الاتحاد

الملحق الثقافي

الكتاب الإماراتي.. يأخذ الأدب بقوّة

مكتبة محمد بن راشد في دبي (أرشيفية)

مكتبة محمد بن راشد في دبي (أرشيفية)

إيمان محمد

يبدو أن الناشرين في الدولة، سواء أكانوا أفراداً أم مؤسسات، يأخذون الأمر بجدية، ويقبضون على الكتاب بقوة، كما يقال، أما المشهد العام للنشر فيبدو واعداً مع طرح عدد من المشاريع المعرفية الكبرى، والتي من المتوقع أن تنعكس على واقع النشر من حيث جودة المطبوع والموضوعات المتناولة، وتأتي في مقدمتها مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله) بإعلان 2016 عاماً للقراءة، بكل ما يعنيه ذلك من دعم للكاتب وللكتاب وتشجيع للقراءة، وبالتالي ارتقاء بواقع النشر والحالة الثقافية بشكل عام، ومشروع تحدي القراءة العربي ومكتبة محمد بن راشد، أكبر مكتبة عربية على ضفاف خور دبي في منطقة الجداف، بالإضافة إلى مشروع الشارقة الثقافي الذي قفز إلى مرحلة عملية بإطلاق مدينة الشارقة للكتاب، أول منطقة حرة من نوعها للنشر في العالم العربي، ومن المتوقع أن تتكامل هذه المشروعات وغيرها لكي ترسم ملامح مستقبل الكتاب في المنطقة.

النشر المستقل
يمكن اعتبار السنوات الثلاث الماضية بمثابة فترة خصبة للنشر المستقل، خاصة مع اتجاه عدد من الكتاب والشعراء إلى إنشاء دور نشر خاصة بهم، مثل حمدة خميس، وعائشة الكعبي، ومحمد الهاشمي ومريم الشناصي، وعائشة سلطان، وطلال سالم، ومحمد نور الدين، وعلي الشعالي وغيرهم، الأمر الذي قد يعطي أملاً في تجويد نوعية المطبوع، إلا أن الغالبية العظمى من مطبوع المؤلف الإماراتي يغلب عليه الأدب، بينما تكاد تغيب المؤلفات النقدية والفكرية والعلمية والدراسات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظاهرة تستدعي التوقف والدراسة، ورغم ذلك فوجود دور النشر المستقلة كفيل بإضفاء التنوع على عالم الكتب كما هو متعارف عليه عالمياً، حيث تتنوع بذلك اختيارات أصحاب دور النشر وفق توجهات الدار ووفق قراءتهم لذوق الجمهور ومتطلبات السوق أيضاً، وهي معايير تختلف عن معايير المؤسسات الرسمية المعنية أكثر بتقديم الدعم للمؤلفين الجدد، مثل سلسلة إبداعات شابة التي تصدر عن وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، والتي أصدرت حتى الآن كتباً إبداعية لأكثر من 80 كاتباً أغلبها تجارب أولى.
وفي محاولة لرصد أهم الإصدارات المميزة لمؤلفين إماراتيين، أو مؤلفات عن الإمارات نقدم هنا إضاءات سريعة على بعض المؤلفات اللافتة:

