الاتحاد

ثقافة

ليلة الخيام بمهرجان دبي للشعر ·· إغواء الكلمة والصوت

محمد صالح القرق خلال توقيع كتابه في الاحتفالية

محمد صالح القرق خلال توقيع كتابه في الاحتفالية

في اليوم الثاني لمهرجان دبي الدولي الأول للشعر جمع ''بيت دبي للشعر'' في الشندغة مساء أمس الشاعر الفارسي ذائع الصيت عمر الخيام بالشاعر والمترجم الإمارتي محمد صالح القرق والشاعر المعروف والأديب المعروف خالد البدور والدكتور عمر عبدالعزيز رئيس تحرير مجلة ''الرافد'' الإماراتية والشاعرة الإيرانية نهاد كبيري وسهير شقير ومترجم ألباني هو فلاديمير ماركو وعازف ربابة كويتي في لحظة واحدة تشبه القصيدة·
ووصف مقدم الحفل الدكتور عمر عبدالعزيز خلال اللقاء ترجمة القرق بأنها الترجمة الأكثر اكتمالاً وشمولاً، إذ تماهت مع النص الأصلي وحازته وقدمت نصاً شعرياً عمودياً عربياً لا يخون النص·
وكان مقدم الحفل استهل الأمسية بكلمات عن الخيام قال فيها: كانت الحاجة ضرورية لافتتاح بيت الشعر الذي يستهل نشاطه بأمسية مميزة ضمن فعاليات مهرجان دبي الأول للشعر، واليوم نشهد ترجمة استثنائية لشعر الخيام الذي ملأ الدنيا شكاً ويقيناً برباعياته التي كثرت ترجماتها منذ ترجمها البستاني في العام ،1612 وقال د· عمر الذي كان يلقي كلمة المترجم إن الخيام له حضور بالغ الأثر في المشهد الثقافي العراقي، ولرباعياته أثر أكبر في شهرته، فعلى الرغم من شهرة عمر الخيام كرياضي ومفكر وشاعر، إلا أن الرباعيات ذات الإيقاع الرياضي المنتظم هي التي منحته شهرة عالمية·
وأشار إلى أن الخيام هو ثالث ثلاثة تميزوا في الإبداع الإيراني، بالإضافة إلى حافظ شيرازي، وجلال الدين الرومي صاحب المثنوي·
وعقب كلمة الدكتور عبدالعزيز، أشار الباحث والمترجم الألباني فلاديمير ماركو في كلمته إلى أهمية كتابات الخيام بشكل عام، والرباعيات بشكل خاص في الثقافة الألبانية، مؤكداً أن معظم الألبانيين يحفظون من شعر الخيام الكثير وخاصة رباعياته· ثم قرأ ماركو من الرباعيات بالألبانية ـ الرباعية 261 إلى الرباعية ·265
ومن ألبانيا، انتقل فضاء الخيام أو جسره الشعري إلى بلده الأصلي إيران، حيث قدمت الشاعرة الإيرانية ناهد كيري عدداً من الرباعيات بالفارسية، وفي تصريح لها عقب إلقاء شعر الخيام، قالت ناهد إن المهرجان رسالة محبة من دبي للعالم، وأنها سعيدة بالمشاركة في هذا الحدث الرائع الذي يعكس فهم دبي لرسالة الشعر والحوار الحضاري الذي تؤمن به دبي، ويؤكد أنها مدينة تعرف حقاً أن الانسانية عائلة واحدة، ولذلك فرحت بالمشاركة في مهرجان يقول ان الشعر واحد وإن تعددت اللغات·
وبعد ذلك، قام المترجم محمد صالح القرق بالتوقيع على نسخ من كتابه ''رباعيات الخيام''، والذي ضمنه النص الأصلي باللغة الفارسية والترجمة الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة إلى ترجمته التي جاءت على الشكل العمودي الكلاسيكي مع المحافظة على دقة الترجمة للنص الفارسي بمفرداته كلها·
وقرأ الشاعر الإماراتي المعروف خالد البدور عدداً من ترجمات القرق للرباعيات، منها على سبيل المثال الرباعية الثالثة والعشرين التي تقول:
''ولا تثقن في دنياك حتى
لو ازدانت وجاءت بالعجيب
فلو دامت لغيرك لم تجدها
كذا نقل اللبيب عن اللبيب
فكم أمم راحت وولت
وأنت كذاك ماض عن قريب
فبادر في حياتك للمعالي
ولا تنس المنال من النصيب''·
وبعد انتهاء مراسم توقيع نسخ الكتاب للحضور قام الكاتب الإماراتي المعروف عبدالغفار حسين رئيس جمعية الإمارات لحقوق الإنسان بافتتاح معرض الخيام الذي ضم لوحات ورسوماً فيها نصوص الترجمة والنص الأصلي، كما ضم رسومات عمر الخيام ومجموعة من الطوابع البريدية التي صدرت في الإمارات في عقد الستينات من القرن الماضي احتفالاً بالخيام·
