الاتحاد

الملحق الثقافي

الكتاب.. غرفة صديق

جان ميشال مولبوا
ترجمة ــ أحمد حميدة

أنا كاتب، أي إنسان يعيش بين الكتب، كتب أكنّ لها محبّة بالغة، ولا تنفكّ تولّد فيّ رغبة جامحة للكتابة. غير أنّني أنتمي إلى جيل نشأ في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وكان شاهد عيان، وعلى التّوالي، لتطوّر التّلفزة وللثّورة الإعلاميّة. ويعني هذا أنّني أستسيغ ما ذهب إليه عالم الاجتماع الكندي ماك لوهان، حين تحدّث عن عبور من مجرّة غوتمبارغ إلى مجرّة ماركوني، أي من حضارة المدوّن إلى حضارة الصّورة، أو إلى ما هو أوشك من ذلك: الحاسوب والقرص المدمج.
رغما عن أعباء العمل، كانت علاقتي بالكتب دوما غير مستقرّة ومتقلّبة، كما هي حال غالبيّة من أعايش من النّاس في هذا الزّمن. فحين أفتح كتابا عن تاريخ الأدب في بداية القرن العشرين، وتطالعني صور لبروست، جيد أو فاليري، أشعر وكأن هؤلاء الكتّاب ينتمون إلى زمن آخر. إنّهم ليمثّلوا ذلك الجيل من الكتّاب الأصفياء، الذين لم نعد لنشبههم اليوم، والذين مهما تشبّهنا بهم، قد لا نكون مثلهم، أي رجال أدب ذوي أفق معرفيّ رحيب. يبدو هؤلاء الكتّاب حتّى من حيث طلعتهم أو ملمحهم، وكأنّهم ينتمون إلى زمن آخر، زمن هيمنة الكتابة. لذلك أراني أنظر إليهم باندهاش يخالطه الحنين، وكنت سأجدني لا محالة غاية في الاغتراب في حضرة تلك الوجوه المستغرقة في التّفكير، تلك الأرواح البالغة الاتّزان والجموح، لولا كتبهم التي تظلّ جسر عبور بيننا وبينهم، وحلقة وصل بين زمننا وزمنهم.
بالصّورة هم بعيدون عنّي، ولكنّ كتاباتهم تجعلهم دانين وقريبين منّي.

القراءة.. مرافقة
بداية.. لابدّ من التّأكيد على أن القراءة.. مرافقة. ففي حال العزلة أو العطالة، يأتي الكتاب ليضفي حيثما حلّ حضورا ما، يقبل ومعه عالم منطوٍ على مشاهد طبيعيّة، شخوص، أصوات، مشاعر، خواطر..، فيملأ الفراغ ويُذهب الإحساس بالتوحّد. فهو كما ألمح إلى ذلك فيكتور هوجو، «الأداة الأكثر بساطة، الأيسر ملاءمة وفي متناول الجميع»، وإنّه ليروق لي أن أضيف «والأكثر وفاء»، لأنّ الكتاب لا يخذل ولا يتعطّل، ما لم يُجافَ ونكون قد تركناه جانبا. فالكتاب لا يهجرك، بل يظلّ قريبا منك وفي متناولك، ويكفيك فتحه حتّى ينطلق بينك وبينه حوار صامت، ويختفي الإحساس بالوحدة.
فهل تتذكّرون الكلمة الشّهيرة لديكارت: «قراءة الكتب الجيّدة هو بمثابة حوار مع أكثر النّاس أمانة وشرفا في القرون السّالفة..»، وتلك تحديدا الأعجوبة الأولى التي يجريها الكتاب: أن يمنحك فرصة للتّحاور مع روسّو، فلوبير أو مالرو، رغم أنّهم قضوا واختفوا، فكأنّما الزّمن في مثل ذاك الحوار يتلاشى، والموت يتوارى، بفعل بعض الوريقات المطبوعة فحسب. فحين أقرأ «اعترافات» روسّو، أو «مراسلة» فلوبير، أو «مذكّرات مضادّة» لمارلو، فإنّي أسمع أصوات هؤلاء الكتّاب، فإذا بي أتحاور معهم، كما لو كانوا معي.. ههنا. لذا.. فإنّ الكاتب هو أشبه ما يكون بضيف لا مرئيّ، يفتح لك بابه، يدعوك إلى الجلوس، يقدّم لك الأكل والشّراب، يحدّثك عن حياته الخاصّة، ويساعدك كيما تفهم على الوجه الأفضل حياتك أنت.. الخاصّة.
وإذا كان الكاتب ضيفا، فإنّ كتابه يشبه غرفة صديق يتمّ استقبالك فيها لقضاء اللّيل، أو ربّما حجرة نزل تبدو خالية، ولكن تملؤها في الحقيقة ذاكرة أولئك الذين مرّوا بها قبل مجيئك، وناموا فيها. وتلك الذّاكرة هي خيال الكاتب، الذي ينعشه ويوقظه خيال القارئ، الذي يكون قد جاء لمواجهته والاختلاط به. وحتّى ندرك ذلك، قد نتصوّر حجرة نزل متواضعة في الرّيف، حيث يكون للنّوم مزيّة إنعاش أحلام كلّ أولئك الذين ناموا في تلك الحجرة قبل تأتي أنت، فكأنّي بك في تلك الحالة، قد توفّقت في إخراج ذاكرة الأجساد التي رقدت هناك، من الفراش، ومن الورق الملوّن الذي يغطّي الجدران، واسترجعت نظرات أولئك الذين تأمّلوها (وكان مارسيل بروست قد كتب في هذا الصّدد صفحة رائعة)، القراءة حجرة نؤمّها لنلتقي بداخلها الحياة ذاتها، حين نكون قد فقدنا كلّ علاماتنا، ومزجنا لِلحظةٍ أفكارنا بأفكار اولئك الكتّاب الغريبين عنّا. هكذا يكون التّواصل مع الكاتب، شيئا ما يشبه «المخالطة الحرّة»، مخالطة تفضي إلى حياة مكشوفة ومجرّدة، يَتساررُ فيها الكاتب والقارئ، وإن لم يتعارفوا، ولم ير أحد منهم الآخر من قبل.
وكما الكتّاب، فإنّ شخوص كتبهم.. هم أيضا مرافقون بالتبنّي، غير مرئيّين، بشكل يجعلك وأنت تفكّر في الكتب التي لم تقرأها بعد، تبحث عن شخصيّات، هي في مكان ما على قيد الانتظار، كي تتعرّف عليك، تصحبها حكاياتها وافكارها، ومشاعرها الخاصّة التي تنتظر الانكشاف لك، كيما تصبح حكاياتك وأفكارك ومشاعرك أنت. فالكتب التي لم نقرأها بعد، هي قصص حبّ لم نعشها بعد.

