الاتحاد

الملحق الثقافي

عشتُ في كتاب

عمل للفنان الروسي فلادمير كوش

عمل للفنان الروسي فلادمير كوش

عبد العزيز جاسم

الأرض كتاب، والكون كله كتاب، والكتاب أرض وأكوان.
ƒ
هكذا، يُخْطئُ كثيراً، بل يُخْطئُ أكثر، من لا يرى في الكتاب إلاَّ مجرد ورق وكلمات وحِبْر، وليس أكثر من ذلك.

ƒ
انظروا حولكم، إخوتي، وتمعنوا!
كان ذلك خارج التاريخ، خارج التفكير والخيال، خارج اللّغة، وقبل أن يخرج الإنسان من بيضته أو من رِتْقِهِ أو من جَنَّتهِ، وقبل أن تبدأ رحلته الملحمية على هذا الكوكب الصغير أصلاً. فقبل هذا كله، كان الكتاب موجوداً في بكارته الأولى، وحاضراً كالسرّ العظيم في متناهي الوجود، أمام المخلوق الجديد الذي لم يأتِ بعد.

ƒ
لم يكن ذلك الكتاب كتاب نُسَّاخ أو مطابع، ولا يشبه أيضاً الكتب التقليدية التي نعرفها في شيء. لقد كان كتاباً عائماً بين الكواكب، كالمريخ وزُحل وعطارد. يتمدَّد على المسكونة كلها، وينتظر من يأتي ليكتشفه، ويعايشه ويعيشه، ويستخرج باطنه وجواهره وأسراره، ويقرأ ظواهره وقوانينه وجمالياته، ويتأمل عظمته وجلاله، ويكتب عن وجوده ووجودنا فيه جميعاً من جديد.

ƒ
إنّه الكتاب – البيت الكبير. الكتاب الكنز. كتاب الخليقة والكائنات كلها. كتاب الحياة في ابتداء بذورها وطلحها وإثمارها. كتاب البشارات والأساطير والتأمّلات الكبرى وأنطولوجيات الوجود. إنه كتاب الوديان والصخور والجبال. كتاب البحيرات والبحار والأنهار. كتاب الغابات والسهول والأشجار. كتاب النّار والرَّماد والفحم والبراكين. كتاب الهواء والرِّياح والعواصف والأعاصير. كتاب الرّمل والصِّلْصال والقِفَار الجدباء. كتاب المجرات والنجوم والأجرام والصواعق. كتاب الديناصورات والزواحف وحيوانات ما قبل الميلاد.
إنّه كتاب اللازمان. كتاب الصمت والعزلات المطلقة. كتاب البراءات والألغاز والبكارات الأولى. كتاب الطبيعة الأصفى، من نُقِشَت سيرته بحروفها ويدها على حفريات العظام، والفحم الحجري، ولحاء الأشجار، والقشريات، والطبقات الرسوبية الثاوية تحت باطن الأرض. إنه الكتاب الاكتشاف. الكتاب الدليل. الكتاب الأثر. الكتاب الجيولوجي، الذي حفظ لنا بدايات الوجود، وسيرة العصور، ونوع الكائنات، وطرق العيش والمناخ وشكل هذا الكوكب، قبل مجيء الإنسان وبعده.

ƒ
هذا الكتاب، كتاب الكون المعظَّم، كتاب الأرض المبجلة، بأجزائه التي لا تنتهي ولا تُحصى أبداً؛ هو أكبر وأضخم كتاب عرفته البشرية. إنه أكبر وأعظم من مكتبات العالم مجتمعةً. فهو يجمع كل الكائنات والأشياء والعناصر والأمكنة والأزمنة والأحلام والخيالات والأساطير والعصور والنجوم والكواكب، وكل شيء تقريباً، في صحن داره.
ولكن للأسف، قلة قليلة جداً، من قرأت هذا الكتاب، من تعرف وتقر بوجوده، من تنظر إليه ككتاب؛ على الرغم من أنهم يعيشون ويدفنون فيه يومياً.

ƒ
إذا كان الكتاب أرضاً، وكوناً، وبيتاً، ورفقة، ومؤانسة، وعشقاً، واستمتاعاً؛ فإن القراءة هي بساط ريح. تحملنا على ظهرها وتطير بنا، من مكانٍ إلى مكان، ومن زمانٍ إلى زمان، ومن عقلٍ إلى قلب. فهي تُعَرفنا على ما خفي علينا، وتستخرِج أفضل ما لدينا، وتهذِّب ما شذَّ وتَحَيْونَ فينا، وتنقش بذور الوجود في ذاكرتنا، وتنير لنا بمشعلها العظيم دروب الهلاك والجهل والظلام.

ƒ
نعم! كل كتاب جيد وجديد، هو أشبه بولادة طفلٍ معافى في هذا العالَم. أمَّا القراءة بمراياها الألف، فهي عشيقته التي ستتولى رعايته واحتضانه.

ƒ
هكذا، تعودتُ، ومنذ زمنٍ بعيدٍ، حين أشرع في قراءة كتاب ما وأشعر بأهميته؛ أن ألقي التحيّة عليه وعلى صاحبه أولاً؛ وذلك كنوع من العرفان. لأن الكتاب عندي، ليس مرحاضاً ولا كيس نفايات؛ وإنما هو هديةً مُقَدَّرَةً من عالَمٍ آخر.

اقرأ أيضا