خطر «تسييس» المجتمع العربي يقول محمد خلفان الصوافي إن الشعوب العربية كلها تقريباً، في الفترة التي تلت ما يسمى بـ«الربيع العربي»، انتقلت من حالة «الصمت السياسي» التام، خاصة في دول مثل تونس وليبيا وسوريا، إلى ما يشبه الثرثرة اليومية والحديث غير المنقطع، إلى درجة أصبحت السياسة معها هي «المتغير الثابت» في حياة المواطن العربي. ولو توسعنا في الحديث عن الذين شملتهم السياسة، لوجدنا أن الرياضيين دخلوا فيها، ووصلت بهم الحال إلى أن يتم تصنيفهم سياسياً بعدما كان نجومها أحد أسباب توحيد المجتمع حول قضية معينة، وواجهوا كذلك إجراءات عقابية بسبب مواقفهم السياسية. الأمر نفسه طال الفنانين أيضاً، فلم يعودوا يُصلحون ما تفسده السياسة?،? كما كان في السابق، وبهذا المنطق أصبحت شرائح المجتمع العربي «مسيسة». ومن هنا يكون التفكير في إعادة تنظيم اهتمامات المجتمع أمراً ضرورياً. عالم متغير... وقوى عظمى أفضل يقول بول كينيدي، أستاذ التاريخ بجامعة «يل»: لم يعقد أوباما لقاء وجهاً لوجه مع نظيره بوتين خلال قمة مجموعة العشرين في مدينة سان بطرسبيرج، بسبب «مسرِّب» يدعى إدوار سنودن – وهذا ليس أمراً جيداً. ويبدو الرأي العام الصيني أكثر قومية من أي وقت مضى هذه الأيام في وقت تطلق فيه اليابان أول حاملة طائرات لها منذ حرب المحيط الهادي – والأكيد أنه أمر ليس جيداً. وهكذا، تبدو وكالة الأمن القومي الأميركي كما لو أنها تتجسس على الجميع، في الداخل والخارج، مما يثير موجات غضب عارمة – وهذا أمر سيء. وهكذا، فإن الاتحاد الأوروبي منقسم وحائر وغاضب ودون زعيم، على غرار الإمبراطورية الرومانية التي كان يطمح إلى أن يكون شكلاً محسناً لها - وهو أمر مثير للسخرية غير جيد من دون تأكيد. انتظر، هناك المزيد: وهكذا، تشتكي الأرجنتين بشأن جزر الفوكلاند، وتشتكي إسبانيا بشأن جبل طارق، وهو أمر ليس جيداً على الإطلاق. وبالنسبة لمؤرخي الشؤون العالمية، ومن بينهم كاتب هذه السطور، فإن الرد المناسب الوحيد على هذا الكم من المشاحنات والخلافات والكبرياء المجروحة هو أن نسأل: «هل هذا كل شيء؟». هل هذه الأشياء الوحيدة التي تُفرق وتُغضب القوى العظمى بينما نتمتع بالعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا ينبغي أن نعتبر أنفسنا محظوظين؟ ما مستقبل الإسلام السياسي؟ استنتج د. بهجت قرني أن ما يحدث في مصر يتعدى حدود هذا البلد. هذه المقولة مقبولة عامة وبالتالي لا داعي للإسهاب. من هذا المنطلق إذن، ما حدث بعد عزل الرئيس السابق مرسي، ثم فض اعتصامي رابعة وميدان النهضة، له تأثير على مستقبل الإسلام السياسي، ليس في هذا البلد فقط، بل في أقطار «الربيع العربي» كلها وحتى المنطقة بأسرها. أرى هذا من الدعوات التي أتلقاها للمشاركة في مؤتمرات تجري في منطقتنا أو خارجها. قبل مظاهرات 30 يونيو ضد مرسي وحكم «الإخوان»، كان الموضوع الأساسي لهذه الدعوات هو «الإسلام في الحكم»، كأن هذا النمط هو فعلاً مستقبل المنطقة. أما بعد 30 يونيو، وخاصة بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة في 14 أغسطس، تغيرت الدعوات لتركز على سؤال رئيسي آخر: مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة، هل انتهى فعلًا؟ وهل هي فترة احتضار أم أزمة عابرة؟ العنف المأجور لدى د. علي الطراح قناعة بأن الحيرة تسيطر على العالم في فهمه لتزايد موجات العنف لجماعات تحسب على الإسلام، مما أدى إلى الكثير من الخلط في فهم الإسلام كدين يبعث على السلام، والمحبة، وإحلال العدالة الاجتماعية، وبين جماعات تنتهج العنف الدموي تحت راية الإسلام. المشكلة تبلورت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنها ترعرت عبر وسائل رسمية وغير رسمية إلى أن كبرت وفقدت الدول السيطرة على العنف الديني. ولا تزال الدراسات عاجزة في فهمها لنمو حركات التشدد الإسلامي التي لم تعد تحصى، وإن كانت تنتهي في معظمها إلى تنظيم «القاعدة»، ويجمعها كلها العنف. جماعات العنف الدموي منتشرة في العراق، ومصر، وأفغانستان، وباكستان، وغيرها، وهي خلايا نائمة تتحرك وفق رؤية مدروسة، فهذه الجماعات لا نعتبرها عبثية أو متخبطة بل هي جماعات تتحرك وفق برنامج وأهداف لإحداث بلبلة عامة، تثير الخوف لدى الكثير ممن يصنعون القرار. التخبط في الجانب الآخر أصبح واضحاً، حيث المواجهة غير متكافئة. فهذه الجماعات لا تعمل بشكل منظم كما تعمل الدول، ومحاربتها بالطرق المعتادة غير مجدية، فهي تهاجم، وتفر، وتنتقل من مكان لآخر، كما أن لديها مخزوناً بشرياً لا ينضب؛ كونها توظف العقيدة الدينية لصالحها؛ فمن يموت أو ينتحر يحوز على «الشهادة» بكل ما تحتويه من معنى! الإرهاب في مصر بين مرحلتين من وجهة نظر د. وحيد عبد المجيد لم يعد ثمة شك في أن الإرهاب أعلن حرباً جديدة على مصر منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي. فقد قطعت محاولة اغتيال وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم في الخامس من الشهر الجاري الشك باليقين، وأعادت إلى الأذهان مشاهد حرب الإرهاب السابقة التي بدأت مقدماتها في أواخر سبعينيات القرن الماضي وبلغت ذروتها في النصف الأول من تسعينياته، قبل أن تضع أوزارها قبيل نهاية عام 1997. فكثيرة هي أوجه الشبه بين محاولة اغتيال وزير الداخلية الحالي، ومحاولتين تعرض لهما وزيران من أسلافه هما زكي بدر عام 1989 وحسن الألفي عام 1993، إذ يجمع هذه العمليات الثلاث وأخرى نُفذت في مرحلة الإرهاب السابقة أنها اعتمدت على أسلوب الهجوم الانتحاري. فقد هوجم موكب بدر تحت كوبري الفردوس جنوب القاهرة بسيارة مفخخة قادها انتحاري من «الجماعة الإسلامية»، بينما كان الهجوم على موكب الألفي قرب وزارة الداخلية بواسطة دراجة بخارية استقلها انتحاريان من أحد تنظيمات الجهاد عُرف باسم «طلائع الفتح». «معلولا»... القصارى في نكبات النصارى! يرى رشيد الخيُّون أنه في الأزمات الحادة لا تُراعى شرائع ولا أعراف، يُنتهك فيها الجميع، لكن يظهر الموقف شديداً على الأضعف حيلةً المختلف بالديانة، والأخيرة تصبح عُذراً بيد المتجاوزين. فعندما حصل الفرهود (1941) ضد يهود العراق، بفعل دولي حرك التعصب القومي والديني، نسي المتعدون في لحظتها أن مؤسس المال العراقي ساسون حسقيل (ت 1932) هو ابن هؤلاء المنكوبين، وأن الغالب منهم حاول العض بنواجذه للبقاء بوطنه. إنها الأزمات لم ينفع فيها أنور شاؤول (ت 1982) قوله: «وسماحـة الإسلام كانت مؤلـي/ وبلاغة القرآن كانـت موردي» (قصة حياتي). كذلك مَن اجتاح قرية «معلولا» الرابضة بين الجبال والأوهاد، على مقربة من دمشق، من عشرات القرون، لم يذكر لفارس الخوري (ت 1962) دوره في استقلال بلاده السورية، ولا مواقفه الوطنية كرئيس وزراء، ودوره في الأمم المتحدة لصالح العرب