الاتحاد

دنيا

هاني الحوراني: أمارس حريتي بالكاميرا

عمان - توفيق عابد:
أعماله لا تنفصل عن بيئتنا وفضائنا·· تستلهم لحظات زمنية معاشة أو ترصد جزئيات مستمدة من تشققات الجدران في مدننا وقرانا وحضور الإنسان في لمساته غير المرئية على سطوحها· ويستلهم عناصر الطبيعة الجاهزة ليس فقط كمخلوقة بل كخلاقة من خلال اكتشافاته على سطوح الأشياء، واستنطاق طاقة المادة والكتلة حتى كأن نتاجاته تسبح ما بين التصوير الضوئي، واللوحة المرسومة·
أهدى معرضه 'الأمكنة المنسية' إلى الناس المتوارين وراء الجدران العتيقة في شمال سوريا والبلدة القديمة في العقبة الأردنية، وحطام منازل مهجورة ومهدمة في 'أوابد ' على شاطئ البحر في منطقة وسطية بين الشارقة ودبي، ولفت الأنظار الى بناتها والذين سكنوها وخلفوها وراءهم لتعصف بها الرياح وأشعة الشمس الحارقة دون أن يعرف أحد مصيرهم·
إنه هاني الحوراني الفنان التشكيلي الذي يعشق الأمكنة ويتوحد وجدانيا مع الذين تواجدوا هناك أو مروا بها ممتشقا الكاميرا أحيانا والريشة أحيانا أخرى·· يتدخل بالألوان على سطوح الصورة ويصبغ عليها لمسته الفنية مغيرا ألوانها تارة أو محولا إياها إلى لوحة تجريدية تارة أخرى·
؟ يلقبونك بعاشق الأمكنة·· من أين جاء الوصف؟
؟؟ الحس تجاه الأمكنة ليس مطلقا فأنا أميل الى الأمكنة التي تشعرني بدفء إنساني ونوع من العبق التاريخي ووجود العنصر البشري ولو بصورة غير مرئية، إذ قلما أصور البشر لكنك تستطيع أن تراهم ما وراء الجدران وخلف النوافذ والأبواب المغلقة وتشعر بأنفاسهم من خلال ما يتركونه من آثار وكتابات ورسوم و'خربشات' على الجدران·
أنا اشعر بانجذاب للاماكن التي تتمتع بدفء إنساني وحيث تكون الأماكن مسارح أو ملاعب للناس فإنني أبحث عن الجماليات الكامنة في آثار الإنسان في تلك الأمكنة ولذلك تجدني أطرق الأسواق القديمة والمدن والأحياء التاريخية في العالمين العربي والإسلامي، أبحث عن الجمال في الأماكن المهدمة أو المهددة بالاندثار لأرسل إشارات تلفت النظر الى تلك الأماكن التي تجرفها موجات الحداثة والعولمة وتدوس أثناء ذلك على جماليات كامنة وفئات تزداد تهميشا بينما هي تحمل في جوانبها امكانات جمالية وروحا انسانية، وهكذا فان العديد من الصور التي ترمز الى هذه الامكنة التي كانت يوما ما وربما لا زالت حافلة بالامكانات والوعود·
واود القول إننا عندما نتحدث عن الامكنة المنسية فاننا نتحدث عن المنسيين القابعين خلف أو ما وراء هذه الامكنة، فالناس حتى ولو لم تجدهم مباشرة في صورة أو واجهة الصورة فهم موجودون كأناس لهم تاريخهم الخاص واهتماماتهم وجمالياتهم·
وقد استطعت في المعرض الاخير أن أمزج بين المشهد العام للمكان وتقريب الكاميرا الى التفاصيل الحميمة في تلك الامكنة وأقدمها للمشاهد·
الكاميرا·· فرشاة رسام
؟ أنت سياسي معروف فلماذا لجأت إلى الفن التشكيلي؟
؟؟ بصراحة نشأتي تمتزج بين كوني رساما تشكيليا، وناشطا سياسيا وباحثا اهتم بالشأن العام· وجاء التصوير الفوتوغرافي بمثابة حل تقني للتعبير عن نفسي من خلال المكونات السابقة فعدسة الكاميرا بالنسبة لي وسيلة أقرب ما تكون الى فرشاة الرسام، أنقل من خلالها تفاعلي أو تحسسي أو حساسيتي تجاه المشهد، وأحاول أن أحول الصورة من مجرد وثيقة الى رسالة تتضمن معنى أو مغزى أنقله إلى الناس·
