الاتحاد

دنيا

الوحم و العقعقة وهم أم حقيقة؟

سيدة حامل تلتقط أقراص الفحم لتناولها

سيدة حامل تلتقط أقراص الفحم لتناولها

بسؤال 20 حاملاً، ينحدرن من ثقافات متباينة، ومن أعمار مختلفة لدى مراجعتهن مركز ''ويل كير'' الطبي في أبوظبي· أكدن اقتناعهن بالوحم، وقالت 14 سيدة منهن أنهن مررن بالتجربة· وعانت 9 حالات من القيء الشديد خلال الأشهر الثلاثة الأولى· وأشارت 3 سيدات ''على استيحاء'' إلى وحمهن الغريب واشتهائهن أشياء غريبة ''كالفسيخ، والخل، ورائحة صبغ السيارات، ورائحة ''التينر''· وأيدت 5 أمهات قناعتهن بأن الحامل إذا توحمت على صنف من المأكولات أو الفاكهة ولم يتوافر لها في فترة الوحم، وقامت بحك جزء من جسدها فإن الطفل يولد وفي جسده ''وحمة'' تأخذ شكل الطعام نفسه ، كما ذكرن أن نوع الجنين يحدد ماهية الوحمة· فما الحقيقة العلمية والطبية لهذه الظاهرة المحيرة؟
رغبات غريبة
''الوحم'' لا يزال في مقدمة الظواهر السلوكية والنفسية والبيولوجية التي تتعرض لها المرأة الحامل ولا سيما خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، والتي تقف العلوم الطبية والنفسية عاجزة عن تفسيرها تفسيراً علمياً وموضوعياً دقيقاً أو مقنعاً، فكثيراً ما نرى لهفة المرأة الحامل على تناول نوع من المأكولات أو الأطعمة غير الموجودة والتي يندر توافرها، أو تلتهم أشياء غريبة وعجيبة كالجير والطباشير والجبس والطين والصلصال والثلج والخل وقطع الفحم والفخار، أو تشتهي رائحة عيدان الثقاب المشتعلة، أو الكيروسين، أو تناول أصناف غذائية مخلوطة بغرابة شديدة، كأن تخلط الثوم بالمربى أو الشيكولاته، أو غير ذلك من رغبات عجيبة· وعندما حاول الأطباء تفسير هذه الظاهرة، خرجوا بتفسيرات غير قاطعة أرجعوها إلى العوامل النفسية· ومنهم من تبنى نظرية أخرى ترى أن ''الوحم'' حالة فسيولوجية تعبر عن احتياج الجسم لنوع محدد من الفيتامينات أو العناصر الغذائية إلا أن هذا التفسير لم يلق تأييداً كبيراً بين الأطباء·
انحراف الشهية
وفي مقابل ''الوحم'' هناك أيضاً حالات غريبة وعجيبة من الرجال الذين يقبلون على أكل أشياء أشد غرابة، مثل الزجاج، والفحم، والبلاستيك المحترق، والكاوتشوك، وبعض المنتجات البترولية كالشمع والفازلينن وأعقاب السجائر، وبعض الحشرات، وأطلق على هذه الحالة اصطلاح ''العقعقة''، كما شاع أكل الطين كعلاجٍ للتقلصات المعوية· وأغلبَ آكلي الطين يعيشونَ في جنوب الولايات المتحدة الأميركية وفي وسط إفريقيا وبعض مناطق الهند، كما ارتبط فقر الدم الذي يطلق عليه الأوروبيون ''الخلوروز'' بعدم الأكل وقلة الشهية وانحرافها كما ترتبط بظاهرة النباتية ''الاقتصارُ في الطعام على الخضر والحبوب والفاكهة ورفض اللحوم ومشتقاتها''· ومن ثم عرفت ''العقعقة'' بأنها الرغبة الملحة المنحرفة للشهية، واختيار شاذ من الأطعمة، أو توليفةٌ معينةٌ من نوعين أو أكثرَ من الطعام بصورة قهرية· وحسب التصنيف الأميركي الرابع للأمراض النفسية عرفت العقعقة بأنها ''الأكل المستمرُّ وليسَ الاشتهاء''، ويذكرُ تصنيفُ منظمة الصحة العالمية ICD-01 أن العَقْعَقة في الأطفال تحدثُ كواحدةٍ من أعراضٍ كثيرةٍ تكونُ جزءًا من اضطرابٍ نفسي أوسع·