المسلمين. لهذا قدر المرجع الديني محمد تقي الشيرازي (ت 1920)، ما قد يُصيب هؤلاء من تجاوز والبلاد مقبلة على حرب، فشدد قائلاً: «أوصيكم بالمحافظة على جميع المِلل والنِّحل، التي في بلادكم في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً» (الوردي، لمحات اجتماعية). كان ذلك في منتصف العام 1920 وها نحن بين 2003- 2013 يُعتدى على الملل والنِّحل باسم الدِّين لأغراض شتى! فذُبح الرهبان والصاغة من المندائيين والعمال من الأيزيديين! مثلما لنا الحق في ذكر مظالمنا ليس لنا إنكار مظلوميات الآخرين، وهنا أود التنبيه إلى ما تحاوله الدولة التركية، في عهد أردوجان وقبله، نفي نكبة مسيحيي الشرق عام 1914 وما بعدها، وهؤلاء كانوا أعضاء في مجلس «المبعوثان»، والدولة العثمانية حفظت حقوقهم بقوانين، ورفعت عنهم الجزية (غنيمة، الطوائف الدينية في القوانين العراقية). دول الجوار الإقليمي... وتداعيات الصراع السوري يقول سكوت بيترسون: باعتبارها أقرب حليف لسوريا منذ عقود، تسعى إيران جاهدة إلى الحيلولة دون سقوط نظام الأسد. وفي هذا الإطار، حذر المرشد الأعلى في إيران من أن «النار» ستشب في كل الشرق الأوسط في حال وجهت الولايات المتحدة ضربة عسكرية إلى سوريا. ذلك أن المسؤولين الإيرانيين الكبار يعتبرون سوريا المركز الأساسي لـ«محور الممانعة» الذي تقوده إيران لمواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي في الشرق الأوسط، وجسراً استراتيجياً بالغ الأهمية يلعب منذ ثلاثة عقود دور همزة الوصل مع خط الجبهة مع إسرائيل وقناة لتسليح ودعم «حزب الله» والمجموعات الفلسطينية المقاتلة. وبالنسبة لإيران، فإن الرهان كبير جداً. ذلك أنه من خلال إرسال مستشارين عسكريين والسماح لـ«حزب الله» بالقتال إلى جانب الأسد ضد الثوار المدعومين من الولايات المتحدة، تشعر طهران أنها تخوض حرباً بالوكالة ضد ما تسميه «الغطرسة العالمية». وتتمثل أفضل نتيجة بالنسبة لها في انتصار للأسد يضمن حفاظ إيران على موقعها في العالم العربي وعلى حلفائها المحاربين. أما أسوأ نتيجة بالنسبة لإيران، فهي إسقاط النظام على أيدي الثوار المدعومين من الولايات المتحدة، أو على أيدي المقاتلين الإسلاميين «الجهاديين» إلى جانب الثوار، الذين يكرهون إيران والولايات المتحدة على حد سواء. نيرانٌ في واشنطن! يقول "جوشوا فوست”: استيقظ العالم صباح يوم الاثنين على أنباء غدت مألوفة جداً في أميركا: نوبة إطلاق نار عشوائية. ويقول مسؤولون إن مسلحاً قتل 12 شخصاً وأصاب آخرين بجروح في واشنطن نيفي يارد. وما دمنا لم نعرف بعد إلا معلومات قليلة فعلينا الإحجام عن القفز إلى استنتاجات. في عام 2002، عايشت هجمات «قناصي بيلت واي»، حيث قتل القناصان أشخاصاً في محطات تزود بالوقود بالقرب من منزلي وفي محل لمتاجر «هوم دوبو» في طريقي إلى العمل. وقتلا إجمالاً عشرة أبرياء في 20 يوماً. ويعلمنا هذا درساً لنستفيد به في حادث نيفي يارد ونحن نحاول فهم مغزى ما لدينا من معلومات. في واقعة قناصي واشنطن تفشت التكهنات، حيث وقعت الهجمات في الظروف الصاخبة لهجمات 11 سبتمبر، فزعم البعض أن القنص عمل إرهابي. ولم يكن لدى قناصي واشنطن، وهما جون آلان محمد وصنيعته الشاب لي بويد مالفو، إلا دوافع مبهمة على أفضل الأحوال: فكانا يعتنقان أفكاراً تتعلق بالجهاد، لكن محمد كان قد هدد أيضاً بقتل زوجته.