الاتحاد

دنيا

كامل زهيري·· يقتحم القضايا من ثقب الباب

القاهرة ـ محمد عز العرب:
يقتحم الكاتب الصحفي كامل زهيري القضايا من ثقب الباب وأثارت مؤلفاته جدلا واسعا ومنها 'الموسوعة الاشتراكية' و'النيل في خطر' و'الصحافة بين المنح والمنع'· وقبل هذا كله هو عاشق للقاهرة التي يصفها بالحب الدائم ويقول: 'لو لم أكن قاهريا لوددت أن أكون قاهريا' وهو رحالة قديم تجول في الهند ودرس في باريس وعمل في مؤسسات صحفية عملاقة مثل 'روز اليوسف ودار الهلال' وشغل عدة مناصب مثل نقيب الصحفيين المصريين ورئيس اتحاد الصحفيين العرب ويبدو كأنه وزارة ثقافة تسير على قدمين لذلك فإن شهادته في معرض القاهرة الدولي للكتاب تستحق التسجيل·
يقول كامل زهيري: رغم حصولي على العديد من الأوسمة وتقلدي الكثير من المناصب على مدار حياتي من مدير تحرير إلى نقيب صحفيين فإنني انظر إلى نفسي ككاتب هاو وقارئ محترف، وقد علمني والدي ووجهني ماذا وكيف اقرأ، فبعد انتهائي من دراسة القانون وحصولي على ليسانس الحقوق لم ارغب في شغل وظيفة حكومية واقترح والدي عليّ التفرغ للقراءة لمدة عام وعرفت طريق المكتبات المنتشرة بمدينة القاهرة وفيها وجدت ضالتي وما يشبع نهمي وابرزها هذا الكنز الرائع في دار الكتب القديمة وقابلت العديد من مشاهير الفكر والرأي مثل عباس العقاد وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ومشاهير السياسة مثل حسين أيت احمد واحمد بن بيلا·
وقال: مهنة الصحافة ساعدتني ودفعتني إلى السفر وهو نوع آخر من القراءة لأنك في السفر تقرأ الوجوه والعمارة والمباني والشوارع والمقاهي والمتاحف، وكما أن القراءة نوع من السفر بين السطور فالانتقال من مكان إلى آخر قراءة أخرى للناس والأحداث كما علمني السفر فضيلة الحوار والتسامح· واحسان عبدالقدوس هو الذي اكتشفني صحفيا وكان يقول لي دائما: عليك بتبسيط الأمور للوصول إلى عقول الناس وكتبت له سلسلة خطابات في بداية عملي معه بروز اليوسف انتقده فيها بشدة ولم يفصلني من المجلة أو يسيء معاملتي وهو ما جعل قيمته تزداد في نفسي· وكان إحسان مثالا للتفاني والدقة الأمر الذي رفع توزيع مجلة 'روز اليوسف' وأصبحت المجلة الوحيدة التي اعتمدت على التوزيع· وبعد انتقالي إلى 'دار الهلال' عرفت الفرق بين العمل الصحفي بصحيفة يومية والعمل بمجلة شهرية أو أسبوعية، ودخلت العمل النقابي معتمدا على دراستي للقانون وثقافتي العامة حيث اكتشفت كتابا يختص بحرية الصحافة في عهد الخديوي إسماعيل والتاريخ المصري يزخر بالعديد من الشخصيات التي نادت بالحرية مثل احمد حلمي· وتعلمت من إحسان عبدالقدوس أن الصحفي القدير والكبير هو الذي يكبر مع الصحفي الشاب ولا يكبر عليه وهو ذات المعنى الذي جسده احمد بهاء الدين وفتحي غانم ومحمود أمين العالم، وعلمني إحسان توصيل الفكرة إلى الشخص بدون إحراجه وعلمني أن أجرح بدون إسالة للدماء لأن الأعلى صوتا ليس هو الأقوى حجة وفي خلافي مع الرئيس أنور السادات حول مياه النيل اعتمدت على الوثائق والمستندات بعيدا عن الآراء ووجهات النظر·