صنعاء··عبقرية العمارة العربية
؟ أي الأمكنة تجذبك إليها·· وهل من مواصفات معينة لها؟
؟؟ في الحقيقة لا يوجد مكان معين يتمتع بأفضلية خاصة على امكنة أخرى، لكني استطيع أن أشير إلى بعض الأماكن التي أشعر بأنها مهددة، وأتمنى أو أحاول من خلال المعارض أن الفت النظر إلى قيمتها الانسانية والجمالية، ومن هذه الاماكن صنعاء القديمة التي تعكس عبقرية العمارة العربية لما تتضمنه من قيم جمالية وهوية خاصة في الثقافة العربية، والمنجز المعماري لمدينة صنعاء القديمة والمدن الأخرى في جنوب وشرق اليمن هو أقرب إلى التحف المعمارية التي تشكل نبعا لا ينضب من الأشكال والرموز الفنية والحلول الوظيفية·
وللأسف لم يستفد الفنانون التشكيليون العرب من هذا الكنز المعماري، من أجل استنباط رموزهم وأشكالهم وإغناء اللوحة العربية بها، وهناك ما يسمى بالقرى المنسية في جبل الحص شمال سوريا التي تمثل نموذجا للعمارة الريفية العربية الغنية بالرموز الفنية والحلول المعمارية، وتشكل مصدرا للالهام كما فعلت القرى المصرية للمعماري المصري الراحل الدكتور حسن فتحي·
أيضا من هذه الأماكن ' العقبة القديمة ' التي طواها الإهمال والتجاهل في فورة التوسع العمراني والاستثماري الذي تشهده المنطقة·
وفي الامارات العربية المتحدة كان اختياري لبعض العمائر المهدمة في المنطقة الواقعة على البحر ما بين الشارقة ودبي لتكون بمثابة تذكير بأهمية الجمع ما بين القديم والحداثة وعدم اهمال روح العمارة القديمة بحلولها الوظيفية ورموزها الجمالية وألوانها الخاصة·
الصورة المجردة··واقعية
أحاول من خلال اللقطة المقربة أن الفت انتباه المشاهد الى الكم اللانهائي من القيم الجمالية في الأشياء العادية التي تمر عليها العين مرورا عاديا دون أن تلحظ الثراء الفني في التكوينات والأشكال والألوان والرموز والتخطيطات التي يخلفها أناس على الجدران وواجهات البيوت في مدننا وقرانا القديمة التي هي بمثابة وسائل تعبير متقشفة عن نزعاتهم لإظهار أنفسهم والتأكيد على وجودهم وهويتهم ورغبتهم في التذكير بأنهم موجودون·
لذلك فإن الصور المجردة هي في الواقع صور واقعية لتفاصيل مأخوذة عن قرب، تشكل مصدرا لإثراء عين المشاهد من خلال العلاقات ما بين أجزاء أو تكوينات موجودة في تلك الاماكن البسيطة وهي تظهر أيضا نزعة فنية عفوية لدى الكثير من المواطنين المجهولين الذين لم يحظوا بالتدريب والتأهيل، ولكنهم فنانون بفطرتهم·
لا أقحم ذوقي
؟ التكنولوجيا فتحت الباب للتدخل·· فهل تتدخل في التكوينات أو الخلفيات لإعطاء قيم جمالية؟
؟؟ بصراحة لا أقحم ذوقي الخاص في اختيار موضوعات صوري، ولكنني أنجذب إلى التوليفة الخاصة لكل منطقة والتي تنعكس في الألوان، وهذه تكون مرغوبة في منطقة وغير مرغوبة في أخرى·
وعلى سبيل المثال تبهرني ألوان الجدران الداخلية في العمائر المهجورة في منطقة الخليج، وقوة تأثيرها على العين، بينما في قرى شمال سوريا تؤثر بي الوان الطين والجدران التي تزين واجهاتها بطبقة من الكلس الأبيض مع اضافة اللون الأزرق على الأبواب·
وأود القول: إن المسألة ليست أنني أفضل ألوانا معينة، وإنما تلفت نظري تلك العلاقة بين توليفة الالوان في كل منطقة، وخاصة اذا تضمنت واحدة من خاصتي التضاد الشديد أو التوافق أو الانسجام اللوني ' الهارموني '·· المهم أن تعكس توليفة الألوان المزاج النفسي والخلفية الثقافية لسكان هذه المنطقة أو تلك·