القراءة... قصّة حبّ
والقراءة هي أيضا قصّة حبّ. فكلّ منّا يؤثر بعض الكتب على كتب أخرى. فما الّذي قد يحملنا على ذلك يا ترى؟ لا نزال نجهل السبب. لعلّنا نؤثر تلك الكتب لأنّها تشبهنا، أو على العكس، لأنّها تختلف عنّا تمام الاختلاف. وبعض الكتب قد نتعلّق بها حدّ الجنون، وقد نخصّها بشغف استثنائيّ، كذلك كان حال جوليان غراك الذي أسرّ لنا أن رواية «الأحمر والأسود» لـ«ستندال»، كانت في مجال الأدب «حبّه الأوّل، حبّه المتوحّش.. السّاحر والاستثنائيّ» حتّى إنّه لم يكن ليرى عملا أدبيّا آخر قد ينافسها أو يضاهيها.
لذلك أرى أنّ القراءة تماثل الصّداقة الصّرفة الخالصة، طالما أنّها تخاطب أناسا غائبين، لتظلّ منزّهة عن كلّ إرباك قد يطالنا مع كائنات حقيقيّة نعرفها حقّ المعرفة. وبشكل مفارق إذن، تكون تلك العلاقة الشّفويّة.. الكلاميّة التي هي القراءة، صداقة بلا كلمات، مخلصة، أصيلة ونزيهة، تنشأ في طيّ الكتمان، وتبرعم في رحم الصّمت. وإنّه لمن الغريب حقّا أن يكون الكاتب قادرا على تخيّل تلك الوشائج الخفيّة التي تصله بأناس لم يلتقيهم، ولم يعرفهم، أناس يكونون أكثر دنوّا منه، من أولئك الذين عايشهم وعرفهم تمام المعرفة.

القراءة.. آصرة
تشكّل القراءة حينئذ أسلوبا غريبا من العلاقات. فهي تشدّ الكائنات بعضها ببعض، بطريقة ليست ببعيدة عن التحام المؤمنين عند أدائهم الصّلاة. وينتظر القارئ من الكاتب أن يُطلعه على بعض الأوجه المتخفّية من الحقيقة، أن يساعده كيما يَخبَر أسرار الحياة ويسيح في أغوار الذّات. فبروست مثلا، يروي بطريقة هزليّة كيف كان وهو طفل، يعشق «القبطان فراكاسّ».. حدّا، جعله يتمنّى أن تساعده قراءة كتب أخرى لتيوفيل غوتييه، على معرفة إن كان سيكون أوفر حظّا، للوصول إلى حقيقة إن كان سيرسب أم لا في السّنة السّادسة، نلمس هنا مثالا حيّا عن ذلك العقد الفريد من الثّقة الذي يصل الكاتب بالقارئ، وعن ذلك الحبّ الغامر الذي تولّده القراءة، حين يتماهى معها القارئ كليّا.
وتلك الآصرة، مهما كانت محتدمة، تظلّ وهما، ولكن من ذاك الوهم تستمدّ تحديدا قوّتها، فلأنّه لا يعرف الكاتب، يقبل القارئ بكلّ شغف على قراءة أعماله التي كتب. ويبدو لي أنّ الأمر سيّان بالنّسبة للكاتب، الذي لا يكتب حقيقة إلاّ بشرط عدم معرفته لقرّائه. وبمعنى ما، ينبغي له أن يتحدّث في الفراغ، أو على الأصحّ أن يقوم في عزلته بإيماءات باتّجاه بني جنسه الذين لا يعرفهم، كيما تتحقّق أعجوبة الخلق الأدبي. وتلك الأعجوبة تحديدا، تتمثّل في إرساء علاقة بين الكلمات، أو عبرها.. لتقريب الأشياء المتباعدة، التي بدون تلك الكلمات.. تظلّ مبعثرة. فالكتاب هو قصيّة علاقات، شبكة، مجموعة أوراق مُخيّطة مع بعضها البعض، نسجٌ لكلمات وجمل. وبهذا المعنى تكون الكتابة من البداية إلى النّهاية.. آصرة: آصرة بين الأشياء، آصرة بين الكلمات، علاقة بين الكاتب وقرّاء مجهولين، وبالنّهاية علاقة بين القرّاء والعالم الذي يكون الكاتب قد أبدعه، بل علاقة القرّاء بذواتهم عبر ذلك الوسيط الوثيق الذي هو الكتاب. ذلك أنّ مجموع تلك العلاقات، وبالنّظر إلى كونها تتعلّق بأشياء وكائنات غائبة، ولكونها لا تعدو كونها لغة، فهي لا تقيم بالنّهاية غير علاقة للذّات بالذّات. تلك هي الحقيقة بالنّسبة للكاتب الذي، وهو يتوجّه إلى أناس غرباء عنه، يكتشف في الكتابة ذاته، وتلك هي الحقيقة أيضا بالنّسبة للقارئ الذي، وهو يستنير في القراءة بتلك الأداة السّاحرة التي هي الكتاب، يكتشف حقيقة كينونته.