الإبداع السردي
رغم قلة الترويج الإعلامي وخجل المؤلفة في الظهور، إلا أن رواية «زمن السيداف» لوداد خليفة تعد علامة في عالم الرواية الإماراتية في الوقت الراهن، فالرواية الصادرة في العام الماضي عن دار الحكمة في دبي، تبشر بوعي أدبي قادم للمؤلفة التي تمكنت بأدوات بسيطة من نقش تفاصيل حياة الناس في دبي خلال ثلاثينيات القرن الماضي، امتداداً إلى الخمسينات، وهي فترة قاسية من تاريخ البلاد حوصر فيها الأهالي بالفقر وشظف العيش والمرض وأرغم العديد منهم على الهجرة، جاعلة من شخصية الطفلة «موزانة» التي يتم اختطافها بدواعي الثأر محوراً لرصد حالات الاستعباد التي انتشرت في زمن الانتداب البريطاني. وتبرز مهارة المؤلفة في نبش التاريخ الاجتماعي غير المدون، ورسم مصائر واقعية للشخصيات التي تكتظ داخل الرواية، وتنمو داخل الحدث محافظة على سماتها وصفاتها المميزة، في توظيف ذكي للمفردات المحلية والعادات والتقاليد والمعتقدات دون استعراض ممل.
كذلك تعد رواية «سلطنة هرمز» لريم الكمالي من الأعمال المبشرة بنضجها، والتي صدرت بالتزامن مع الموجة الجديدة للكتابات الروائية في الإمارات. تدور أحداث الرواية الصادرة عن دار كتّاب في دبي، والحاصلة على جائزة العويس الثقافية لأفضل رواية لعام 2015، في القرن الخامس عشر في منطقة خصب، حيث قامت مملكة هرمز التاريخية، واعتمدت المؤلفة في تجربتها الروائية الأولى على المصادر والوثائق لتبث الحياة في شخوص الرواية في فترة الاستعمار البرتغالي التي اتسمت بالقسوة والدموية، وتبرع المؤلفة في بناء شخصيات العمل لتروي من خلالها الأحداث التي تتطور بطريقة مشوقة بطلتها لغة غنية وخيال مخصب بالدهشة واشتغال دقيق بالتفاصيل.
رغم أن المجموعة القصصية «الخشبة» نشرت أول مرة عام 1974، فإنها لم تصل إلى القارئ إلا في تسعينيات القرن الماضي، بعد رفع الحظر عنها، وهي المجموعة الوحيدة لمؤلفها عبد الله صقر أحمد من دبي. وتتفرد المجموعة بأسلوبها السردي الحداثي وتقنياتها الجمالية واللغة المكثفة في تجربة مبكرة لهذا الأسلوب الذي لم يكن متعارفاً عليه وقتها، حيث حافظ فيها على البناء السردي ببراعة، ووظف أسلوب الاستدعاء بذكاء، وظهر لديه فن تنامي الحدث بشكل مشوق، كما تتفرد المجموعة بتناول موضوعات جريئة، حيث اشتغل على شخصيات مأزومة نتيجة أحداث عنيفة في إدانة للتسلط والظلم والاستغلال وقت الانتداب الإنجليزي، ورغم أنها التجربة الوحيدة لكاتبها الذي اتجه إلى عالم كرة القدم، إلا أن المجموعة تعد علامة في الأدب الإماراتي.