فالنظر من خلال عدسة الكاميرا يعطيك قدرة على انتخاب عدد معين من التكوينات من بين مئات الالاف من الاحتمالات، فهناك مساحة لا نهائية من الحرية، وفي الوقت نفسه على المصور أن يعطي أفضلية لزوايا معينة لالتقاط الصور واختيار عدد محدود منها، لتعكس رؤيته الفنية، وإذا شئت وجهة نظره في موضوع اللقطة المصورة ، وبشكل عام أنها عملية جدلية ما بين ممارسة الحرية واتخاذ موقف مسؤول يحاول من خلاله المصور أن ينقل رؤيته الجمالية وربما ينقل رسالة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية·
وبكلمات أخرى إن عين الكاميرا تتيح للمصور أن يمارس حريته على أوسع نطاق، وأن يؤطر رؤيته بشكل ينقل المشهد من الاعتيادية الى الوثيقة الفنية، وهي تجسيد لحرية ومسؤولية المصور أو الفنان في آن معا·
الكاميرا هي النافذة الأوسع التي أمارس فيها وأعبر من خلالها عن حريتي ووجودي كإنسان·
لست الاستثناء
أنا لم أخلق باعتباري تشكيليا وباحثا ومصورا وسياسيا معا، وإنما هي ظروف وتطورات وتعقيدات المنطقة أو هذا الجزء من العالم الذي يجبر المبدع على أن يكون متعدد الاهتمامات وأحيانا مشتت الجهود أو الفعاليات بسبب ما نكبت به منطقتنا من أزمات وصراعات وظلت عدة عقود لا تجد طريقها للحل·· هذه أثرت وما زالت تؤثر في عدة اجيال عربية حتى الآن·
لست الاستثناء من بين المئات من المبدعين الذين لم يستطيعوا ممارسة ترف الانكباب على اهتماماتهم الفنية أو الثقافية ويا ليت أتيح لنا مثل هذا الحظ لأن ننصرف الى اهتماماتنا الأقرب الى سجيتنا وميولنا الشخصية مثل ممارسة الرسم أو نظم الشعر وكتابة الرواية أو القصة القصيرة·
وللاسف كانت الاعباء والتحديات الملقاة على المثقف والمبدع العربي كبيرة الى درجة تجعله يخجل من الانكباب أو الانكفاء على اهتماماته الخاصة في العمل الفني، وكان يضطر واهما أو عن إمكانية فعلية الى التصدي لمسؤوليات تدخل في باب التغيير السياسي أو الاجتماعي الاوسع، حيث كان يعتقد العديد منا بأن عليه أن يسهم في عملية تغيير الواقع العربي نحو الأفضل، وحل الاشكالات التي مرت بها الأمة العربية·
لقد بدأت كفنان تشكيلي قبل أن أصبح باحثا أو سياسيا، وجاءت هزيمة حزيران 1967 لتجعل من ممارسة العمل الثقافي والفني ترفا شخصيا وتلزمنا بمحاولة إحداث التغييرات السياسية والاجتماعية الفورية من أجل تصحيح الأوضاع التي كشفت عنها الهزيمة·
ومن هذا المنطلق ازداد الانهماك الشخصي في العمل السياسي على حساب اهتماماتي الثقافية، علما بأنني تعلمت كيف أكون نشيطا سياسيا، وباحثا من خلال عملي التشكيلي الذي كما يعرف الكثيرون يتطلب الكثير من الصبر والتخطيط والعمل قبل أن ينجز بصورته النهائية·
القدس وقبة الصخرة·· أولى لوحاتي
؟ هذا يقودنا إلى البدايات·· ترى ماذا كانت أول لوحة؟
؟؟ كانت اللوحات الأولى في مرحلة التدريب تتراوح بين رسم الأماكن والأشخاص، وكانت القدس وقبة الصخرة من الموضوعات التي أستأثرت باهتماماتي، وكذلك الشخصيات العربية المهمة أو التي لعبت دورا كبيرا في تحريك الوجدان العربي·
