الاتحاد

الملحق الثقافي

متواريات النص.. محجوباته



خلال ستينات القرن الماضي عمّت الأوساطَ الفلسفية موضة، أو لنقل على الأقل، ظاهرة طبعت الفكر الفرنسي على الخصوص، وجاءت في أعقاب تحوّل إبيستمولوجي اقتضى إعادة النظر في ما تراكم من تأويلات، وما سلف من قراءات. وهكذا انتشرت حمّى «القراءات الجديدة»، فأعيدت قراءة فرويد فماركس فهيغل فنيتشه إلى غير ذلك من الإعادات والمراجعات. وقد تمخّض عن إعادة القراءة هذه كما نعلم، إعادة نظر في أهمّية مؤلفات، وقيمة ترجمات، وصحة تأويلات. ما يهمّنا في الأمر أن المسألة لم تكن وليدة قرارات اعتباطية، ولا ملابسات عرضية، وإنما كانت انعراجاً فكرياً تمخّض عن إعادة نظر في مفهوم القراءة ذاته، مع ما يتطلبه كل ذلك من تحوّل في الأدوات والرؤى.

ربما لن نبالغ كثيراً لو ذهبنا إلى القول بأن المقدمة التي مهّد بها لوي ألتوسير لمشروع «قراءة كتاب الرأسمال» Lire le Capital كانت بحقّ بلورة للمفهوم الجديد للقراءة، ذلك المفهوم الذي ستعتمده كل عمليات «إعادة القراءة»، سواء تلك التي انتهجها لاكان مع فرويد، أو التي اعتمدها دولوز مع نيتشه، أو دريدا مع هايدغر أو الألتوسيريون مع ماركس، والذي ستتولد عنه إعادة تأويل لفكر هؤلاء المفكرين.

قراءتان

يميّز لوي ألتوسير في مستهل هذه المقدمة بين نوعين من القراءة: قراءة منفعلة وأخرى فعالة. تقف القراءة الأولى أمام المقروء سلبية متلقية، وهي تَؤول إلى ذلك الفعل السحري البسيط الذي يلغي المادة المكتوبة ليتمكن من «روح» النص، والنفاذ إلى أغواره، والإنصات إلى «صوته»، والْتقاط معناه. هذه هي القراءة التي ينعت بها ألتوسير مؤلفات الشباب عند ماركس حيث كان هذا الأخير «يقرأ حضور الماهية المجرّدة في وجودها العيني الشفّاف. في هذه القراءة المباشرة للماهية في الوجود، يتجلى نموذج المعرفة المطلقة الهيغلية، وهي الغاية التي يسعى نحوها التاريخ».

تقوم هذه القراءة على إبيستيمولوجيا المباشرة وعلى ميتافيزيقا الحضور، وهي تؤول في نهاية الأمر إلى مجرد الشرح والتعليق، معتبرة أن هدفها هو بلوغ ما قيل وإدراك ما تمَّ إثباته والتدليل عليه. إنها إذاً قراءة شارحة تحاول أن تنفذ إلى أعماق النص لإدراك الحقيقة التي يحملها، والتي أودعها إياه كاتبه، بعد أن دارت بخلده وجالت في فكره.