وأشار كامل زهيري إلى أن الدكتور محمود عزمي الذي كان مندوبا لمصر في الأمم المتحدة هو الذي وضع ميثاق الشرف الصحفي العالمي عام ·1951 ويؤكد هذا الميثاق حرية الصحافة وان واجب الصحفي أن يتأكد من حقيقة الحوادث التي يرويها منعا للتشهير والافتراء والابتزاز فقد وضع مبدأ تصحيح الأنباء أي ما نسميه في عالم الصحافة بحق الرد والتصحيح· فكانت رؤية محمود عزمي للصحافة وحريتها ودورها الوطني والاجتماعي ناضجة ومتكاملة لأنه ربط بين الحرية والأخلاق·
مصري في الهند
ويقول زهيري: في مطلع الشباب اتجهت شرقا ولم اتجه غربا حيث سافرت إلى الهند بعد حصولي على ليسانس الحقوق وكان عمري 21 عاما تقريبا وكنت أول مصري يعمل في إذاعة الهند، ورغم أنني لم اعش هناك إلا عاما واحدا فإن حياتي تغيرت تماما فقد التحقت بالعمل في هذه الإذاعة بالمصادفة بعد أن قابلت أول مستشار ثقافي هندي بالقاهرة عقب استقلال الهند عام 1947 ولاحظ اهتمامي بالقراءة عن غاندي وتاريخ الهند فعرض عليّ العمل كمذيع في القسم العربي بالإذاعة الهندية·
وأضاف: كانت إذاعة عموم الهند مشهورة ولها تأثير بالغ حيث أعطاها الإنجليز اهتماما كبيرا لمواجهة دعاية أعدائهم من اليابانيين لكن القسم العربي كان موجها لمنطقة الخليج فقط فأراد الهنود التوسع ليشمل العالم العربي بأسره، وقد عملت في إذاعتهم مترجما ومقدما للبرامج، وكان مبنى الإذاعة ضخما ويقع بالقرب من البرلمان·
وأكد انه شعر بسعادة بالغة لأنه شاهد بلاد العجائب وكان مطلوبا منه في البداية زيارة بعض البلاد العربية لدراسة طبيعة الشعوب والفنون للاستفادة من إعداد برامج موجهة إليهم وسافر إلى لبنان وقابل هناك شابة صغيرة تغني اسمها 'فيروز'·
ويقول كامل زهيري: كنت أول مصري غير دبلوماسي يعيش في الهند لدرجة أن السفير المصري حينذاك إسماعيل كامل أطلق عليّ لقب 'الجالية المصرية' لأنه لم يكن هناك مصري يعيش خارج أسوار السفارة غيري وقد عرفت بعد ذلك أن إسماعيل هو البطل الحقيقي لرواية الأديب الكبير يحيى حقي 'قنديل أم هاشم'·
خبطة صحافية
واكتشف كامل زهيري أن هناك خيطا ما يربط بين الثقافة العربية والثقافة الهندية فالقارئ لرسائل (غاندي أم نهرو!!!!!!!!!!) إلى انديرا يدرك ذلك حتى على المستوى السياسي حينما ذكر (غاندي أم نهرو!!!!!!!!!!) لابنته في رسالته إليها في حالة طردها أن تذهب إلى مصطفى النحاس في مصر، كما أن نهرو هو أول من فكر في مؤتمر للتضامن الآسيوي الأفريقي· وفي أثناء وجودي بالهند -يقول زهيري- تعرفت على مسؤول يمني يعيش هناك وكان أحد الحاضرين في مؤتمر دعا إليه نهرو للتضامن مع إندونيسيا وكانت جلسات المؤتمر سرية ولم يسمح للصحفيين بالحضور وبعد انتهاء المؤتمر فوجئت به يعطيني التفاصيل الكاملة لما دار في الجلسات ولا أعرف لماذا وشعرت بأهمية هذه المعلومات فكتبت كل ما أخبرني به صديقي وأرسلته الى صحيفة 'الأهرام' وبعد عدة أيام فوجئت بكل ما أرسلته منشورا على صفحة كاملة كانفراد للصحيفة وفي أعلى الموضوع كُتب: من مندوب الأهرام في دلهي وبالطبع كنت سعيدا ولكني لم أتوقع عملي بالصحافة وكأنها كانت مهمة محددة وانتهت·
