضوء والعمق الكثير من الملامح الخاصة لوجه درويش العالق والمتألق في الغياب كذلك. مازالت تجربته الكبرى في الكتابة والحياة في أمس الحاجة إلى أشكال وصيغ أخرى من الحفر والتقصي والمحاورة. ليس بمبضع النقد المهووس بالمعنى، والباحث أيضاً عن وجه الالتزام والقضية لدرويش فقط. بل بالممكن الإنساني والجمالي لو يصح القول؟ هذا الممكن الذي يتماهى أيضاً، جمالياً، بوجه الشاعر وصورته الماثلة للعين وللضوء. مطمح هذه التحويمة الخفيفة مهووس بالدلالة أكثر من هوسه بالمعنى. لكن ليس بصوت درويش المقروء والمسموع ومحموله، بل بالدليل أو السند البصري للوجه الذي جعل الصوت والقصيدة الدرويشية «تَنْوجد». الغاية، هنا، هي أن أقترب قليلا من صورة الشاعر، وأحدق بالكثير من الأسئلة والدهشة والاحتمال كذلك، مادام درويش نفسه رجل الاحتمالات بامتياز، في وجه درويش الممنوح للبصر، للفن وللفوتوغرافيا تحديداً. هذا الوجه الذي أصبح (خصوصاً في الغياب) مثل صاحبه، في الصورة الضوئية أيقونة وعلامة فارقة تشير بالكثير من الدهشة إلى الشبيه. ليست هذه المحاولة تطبيقاً صارماً لدرس السيميولوجيا في تقعيد الدلالة أو إثباتها في المنطوق البصري لوجه الشاعر، بقدر ما هي استقصاء لما يمكن أن يعنيه حضور الشاعر في الصورة، خصوصاً أن درويش رجل الصورة بامتياز: الذهني منها والمرئي. رجل بحضور فيزيقي خاص وجاذبية تزيد من تضعيف أشكال حضوره الأخرى: في النص، في القراءة وفي لحظة ارتطام جسد الشاعر ووجه بمتلقيه. الصورة هنا (صورة الشاعر) إبدال آخر لتجربته الغنية والمفعمة بالوسامة والفرح والشرود والتقاسيم التي عمق الألم أخاديدها في المرحلة الناضجة من العمر. إذ يؤسس الوجه الباذخ لدرويش في الصورة ــ كما جسده الذي يشبه قشة في مهب الريح ــ لجمالية خاصة تستحق التوقف والقراءة. في هذه التحويمة ما يشبه نصاً موازياً أو مصاحباً لصورة درويش ووجهه، أو هويته البصرية تحديداً. ولو أن الوجه وحده ليس بالضرورة كافياً للتأشير إلى هوية ما. للجسد أيضاً (جسد الشاعر) دوره في صنع هويته. والهوية “إبداع صاحبها، لا وراثة ماض” على حد قول درويش نفسه في آخر المطاف. ووجه درويش في حد ذاته قصيدة بصرية. ضاجة بالمعاني والانزياحات. عمل الشاعر بالكثير من الذوق والوعي والعشق والمكابدة على نحت ملامحه وظلاله اليانعة، ليصبح دالا ومدلولاً، علامة ومؤشراً في نفس الوقت. رمزا لقضية ولشعب بأكمله. شامخ مثل سروة وجميل مثل زهرة غاردينيا. ما الفرق إذن، أو ما العلاقة بالأحرى، بين صورة درويش وقصيدته؟ وما معنى أن يتحول وجه درويش إلى دليل بصري يقود إليه؟ كيف يحضر درويش ـ أو بالأحرى ـ كيف يرتب حضور وجهه وجسده في الصورة وفي العين؟ ماذا استطاعت عين الفوتوغرافي أو الكاميرا التقاطه والقبض عليه في وجه هذا الشاعر الذي يكفي أن ترى صورته لتتذكر قصائده وملحمة أو تراجيديا شعب بأكمله؟ ثم ألا يكون درويش ـ بهذا المعنى ـ هو الشاعر العربي الوحيد الذي تسمع قصائده بالعين؟ هذه أيضاً واحدة من فضائل الصورة أو معجزاتها. إذ استطاع هذا الشاعر أن يجعل صوته وصورته غير منفصلين بتاتا. أي بمعنى أنك حتى حين تسمعه ـ ولو من غير مشاهدة ـ فلا مناص لك من استحضار وجهه وصورته ذات الدلالات أو الرسائل القوية: جاذبيته، وسامته، أناقته، ابتسامته، حزنه، نخوته، شروده، ذكاؤه، دلاله الخاص، نرجسيته، بساطته، تعاليه أو استعلاؤه الجميل الذي يشبه نشوة العظماء، سهوه، قسماته، أساريره، عينه الصقرية ونظرته المسهبة، الساهية، الثاقبة، المتشهية، العاشقة، المشرعة على الحب والأرض والمتعة والألم والنشيد خلف النظارات التي لم تغير تقليعات الحداثة والموضة من شكلها سوى بشكل طفيف. كيف يحضر درويش في وجهه؟ وليس في صورته إن صح القول؟ هل هو الذي صنع بمكره الجميل وبوعي مسبق منه هذه الصورة كي نمجدها بعد رحيله، أم نحن الذين نتوهم أو نصر على أن يكون وجه درويش في الصورة أثرا فنيا وإنسانيا بهذه القيمة، وفقط داخل تبجيل العين والقصيدة التي شيدت لهذا الوجه ـ كما التراجيديا المعاصرة لأرض فلسطين العزيزة والسليبة ـ دلالته الباذخة ورسخت سطوته في النظر؟ هذه أيضاً كانت رؤية درويش المشبعة عينه وروحه بضوء الحضارات المشمسة والفارهة. وقبل أن يغادر أو “يطلق نظرته الأخيرة” على الأصح. كان قد قال فيما يشبه التأكيد لصورته ولوجه “نرسيس” الجميل في الماء وفي القصيدة: “كن نرجسيا إذا لزم الأمر”. وقال أيضاً: “أنا ما أنا/ وأنا آخري/ في ثنائية/ تناغم بين الكلام وبين الإشارة”.