الذاكرة الشعبية
تعد دراسة «أماثيل الماجدية بنت ابن ظاهر» للشاعر سالم أبو جمهور، الصادرة عن دار الكتب في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، أحد الجهود المثمرة لتوثيق الذاكرة الشعبية وتحليلها، وإخراجها من الطابع الأسطوري التي يطوقها، فالدراسة بمثابة إعادة الاعتبار للشاعرة سلمى التي بقيت في ظل والدها الشاعر الكبير الماجدي بن ظاهر رغم أن قصيدتها ظلت حية في ذاكرة من عاصروها ومرَّروها إلى الأجيال التالية، فكانت حاضرة في يوميات الناس حتى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وكثيراً ما كانت أبياتها تستدعى للدلالة على الحكمة واللغة العميقة في المحكية الإماراتية، وتتناول دراسة أبو جمهور القصيدة الوحيدة للشاعرة التي يعتبرها قوة ناعمة وأحد حصون الثقافة المحلية.
آثار الأقدمين
يقدم الآثاري الدكتور وليد ياسين التكريتي في دراسته «الفن الصخري في أبوظبي»، الصادرة العام الماضي عن دار الكتب في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، شروحاً لمواصفات ومميزات الفن الصخري الذي يتصف بالندرة في أبوظبي رغم انتشاره بشكل واسع في منطقة جنوب الجزيرة العربية، ويتتبع التكريتي هذا الفن في كل من جزيرة أم النار في أبوظبي وموقعي هيلي وبدع بنت سعود في العين، ويكشف عن أهمية هذا الفن الذي يعد أحد أشكال الفن الأولى التي مارسها الإنسان، فقد وجدت نقوش تصور مختلف الموضوعات على جدران الكهوف في أوروبا وأفريقيا وآسيا وأستراليا منذ العصر الباليوليثي (العصر الحجري القديم)، أما النقوش البارزة والمشهورة على الأحجار المنحوتة المنتزعة من مدافن جزيرة أم النار وهيلي فتعد معالم فريدة، تشير إلى مجتمعات متطورة ومعقدة في العصر البرونزي.
أما كتاب «الكشف عن الأبجدية الأولى بتاريخ الإمارات» لخبير الآثار العراقي الدكتور منير يوسف طه فيتيح الغوص عميقا في التاريخ القديم لدولة الإمارات، عبر اعتماده أسلوب كتابة المذكرات لاستكشاف تفاصيل رحلته الطويلة في التنقيب عن الآثار، والتي بدأت في الإمارات في ستينيات القرن الماضي، حيث كان أول عربي يعمل في التنقيب بعد قيام الاتحاد (1973-1982)، وهو هنا يقدم نتائج هذه العمليات التي كشفت عن التاريخ العريق للإمارات.

تعرف على الإماراتيين
يعد كتاب «فنجان قهوة: الإمارات في ذاكرة أبنائها» بأجزائه الثلاثة للباحث عبد الله عبد الرحمن أحد أهم الكتب المرجعية التي ترصد التاريخ الاجتماعي وطبيعة الحياة في الإمارات قبل 100 عام من اكتشاف النفط، فمن خلال مجموعة معمقة من اللقاءات التوثيقية النادرة مع كبار السن بدأها الباحث في نهاية سبعينيات القرن الماضي، تمكن من رسم ملامح الحياة المتحولة في بيئات الإمارات المختلفة، من صحارى وسواحل وجبال وواحات. الكتاب صدر في عدة طبعات كان آخرها الصادر عن دار الكتب في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وهو مصحوب بأقراص مدمجة من سلسلة «الكتاب المسموع» تحوي 26 ساعة صوتية مسجلة مع 18 راوياً سجلها المؤلف في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وقد سبق بث هذه التسجيلات الممنتجة عبر الإذاعة بمصاحبة العديد من المؤثرات الصوتية التراثية.

ذكريات الإمارات
يجمع كتاب «ذكريات الإمارات» 27 بحثاً قيماً قدمت في ندوة أقامها الأرشيف الوطني عام 2010، وهي بحوث تعكس صورة مقربة لطبيعة الحياة في الإمارات طوال ثلاثة عقود من الخمسينيات إلى سبعينيات القرن الماضي، بالاعتماد على السرد الشفاهي لمجموعة من الإماراتيين والمسؤولين البريطانيين الذين عملوا في الإمارات ذلك الوقت، وتضيء هذه الشهادات الحية على إرث ثري من قصص التضحيات والكفاح التي عاشها أهل الإمارات في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، حيث يوثق الكتاب ذكريات الناس التي لم يطلها التوثيق الرسمي، خاصة في فترة ما قبل حكم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فيرسم الكتاب صورة عامة للحياة تزامنت مع الخطوات التمهيدية التي سبقت الاتحاد.
وتتصدر الكتاب شهادة رجل الأعمال جمعة الماجد عن دبي وكيف كانت تتهيأ للتطور القادم والواقع الاجتماعي والاقتصادي، وذكريات فرج بن بطي المحيربي عن ازدهار الغوص على اللؤلؤ وانهياره وأثر ذلك على الواقع اليومي، وخميس بن راشد بن زعل الرميثي، والذي يطرح ذاكرة الإمارات من خلال السرد الشفهي، وسيف محمد عبود البدواوي الذي يرصد التاريخ العسكري الذي بدأ من تشكيل قوة ساحل عمان وغيرهم.

