الاتحاد

دنيا

أطفال.. نجوم قبل الأوان!

تامر عبد الحميد (أبوظبي) وسعيد ياسين (القاهرة)

الشكل.. الأداء.. العمر.. الحركات أطفال.. لكن عندما يبدأ بعضهم في الغناء يدهشون من حولهم باعتبارهم كبارا بثقافتهم الفنية في عالم الموسيقى والغناء، إلى جانب ثقتهم الزائدة بأنفسهم وهم يقفون على خشبة المسرح يمتلكون العالم كله، وكأنهم مثل «بطل المسرح».. فهُناك العديد من هذه الحالات، التي ظهرت مؤخراً في برنامج اكتشاف المواهب الصغيرة بالوطن العربي «ذا فويس كيدز»، الذي يختتم موسمه الأول مساء غد، ويحظى أحد الأطفال بلقب «أحلى صوت».
ورغم تحقيق هذا البرنامج أعلى نسب مشاهدة، إلى جانب تفاعل الجمهور - كبار وصغار - مع المواهب الصغيرة خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أن هناك بعض الأطفال أصبحوا نجوماً قبل اختتام حلقات البرنامج وإعلان اسم الفائز. لكن يبقى السؤال: هل تسرق برامج اكتشاف المواهب حلم البراءة والطفولة مبكراً ؟، وما تأثير الشهرة والأضواء والنجومية في الطفل، وما الآثار النفسية والسلبية منها على الدراسة والحياة المجتمعية؟
أسئلة كثيرة طرحتها «الاتحاد» على بعض صناع الموسيقى في الوطن العربي لمعرفة ما الجوانب الإيجابية والسلبية لصناعة «نجوم أطفال»، حيث قال «شاعر الوطن» الإماراتي علي الخوار: البحث عن المواهب الصغيرة في عالمنا العربي، وإتاحة الفرصة لهم لإظهار صوتهم أمام العالم كله، يسهم في إثراء الساحة الفنية بأصوات متميزة، يتم تدريبها بأفضل الطرق الفنية، وبمساعدة خبراء في المجال الموسيقي والغنائي.

احتراف
وأشار إلى أن برنامج «ذا فويس كيدز» تضمن العديد من المواهب الصغيرة التي لا تتجاوز عمرها 12 سنة، الذين يعتبرهم «مطربين محترفين قبل الأوان»، ويرى أن بعضهم لديه خامة صوتية قوية، إلى جانب تميزهم على خشبة المسرح، ويعتقد أنه إذا تم الاعتناء بهذه المواهب بشكل جيد، ستظهر على الساحة خلال السنوات المقبلة أصوات لا مثيل لها.
وأوضح أنه رغم أن الوطن العربي بحاجة لاكتشاف المواهب العربية، فإن الجزء الخاص بالمواهب الصغيرة له جانب سلبي، حيث إن الأضواء تخطف منهم البراءة، وتجعلهم يعانون عدم ممارسة طقوسهم اليومية كأطفال، إضافة إلى تأثير ذلك على دراستهم بشكل سلبي.

الغرور
ورغم تأييده لوجود هذه النوعية من البرامج التي تكتشف المواهب، فإن الخوار يوجه نصيحة للأطفال الذين يمتلكون موهبة ويريدون الاشتراك في برامج خلال السنوات المقبلة، بأن يصقلون هذه الموهبة بعيداً عن الشاشات والأضواء، حتى يحين الوقت المناسب للظهور بالشكل المناسب، إلى جانب ابتعادهم عن الغرور، لا سيما أنه من المعروف أن «الغرور مقبرة الفنان».

معاهد فنية
فيما وصف الملحن الإماراتي إبراهيم جمعة عملية البحث عن المواهب الصغيرة وإقحامهم في بعض البرامج الغنائية أنه أمر يسيء إليهم من الناحيتين المجتمعية والتربوية، وقال: الطفل الذي يملك موهبة فنية، يجب أن ينمو في معاهد خاصة بالفن.
وقال: أتحدى أن ينكر أحد بأن الهدف الأكبر لمثل هذه البرامج وقنواتها التي تنتجها وتعرضها هو تجاري، حيث يتم البحث عن هؤلاء المواهب الصغار وإقحامهم في مجال الفن وعالم الغناء في سن صغيرة جداً، من أجل الربح المادي للقناة، من دون مراعاة الأساليب التربوية المجتمعية، سواء من الناحية السلوكية أو الثقافة الموسيقية التي لها أصول وقواعد.