وقدمت المطربة السورية سهير شقير بمصاحبة فرقة موسيقية من حلب رائعة أحمد رامي وأم كلثوم رباعيات الخيام، وأطربت الحضور بأداء قوي واع بصعوبة النص وصعوبة الوصول إلى ذروة الأداء الكلثومي، ونجحت المطربة السورية بصوتها القوي أن تهرب من الأداء الكلثومي، لأنه كما قالت ''لا تستطيع أن تغني أم كلثوم، ومن ذا يقدر في عالمنا العربي أن يكون على قدر سيدة الغناء''·
وأشارت المطربة التي تفاعل مع أدائها الجمهور إلى أنها عشقت نص الرباعيات واعتبرته تحدياً مزدوجاً لقدراتها أن تغني نصاً مثل الرباعيات به من الشفافية والعمق الكثير وأن تغني لحناً عبقرياً أدته أم كلثوم باقتدار·
وفي ختام الأمسية، قدم عازف الربابة الكويتي مهلّي الحشاش عزفاً رقيقاً استوحى من أجواء الأمسية، وترك المسرح بعد أن غرس لغة في قلوب الجمهور في أمسية استثنائية في مهرجان دبي الأول للشعر·
يشار إلى كتاب القرق تمت طباعته بصورة فاخرة تليق بالرباعيات وبالجهد الذي بذله المترجم في اقتفاء ذلك الأثر الأدبي الرفيع ومطالعة كل ترجماته تقريباً بدءاً من المستشرق الإنجليزي المعروف إدوارد فيتزجيرالد، مرورا بمعظم الترجمات العربية والأجنبية الأخرى، وعلى رأسها ترجمة الشاعر المصري الكبير أحمد رامي للرباعيات التي غنتها كوكب الشرق أم كلثوم·
وتعليقا على مناسبة إصدار الترجمة صرح علي الشعالي المدير التنفيذي لمهرجان دبي الدولي للشعر قائلا ''إن استحضار الشاعر الكبير عمر الخيام في فعاليات المهرجان، عبر المعرض الخاص به، يستهدف طرح التراث الإنساني الكبير الذي تتضمنه الرباعيات، وذلك من خلال جهد متميز قام به الشاعر الإماراتي محمد صالح القرق· ولا شك أن الخيام برباعيته ذائعة الصيت لعب دوراً مهماً في تشكيل وجداننا الفني والأدبي''·
وقال ''يهمنا في طرح رباعيات الخيام إبراز الطابع الإنساني لثقافتنا العربية، التي تقوم على حوار الثقافات وتلاقيها تحت فضاء المحبة والتسامح وقبول الآخر وتبني القيم الجمالية في أي إبداع إنساني طالما تماهت مع قيمنا الأصيلة ولم تتجاوزها، فالثقافة العربية مارست التواصل مع الآخر طوال تاريخها من دون حساسيات''·
يذكر أن الشاعر القرق أصدر الكتاب بعد اطلاعه لسنوات طويلة على النصوص الأصلية للخيام، بالإضافة إلى المئات من الكتب والمراجع عن الرباعيات· حيث استسلم القرق لإغواء الرباعيات منذ كان صغيراً وصاحبه الإغراء الفني لها شاباً ورجلاً فقرر أن يحقق حلمه القديم بترجمتها، وفي سبيل ذلك قضى عمراً ينقب عن آثارها ومخطوطاتها المتناثرة في أصقاع العالم·
وأشار القرق خلال اللقاء في أن ترجمته للرباعيات استغرقت تسع سنوات حاول خلالها الابتعاد عن الترجمة الحرفية، لأن الترجمة الحرفية ـ كما يقول ـ هي ''أسوأ ما يمكن أن يقوم به المترجم عندما يتصدى لنص لأنه يدمر المعنى ويفسده لدى القارئ· وقد أضفت الترجمتين الإنجليزية والفرنسية إلى النص الأصلي لكي يطلع عليها القراء الأجانب''·
ولا يرى القرق في نفسه مترجماً محترفاً على الرغم مما بذله في ترجمة الخيام، حيث يقول ''لم أترجم سوى رباعيات الخيام، وهذه الترجمة أخذت مني مجهوداً كبيراً، والترجمة عمل فني رفيع الشأن يتطلب إخلاصاً ووفاءً كبيرين للنص· فمنذ سنواتي الأولى فكرت في ترجمة الرباعيات، حيث كان يزورنا صديق لأبي هو عالم كبير ومطلع على اللغة العربية، ويقرض الشعر، وكان صوته جميلاً ويترنم بالرباعيات، فاستهواني صوته الجميل هذا، وكلمات الشعر، فصرت أردد الكلمات وحفظت أشياء كثيرة، ثم صرت أقلد هذا الشعر، وبعد ذلك استهوتني الترجمة· وكنت أتمرن على ترجمتها منذ كان عمري عشرين عاماً، وبدأت أجمع الترجمات الأخرى للرباعيات وما كتب عنها، وفي مكتبتي جناح كامل يستوطنه الخيام وحده، بجميع اللغات: الفارسية، والإنجليزية، والروسية، والفرنسية والصينية

اقرأ أيضا

شعر وكتابة بنواكشوط والمفرق