مشروعات قادمة
تعتبر مكتبة محمد بن راشد التي أعلن عنها مؤخراً في دبي، ويتوقع الانتهاء من بنائها في أكتوبر المقبل أكبر مكتبة عربية. أنشئت باستثمار بلغ مليار درهم، وتضم 4.5 مليون كتاب، وسيستفيد منها حوالي 42 مليون شخص سنوياً، فضلاً عن طباعة وتوزيع 10 ملايين كتاب في العالم العربي، يصاحب ذلك برنامج لدعم المحتوى العربي بترجمة 25 ألف عنوان. أما مدينة الشارقة للكتاب، أول منطقة حرة من نوعها للنشر في العالم العربي، فستبدأ عملها العام الحالي على مساحة تمتد لحوالي 20 ألف متر مربع، وهي توفر امتيازات واسعة معفاة من الضرائب للشركات التي ترغب في تطوير عملها الاحترافي في عالم نشر الكتاب، وستعمل المدينة على إجراء دراسات إحصائية تتعلق بسوق النشر في الإمارات، تحدد الكتب الأكثر مبيعاً والكتب المفضلة لدى الفئات المجتمعية المختلفة والأوقات المخصصة للقراءة، ومدى انتشار الكتاب الرقمي وغيرها من مؤشرات ستسهم في رسم ملامح مستقبل الكتاب في المنطقة، حيث تغيب الإحصاءات المماثلة.

شعراء أم النار
في أول دراسة للربط بين الفينيقيين وحضارة أم النار، يتتبع كتاب «شعراء أم النار» للباحث أحمد فرحات، الشعراء الهيلنستيين مركبي الهوية الذين امتزجت دماؤهم وثقافاتهم الوجدانية والروحية بتراث حضارات الشرق، بفعل الهجرات من جنوب الجزيرة العربية إلى ساحلها في الشمال، لتنطلق منه في ما بعد إلى معظم جزر البحر المتوسط وسواحله المديدة. ويرى فرحات أنه طبقاً للمؤرخ اليوناني هيرودوت، فإن الفينيقيين شعب بحري جريء، قدِم من منطقة شبه جزيرة العرب (منطقة الخليج العربي اليوم) إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وذلك في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. ويشير إلى أن هذا الكلام تؤيده الآثار الموجودة حتى اليوم في الإمارات، لا سيما في جزيرة أم النار القريبة من مدينة أبوظبي، وفي سلطنة عُمان التي تحمل بعض أسماء المدن فيها اليوم أسماء مدن على الساحل السوري واللبناني، مثل: صور، وصيدا، وأرواد، وطرطوس. ويتوقف فرحات عند الشعراء الإغريق من المرحلة الهيلنستية، الذين بثوا في أشعارهم حنيناً غائراً وعميقاً إلى أرض أجدادهم الفينيقيين الذين كما أكد هيرودوت وغيره من المؤرخين والدارسين، وفدوا من أنحاء الجزيرة العربية، لا سيما الساحل الشرقي للخليج العربي، الذي كان يضم جزيرة أم النار المعروفة بوصفها محطة تجارية لـ «ماجان»، بحسب ما تذكر النصوص السومر أكادية.
الكتاب صادر في 2015 عن دار الكتب في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وقدم له الشاعر عبدالعزيز جاسم، وعلق عليه الباحث عبدالله عبد الرحمن.

ظاهرة
الغالبية العظمى من مطبوع المؤلف الإماراتي يغلب عليه الأدب، بينما تكاد تغيب المؤلفات النقدية والفكرية والعلمية والدراسات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي في ظاهرة تستدعي التوقف والدراسة.


اقرأ أيضا