كما تناولت موضوعات مستمدة من البيئة كالأزقة القديمة في القدس ودمشق، والمشاهد الطبيعية في الأردن، حيث كنا في ندوة الرسم والنحت في مطلع الستينات، ورغم عدم دراستنا في كليات الفنون فإننا
نقوم بشكل جماعي برسم المشاهد الطبيعية مباشرة في الهواء الطلق باللونين الابيض والاسود أو بالالوان كما يفعل طلبة كليات الفنون الجميلة·
بلا هوية
؟ كفنان تشكيلي دارس كيف تقيم الحركة الفنية في الأردن بلا مجاملة؟
؟؟ أستطيع القول: إن الفن التشكيلي في الاردن حائر بين عدة حركات تشكيلية ناهضة لها مكانتها المهمة في دول الجوار مثل العراق وسوريا ومصر·· ويمكن القول: إن الحركة التشكيلية الأردنية لم تبلور هوية خاصة به أو اتجاهات واضحة في معالمها الرئيسية·
باختصار لدينا فنانات وفنانون مهمون في الساحة التشكيلية، لكن ليست لدينا مدارس أو اتجاهات فنية ذات معالم واضحة، وذلك يعود إلى التأخر النسبي في نشأة الحركة الأردنية المعاصرة مقارنة مع مثيلاتها العريقات في المنطقة·
وهناك أيضا تأخر انشاء كليات الفنون الجميلة في الأردن، وضعف الحركة النقدية التي لم تساعد على مواكبة الانتاج الفني بإنتاج نقدي مواز·
ورغم ذلك يمكن القول: إن هناك امكانات واعدة للحركة التشكيلية في الأردن، وهناك العديد من الاسماء التي تركت بصماتها وحضورها في الساحة التشكيلية العربية·
وفي الأردن ازدهار لأماكن العرض فمن المتحف الوطني الى دارة الفنون مرورا بصالات العرض المهمة، إذ باتت عمان واحدة من أهم العواصم العربية في مجال الحركة التشكيلية·
الصورة·· وسيلة تعبير
؟ ما هي الرسالة التي تحاول أن توجهها من خلال تركيزك على الصورة الفوتوغرافية وليس على اللوحة المرسومة؟
؟؟ ورغم أنني رسام تشكيلي ممارس، إلا أنني أحاول من خلال المعارض العديدة للصور الفوتوغرافية أن أروج للامكانات الكامنة في الصورة التي لم تأخذ بعد مكانتها واحترامها كما يجب في العالم العربي، لأن أغلبية المتلقين بما فيهم المثقفون يعتقدون بأن الصورة الفوتوغرافية أقل مكانة من اللوحة المرسومة·
كما أن الكثير من المشاهدين العرب يعتقدون بأن الصورة نتاج آلة أكثر مما هي نتاج عين وفعل من يقف وراء هذه الآلة، ويخلطون بين الصورة التي ينتجها المواطن العادي والصورة الفنية·
ولذلك أحاول من خلال معارضي وخاصة الصور المجردة التي انتجها أن أؤكد على أن الصورة الفوتوغرافية لا تقل وتعادل وربما تفوق أحيانا في أهميتها اللوحة المرسومة يدويا، فالمسألة ليست في الوقت الذي تصرفه في انتاج العمل الفني أو المواد المستخدمة، وإنما في الرؤية والفلسفة والجماليات التي تتضمنها الصورة فهي اختزال لآلاف الاحتمالات وتركيزها في عمل واحد هو الذي يقع عليه اختيار المصور الفوتوغرافي·
ولهذا بطبيعة الحال يفترض أن يتمتع المصور بالحس الجمالي والنضج الفكري والخبرة التقنية، فهو ليس مجرد ناقل من واقع وإنما هو منتج جديد للواقع في شكل فني·
وأود القول: إن الصورة الفوتوغرافية باتت وسيلة تعبير معتمدة دوليا في' البيناليات' الخاصة بالأعمال التشكيلية، تنافس الأعمال المنفذة بالوسائل التقليدية وتتغذى الحركات التشكيلية المعاصرة من خلال عروض الفوتوغراف والفيديو والمزج بين الفوتوغراف والرسم، ولذلك لم تعد الصورة الفوتوغرافية متطفلة أو طارئة على الحركة التشكيلية بل هي متممة ومثرية لها·

اقرأ أيضا