وأضاف: خلال وجودي بباريس وقعت في ضائقة مالية فأرسلت لاحمد الصاوي محمد الذي تولى رئاسة تحرير 'الأهرام' بعد عزيز ميرزا وطالبته بمستحقاتي عن الموضوعات الصحفية التي نُشرت لي وفوجئت بعدها بأسبوع بحوالة مالية قيمتها 250 جنيها وهو مبلغ ضخم مقارنا بالقيمة النقدية منذ 55 عاما·
وقال كامل زهيري: عندما عدت إلى مصر أعطاني أبي 700 جنيه لأفتح مكتب محاماة لكنني قلت له: أريد أن أسافر إلى باريس لدراسة الآداب ولكنه تردد وفجأة وجدته يقول لي: 'لو تركت لك عمارة يا محمد -اسمي الحقيقي محمد كامل علي زهيري- فقد تخدعك إحداهن وتأخذها منك لكن ما يدخل رأسك لا يمكن لأحد أن يأخذه'·· وكان يقصد أن قيمة الإنسان بعمله لا بما يملك· وفي باريس فضلت الإقامة في مكتبة سانت جنفييف وهي اقدم المكتبات هناك وتقع في قلب الحي اللاتيني وتطل على ميدان البانتيون حيث مقبرة العظماء من فولتير وموليير الى فيكتور هوجو ومالرو وعلى واجهتها العريضة لوحات رخامية فوقها أسماء أعلام الفكر من أرسطو وأفلاطون وديكارت إلى ابن سينا وابن الهيثم والرازي وابن خلدون وكانت المتعة مضاعفة لان المكتبة لا تغلق أبوابها إلا في العاشرة مساء وأحببتها اكثر حين قرأت أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين أقام فيها بصحبة زوجته سوزان·
روبن هود العربي
وتابع زهيري: بعد عودتي من فرنسا فتحت مكتبا للمحاماة لكي أحقق حلم والدي وكنت أقوم بدور 'روبين هود' حيث احصل على الفلوس من الأغنياء وأنفقها على الفقراء فقد كنت محاميا لعدد من الأثرياء والأجانب ولا أفرط في أتعابي وفي ذات الوقت انفق على الفقراء، فقد كنت محامي نقابة 'المياه الغازية' وكانت من اكبر النقابات في ذلك الوقت لكني تركت المحاماة التي اعتبرها دفاعا عن العدل الأصغر·· عدل الأفراد إلى الصحافة التي أرى فيها العدل الأكبر أي حقوق الشعوب والوطن والقضايا التي تستحق التضحية·
ويمضي قائلا: منذ صغري عرفت القاهرة معرفة جيدة وشغفت بتاريخها وشوارعها بفضل أبي الذي كشف لي أسرارها في فترة مبكرة من حياتي حين روى لي التجارب التي عاشها مثل أي شاب شارك في ثورة 1919 وهي تجارب جعلت أحداث الثورة ماثلة في ذهني كأنني عاصرتها·
وحكى زهيري عن تأملاته في بعض شوارع القاهرة وخص بالذكر شارع محمد علي بالقلعة لأن هذا الشارع قطعة من باريس لكنه يتميز عن شوارعها بطوله واستقامته فهو يربط القلعة بقلب القاهرة، مؤكدا انه لم يجتمع في شارع واحد في القاهرة مثل هذا المشهد، ففي قمته العالية يوجد مسجد السلطان حسن وهو آية في المعمار المملوكي وفي وسط الشارع توجد دار الكتب وتحت أقدام الشارع من ميدان العتبة يوجد المسرح القومي ولم يجتمع في شارع واحد مسجد ومكتبة ومسرح ليكتمل هذا المثلث الذهبي·
أما الشارع الثاني الذي نال الجزء الأكبر من وصف كامل زهيري فهو شارع 'درب الجماميز' الذي كان يعبره زهيري في شبابه لكي يصل إلى شارع الخليج المصري 'بور سعيد حاليا' حيث كانت توجد مدرسته 'الخديوية الثانوية' التي تعلم فيها· وتوقف زهيري تحديدا عند لقاء الشارعين أي درب الجماميز مع الخليج المصري وهي نقطة تبدو لديه أقرب إلى ما يشبه الحي اللاتيني بباريس·

اقرأ أيضا