مقابل هذه القراءة الشارحة تقوم القراءة الفعّالة المنتجة التي توَلد النّص اللامكتوب الذي لا يكون مجال الكتابة إلا علامة عليه وعرَضا من أعراضه. تلك هي القراءة التي سبق لنيتشه أن سماها قراءة «مشخصة للأعراض» symptomatologique لأنها تفحص النصّ، وتتوقف عند «أعراضه»، «لتكشف اللامنكشف في النصّ الذي تقرأه، فتردّه إلى نصّ آخر حاضر بغيابه الضروري في النصّ الأول». هذه هي القراءة المضادة الذي يرى ألتوسير أنه يجدها عند ماركس في مؤلفات نضجه، والتي بفضلها عرف فكره «قطيعة إبيستمولوجية». وهي قراءة لا تقرأ «الواقع» على أنه كتاب مفتوح يعطي للقارئ معانيه بصفة فورية، وإنما على أنه واقع منفلت عن نفسه متباعد عنها. وهو تباعد من صميم الواقع ذاته وليس راجعاً لنقائص القارئ وقصوره المنهجي. فالإنسان على حدّ تعبير ماركس نفسه، «لا يسعى إلى تهجّي معنى الهيروغليفيات، والتمكّن من أسرار العمل الإجتماعي الذي يسهم فيه، إلا مع توالي الأزمان».
هذه القراءة الثانية إذاً قراءة متشكّكة تتهم المباشر وترفض البداهات، وهي تسعى أن تكشف في بياض النصّ المُسَوَّدة التي تختفي من ورائه، فتحاول أن تنتج العملية الفعلية للكتابة، تلك العملية التي ليست عملية إظهار وتملك للمعنى الوحيد والحقيقة المطلقة، وإنما «عملية توليد الاستعارات» كما قال نيتشه.
تقوم هذه القراءة إذاً على ابيستمولوجيا اللامباشرة التي تعتبر أن لا وجود لمعرفة أولى، بل تؤمن بأن كل معرفة هي دوما معرفة- ضد، وأن تملك المعاني نهاية درب، وأن التستر من محددات كل حقيقة.

التستر
لا تعمل القراءة، مفهومةً على هذا النحو، إلا على تأكيد ما تُجمع عليه التيارات الفكرية المعاصرة. في هذا الصدد يرى كلود ليفي- شتراوس أن هذه الاتجاهات تلتقي عند مسألة التستر هذه، فالماركسية والتحليل النفسي، شأنهما شأن علم الجيولوجيا، يريان «أن الواقع الحقيقي ليس أكثر الوقائع ظهوراً وتجلياً، وأن طبيعة الحقيقي تتجلى في حرصه على الاحتجاب». على النحو نفسه يحدّد هايدغر «الحقيقة» التي يفضل أن يسميها «اللاتحجب».

إنه إذاً التمييز الماركسي بين الواقع الفعلي وبين الكيفية التي يعاش بها، التمييز بين الواقع الفعلي وبين العلائق الإجتماعية، وهو أيضا التمييز الفرويدي بين الواقع النفسي والحياة النفسية، وهو التأكيد أن الواقع الفعلي لابد وأن يعاد إنتاجه فيعاش ملوناً. إنها صرخة نيتشه: «إذا كان العالم ملوناً، فنحن ملوّنوه».
هذه الاستعارية تجعل القراءة لا تنفصل عن الكتابة. فكل كتابة تقدم نفسها مقروءة مؤولة. فكأنما لا وجود لدرجة صفر القراءة. والنصّ لا ينتظر العين التي ستجيء كي ترى فيه ما تراه، وإنما هو يرى ذاته، فنحن أمام مقروء يقرأ ذاته، أمام مقروء هو القارئ وموضوع هو الذات، ومرئي هو الرائي. محايثة الرؤية للمرئي تجعل القراءة المشخصة للأعراض، تقوم ضد كل قراءة «تجعل من الخطاب المكتوب الشفافية المباشرة للحقيقة، ومن الواقع صوت خطاب».
لا يتعلق الأمر بذات ناظرة تقهرها صعوبة النص، وإنما بنصّ يفيض لوحده، نصّ لا يعطينا نفسه إلا في ما يحجبه. فهذه الرؤية التي يرى بها النصّ ذاته لا تتحدد بنوايا القارئ وقوة إدراكه وحسن نيته، وإنما بالإشكالية النظرية، أي ب«الشروط البنيوية للنص»، وظروف الإنتاج النظري التي ترتبط بتاريخ المفهومات، وتاريخ العلوم، وبطبيعة الحال، بنمط الإنتاج المادي ذاته. فكما أن هذا الإنتاج المادي هو دوما تحويل وإعادة إنتاج، فإن كل قراءة هي اتهام للمباشرة، وتحويل للمعطيات المباشرة... وهي دوما «إعادة قراءة».

اقرأ أيضا