أضواء
ولفت إلى أن فريق عمل هذه البرامج، بأعضاء لجنة تحكيمها، الذين اعتبرهم بمثابة «موديل» لتحقيق الجماهيرية الأكبر للبرنامج، يعرفون جيداً بأن المواهب الصغيرة التي تتراوح أعمارها بين 8 سنوات إلى 14 سنة، تتغير أحبالهم الصوتية عند الكبر، وبالتالي لا يستطع أحد أن يجزم بأن هذه الموهبة ستكمل مسيرتها في عالم الغناء بعد تغير صوتها.. لذلك ما السبب الرئيسي وراء سرق حلم الطفولة والبراءة من هؤلاء الأطفال وإقحامهم مبكراً في مجال الفن والأضواء والشهرة والوقوف على خشبة المسرح؟.
وشدّد على ضرورة تهيئة الجو الصحي المناسب لهؤلاء الأطفال الذين يحملون مواهب وقدرات متميزة، خصوصاً أننا نشاهد بالفعل على الشاشة في بعض برامج اكتشاف المواهب، أصواتاً متميزة ومتفردة، لكن يجب علينا أن نضع تلك المواهب الصغيرة داخل أكاديمية فنية متخصصة بجميع أنواع الفنون، يتلقون من خلالها دروساً فنية، تشمل الأدوات الموسيقية والآلات وأصول الموسيقى والموشحات والابتهالات والأناشيد الوطنية، ويشرف عليهم أساتذة في علم النفس، وذلك من أجل معرفة ميول الأطفال الفنية وكيفية الاستفادة منها وإظهارها في الوقت المناسب، من خلال الأدوات التي تتوافر لدى الموهبة، ومن هنا نستطع بالفعل أن نكون في مصاف الأغنية العالمية، بخبرة وكفاءة هذه المواهب الذين تم تدريبهم بالشكل المناسب.

كعكة الإعلانات
وقال الموسيقار حلمي بكر: إن برامج اكتشاف المواهب الغنائية، الهدف منها هو الربح المادي في المقام الأول، لافتاً إلى أنه لا يعتقد أن مسألة تواجد الأطفال مبكراً في عالم الشهرة والأضواء قد تهم القائمين على هذه البرامج سواء في الوطن العربي أو حتى في النسخ العالمية، حيث إن الأهم بالنسبة إليهم هو حصد نصيب الأسد من «كعكة الإعلانات» والربح المادي.
وأشار إلى أن هذه البرامج مجهدة نفسياً للأطفال، خصوصاً أن صوت الطفل قد يتغير تماماً عند سن معين بعد أن يصل سن المراهقة، وبالتالي فبعض الأصوات قد تصبح غير قادرة على الغناء مهما كان جمال صوتها في الصغر، كما أن بعض الأصوات التي قد تتعرض لرفضها من قبل اللجنة قد يكون بها نبتة تنضج وتكبر، وتصبح من أفضل الأصوات بعد عدة سنوات، وبالتالي قد يتعرض هذا الطفل لإحباط يجعلنا نخسر صوتاً مهماً في المستقبل.

تأهيل نفسي
ولفت إلى أنه رغم ذلك توجد جوانب إيجابية لمثل هذه البرامج، وقال: كنت أول من اهتم بالطفل من خلال مسابقة ترأست لجنة تحكيمها في الأردن، وخرجنا منها بمواهب عدة، ولكن كان كل التركيز على التأهيل النفسي للطفل وإكسابه الثقة في موهبته، والتعامل معه على أنه لا يزال صغيراً ويحتاج لمزيد من التدريب.
وأكد كاظم الساهر الذي يشارك عضو لجنة تحكيم في برنامج اكتشاف المواهب الصغار «ذا فويس كيدز»، أنه لن يشارك في الدورة الثانية من البرنامج، لا سيما أن قلبه ضعيف ولا يتحمل بكاء الأطفال، وقال: بسبب تعاطفي الشديد مع هؤلاء المواهب من الأطفال، ومن أجل عدم قدرتي على حبس دموعهم عقب خروجهم من أي مرحلة من مراحل البرنامج، فحقاً لحظة صعبة ومريرة جداً عليّ، لذلك، فأنا أفكر بجدية في الاعتذار عن المشاركة في الموسم المقبل من «ذا فويس كيدز».