الرأي الطبي
يقول الدكتور سامح العزازي استشاري ورئيس قسم النساء والولادة بمركز ''ويل كير'' الطبي في أبوظبي: هناك آراء ونظريات عديدة تحاول أن تفسر ظاهرة ''الوحم'' لدى الحوامل، وما يصاحب الحالة من ميل الى القيء· ولم تثبت العلوم الوضعية أو البحوث الطبية التي أجريت مدى صحة ما يشاع، حتى يمكن الجزم بالحقيقة· وهناك من يرى أن ''الوحم'' يرجع إلى حالة تنتج عن التغير الذي يطرأ على الشهية أو القابلية للأكل، نتيجة تغير مستويات الهرمونات المصاحبة للحمل عادة، أو نتيجة لحاجة الجسم إلى عناصر معينة ''كالكالسيوم'' مثلاً، لذا نرى الحامل تأكلُ المواد الجيرية أو الطباشيرية، أو تقبل على تناول أقراص الفحم، أو كراهية أصناف أو روائح أطعمة معينة، أو كراهية الحامل لأنواع من العطور، أو رائحة الزوج أحياناً، وخاصة في الأشهر الأولى من الحمل، وعادة ما تنتهى بانتهاء الثلث الأول من الحمل· وهناكَ نوعٌ من ''العَقْعَقة'' مرتبطٌ بمرحلة ما قبل نزول الطمث لدى بعض الإناث حيثُ تشتهي المرأة المادةَ أو الطعام المعين خلال الأيام السابقة لنزول الطمث كل شهر، لكن الأهم في الظاهرة أنها ترتبط بثقافة المجتمع، والحالة النفسية للمرأة الحامل، بمعنى أن الكثيرات منهن تعتبر ''الوحم'' أمراً طبيعياً، وكأنه من ضرورات المرحلة الجديدة في حياتها ولا سيما الحمل الأول، وكأنها تريد أن تقول إنني أتهيأ لأن أكون أماً، وعلى المحيطين بي أن يتعاملوا معي على هذا الوضع الجديد، أو ربما هو سلوك أو ميكانيزم نفسي يدفع الحامل الى محاولة ''لفت الانتباه''، أو ''كسب التعاطف''، أو ''الدلال'' على الزوج أو الأسرة، ولاسيما في الأسر المركبة· وأحياناً يتجه هذا ''الميكانيزم'' اتجاهاً سلبياً في صورة التهرب من المسؤوليات الزوجية، ومن واجبات المطبخ، أو متاعب العمل إن كانت موظفة، أو الرغبة المتطرفة في جلب الانتباه· وهناك من الحالات التي تظهر علامات ''الوحم'' من دون أن تكون حاملاً بالفعل، وهو ما يؤكد وجود العامل النفسي·
ويضيف الدكتور العزازي: كثير من الباحثين يعتقدون أن ''الوحم'' ينتج من حساسية معينة لهرمونات الحمل خاصة الكوريونات المشيمية، أو تأثير هرمونات الحمل على مراكز القيء في المخ أو من العوامل النفسية المصاحبة للحمل مع خلو المعدة، أو عند نقص بعض الفيتامينات مثل فيتامين ب1 ب6 ب،12 كما يعتقد بعض الباحثين أن حب أغذية أو أطعمة معينة أو كرهها له علاقة بمواقف مرت بها الحامل منذ زمن، فهو تعبير عن شعورها واشتهائها لأشياء ومواقف معينة، فهناك من تشتهي ''الثلج'' مثلاً، وأخرى ترغب في فاكهة الشتاء خلال الصيف أو العكس، لكن لا علاقة لها بما يقوله البعض أنه نقص في فيتامين معين لأنه لا يوجد فيتامين في الثلج أو الطين مثلاً· وهي في النهاية تفسيرات لا يمكن قبولها طبياً بشكل قاطع·

اقرأ أيضا