الاتحاد

دنيا

دكاني صندوق أسرار يحفظ دفتر الماضي

حسن تركي

حسن تركي

يجلس الحاج حسن في دكانه القديم الذي ما زال على حاله، منذ أن بُني قبل مائة وخمسين سنة، هذا المحل التراثي الذي ضلت رياح التغيير الطريق إليه، ونسيت الأيام والسنون المرور من أمام بابه، ورفض الزمن مفارقة عتباته وكأن عقارب الساعة ما برحت مكانها، مصرة على التزام السكون لديه··
هذا الدكان الصغير بعمره الفقير في بنيانه، الغني بماضيه وذكرياته، متحدياً عوامل الزمن ومجابهاً التغير والتطور فيه، يحاصر الحاج حسن ذكرياته وأيامه الماضية في هذا الحي الذي يقف شاهداً على كل مرحلة من مراحل عمره، فهنا ترعرع مع أقرانه وهنا كان يلهو مع أصحابه وعلى هذا الشاطئ رسمت بصمات أقدامه وقرب هذا المسجد كان والده يمارس مهنة الحلاقة، وعلى حافة هذا البناء كان يتناول الشاي ويسهر يستمع إلى أخبار أجداده وحديثهم عن الصيد والغوص وأحواله، وعلى رمال هذا البحر كان يحلو السمر وعلى ترانيم أمواجه كان ينام البشر في ذلك الزمن الجميل، الذي أخذ يروي لنا تفاصيل أيامه وكأنه ما زال يعيشها فيقول: هذا الدكان الصغير يشبه المندوس فبداخله أحتفظ بالذكريات الجميلة التي أغلق عليها جيداً خوفاً من أن تعصف بها رياح التغير بداخله·· أحتفظ بكل ما يتعلق بالزمن الماضي، هذا الدكان مع هذه التحف وفي هذا الحي لوحة تراثية ما زلت أكحل عيني بالنظر إليها كل يوم·
الحاج حسن هو بحد ذاته كتاب قديم أردنا من خلال لقائنا به أن نتصفحه ورقة ورقة، ليحكي لنا عن تلك الأيام وماضي الأجداد لنشكل من خلال هذا الحوار مخطوطة تراثية تاريخية نحفظها للأجيال القادمة فاسترسل بحديثه مفتخراً بتلك الأيام، متابعاً، كنا نجاهد للحصول على لقمة العيش عندما كانت الدراهم قليلة، لكن البركة والطيبة كانت وفيرة·· أنا لا أفارق هذا الحي القديم لأنه يزخر بالذكريات الجميلة·· هذا الحي ينبض بالحنين لزمان أول، كصوته الذي يفيض حناناً واشتياقاً إلى ذلك العهد، لذلك أبقيت هذا المحل على حاله دون أي تعديل لأنه جميل كما هو، فهذا السقف المصنوع من الخشب والجص أظلل به ذكرياتي في هذا المكان، وهذه الجدران التي قد تجدونها قديمة متهالكة تحتضن بداخلها أجمل لحظات عشتها وأروع أيام قضيتها، بمجرد دخولي الدكان أشعر بأن شيئاً لم يتغير من حولي·· هذا المكان الذي شيده أجدادي وعمل فيه أبي وأجلس به أنا اليوم وغداً أبنائي وأحفادي هو أرض خصبة للذكريات، وكل منا سيغرس بذرة في هذه الأرض الطيبة، أبيع الآن التحف القديمة التي كانت مزدهرة في تلك الحقبة، كنا نجلبها من الهند وإيران وبعضها نصنعه هنا في الإمارات، بهذه الحلي كانت تتزين النساء في تلك الفترة·· إنها متينة ذات جودة عالية وتصنع من الفضة وكان لا يلبسها سوى الأغنياء، ولدي حلي من دول الخليج كافة، هي متشابهة لكن هناك بعض الفروقات التي تميزها عن بعضها، فمثلا هذه الخلاخيل إماراتية وهذه الحلقان عمانية، حتى دلال القهوة تختلف عن بعضها، فمثلاً الدلال الإماراتية تختلف عن السعودية بأنها أصغر حجماً ولديها نقوش مغايرة للدلال السعودية، ولدي أيضاً صناديق قديمة ''المندوس'' ففي هذا الصندوق كنا نحتفظ بما لدينا من ملابس وذهب وفضة، حتى الغذاء كالتمر وغيره وهو قادر على الاحتفاظ بالحاجيات كما هي متعدد الأغراض ولا يخلو بيت خليجي منه كان خشبه يجلب من الهند والنحاس من إيران، ونقوم بتصنيع هذه الصناديق، وتبلغ من العمر 250 سنة ولا تزال محتفظة بجودتها كما هي، قديماً لم تكن لدينا خزائن لحفظ الأغراض، كانت غرفة النوم عبارة عن سرير من الخشب والنحاس ومندوس لحفظ الأغراض وفخار لوضع الماء ودلة قهوة فقط·· ما أبسط الحياة وأجملها في تلك الفترة ، أما هذه الخناجر فكان الرجال يلبسونها لحماية أنفسهم، والخناجر الإماراتية أصغر من العمانية، وهذه البشتختة هي بالمفهوم الحالي اسطوانة لسماع الأغاني الطربية الأصيلة، وأذكر كيف أنهم كانوا يقايضون بها اللؤلؤ فكان تجار اللؤلؤ يسافرون إلى الهند لأغراض وهذه البشتختة التي لدي فرنسية الصنع أما هذه الصناديق الخشبية الصغيرة فهي لحفظ اللؤلؤ، وكان صاحب كل محل تجاري لابد أن يملك صندوقاً لحفظ المال فيه

اقرأ أيضا