غطاء فني
وأشار إلى أن هذه البرامج الغنائية، تكون بمثابة «غطاء فني» يحمي المواهب الصغيرة ويظهرها على الشاشة بشكل أكثر احترافية، خصوصاً أن الموهبة تتلقى تدريبات مكثفة خلال فترة البرنامج، التي تصقل موهبتهم بشكل سريع، وفي الوقت نفسه تمكنهم من الغناء والأداء بطريقة أفضل من السابق، وقال: بدلاً من أن يغني هؤلاء الأطفال المواهب في حفلات غنائية ليلية بأماكن لا تتناسب مع أعمارهم الصغيرة، فمن الأبدى أن تتولى مثل نوعية برنامج «ذا فويس كيدز» الذي حقق نجاحاً باهراً في جميع أنحاء العالم بنسخه العالمية الأخرى، بتبني المواهب الصغيرة وإعطائهم الدافع الأكبر على الاستمرارية في عالم الفن وبالطريقة الصحيحة، موجهاً نصيحة للأطفال المواهب بأن يعيشوا حياتهم ويستمتعوا بطفولتهم البريئة، وألا يأخذهم الغناء والشهرة والأضواء عن عيش طقوسهم الطفولية الجميلة.

نصيحة القيصر للصغار
وجه كاظم نصيحة للأطفال الذين يمتلكون موهبة الغناء، ويريدون أن يشاركون في السنوات المقبلة في مثل هذه النوعية من البرامج، بأن يختاروا أغنيات تتناسب مع طبيعة أعمارهم، خصوصاً أنهم في إطار سعيهم للفوز يقدمون على أداء الأغنيات الطربية الأصيلة المليئة بالنغم والعرب والمقامات، لضمان استمراريتهم في مراحل البرنامج وخطف اللقب، دون الاعتبار لمسألة أعمارهم، الأمر الذي جعلهم باعتبارهم أعضاء لجنة تحكيم في أغلب حلقات برنامج «ذا فويس كيدز» يشعرون بأن من يقف أمامهم على خشبة المسرح ليسوا أطفالاً، بل مطربين ومطربات كبار.

صدمة وإحباط
أشارت الدكتورة دولي حبال أخصائي علم النفس، ومعالجة الأمراض النفسية في مستشفى مركز الخليج للتشخيص بأبوظبي، إلى أن برامج اكتشاف المواهب الغنائية الخاصة بالأطفال لها تأثيران، من الناحية الإيجابية أن القائمين على البرنامج يظهرون هذه المواهب الدفينة لكي يصبحوا نجوماً في عالم الفن عند الكبر، مثلما هناك العديد من النجوم الصغار في البلاد الغربية، تم اكتشافهم في الصغر. وقالت: دخول الأطفال مجال الفن مبكراً من الممكن التحكم فيه من خلال الناحية التربوية التي يتولاها أهل الطفل، والذين يستطيعون أن يجعلوه يعيش حياة شبه طبيعية في حال وصوله للنجومية. وترى أن التأثير السلبي الأكبر والأخطر في الأطفال من خلال هذه البرامج، هو إصابتهم بصدمات نفسية وعصبية وإحباط معنوي شديد جداً، خصوصاً عند خروج طفل ما من البرنامج، لذلك فهي تعتقد أنه من الأفضل تهيئة الأطفال نفسياً قبل دخولهم المسابقة، على أيدي متخصصين نفسيين، لكي لا يصاب الطفل بحالة من الاكتئاب التي من الممكن أن تؤثر على شخصيته ومستقبله.

اقرأ أيضا