القراءة.. انتشاء
غالبا ما يدور الحديث عن سحر الكتابة، وجميعنا يعرف أنّ ذلك السّحر، مردّه إلى تلك الطّاقة العجيبة الكامنة في الكتاب، وفي قدرته المدهشة على نقلنا، على سطح ما يشبه السجّاد الطّائر أو المركبة العابرة للأزمان، من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان آخر مخالف. فالقراءة تهزّ خيالنا، تغيّبنا عن المكان الذي نطأ، وتذهلنا عن الزّمن الذي نعيش وما يحمله من محن وهموم. وتلك هي المفارقة الكبرى، فهذه الفعاليّة التي تجعلنا نبتعد عن العالم الحقيقي، هي التي تجعلنا في ذات الوقت نكتشفه ونتعرّف عليه، وهي إذ تنسينا من نحن حقيقة، تمكّننا من تطويع الأسرار المتخفّية فينا. وفضلا عن كونها ذهولا وتلهية، فالقراءة تدرّب وتعلّم، ولكنّ ذلك التعلّم مستمدّ من رحم التّلهية، كما لو أنّ دفاعاتنا واحتراساتنا، والحواجز التي نقيمها عادة أمام إدراكنا لجوهر الأشياء، قد أحبطت وانمزقت بفعل التّأثير السّحريّ والفريد للكتاب. فأقول إنّ القراءة تعلّمنا الكثير من الأشياء، ولكنّها تفعل ذلك دائما رغما عنّا.
إنّ تلك المعارف التي تمنحنا إيّاها الكتب هي قبل كلّ شيء انفتاح على عوالم أخرى، غالبا ما تكون متمنّعة عنّا. وقد قال روسكين: «بفضل الكتاب، يكون بإمكاننا أن ننعم مرّة في الحياة بامتياز إيقاف نظرة ملكة». وتلك القدرة، التي قد تقولون عنها إنّها غير قابلة للتحقّق، نراها في متناول السّينما، التي بواسطتها يمكن أن نلج أيضا عوالم سريّة وغامضة. ومن البلاهة حقّا أن نطعن في ذلك. غير أن سطوة وسحر القراءة، مقارنة بالسينما، تكمن في اقتصادها المذهل للوسائل: مجرّد علامات سوداء على ورق أبيض. فليس ثمّة من ممثّل لينتصب حاجزا بيننا والشّخصيّة التي يتقمّص. لا أحد يفرض علينا ملمحه حين نقرأ كتابا ما. كلّ شيء يدور في أذهاننا، وينتظم وفق شخصيّتنا الذّاتيّة. بل.. يحدث في السّينما أن نتناسى الشّخصيّة لفائدة الممثّل، وفي مثل هذه الحالة، لن تكون «مدام بوفاري» هي التي نشاهد، وإنّما.. هذه الممثّلة أو تلك، التي نعرف أنّها أدّت دورا في هذا الشّريط أو ذاك، أو أنّها متزوّجة من هذا المنتج أو ذاك، أو أنّها أصدرت لتوّها اسطوانة جديدة.. إلخ.. فيغدو خيالنا هكذا مشوّشا بكمّ هائل من الأشياء الثّانويّة، التي لا علاقة لها بالشّريط ذاته، والتي تضلّل أو تحرّف هكذا.. ظاهرة التّماهي مع الشّخصيّات ومعايشة انفعالاتها.

القراءة.. ذاكرة
لقد احتفى بروست بقراءات زمن الطّفولة، وهي ولا شكّ، ولكونها الأولى، أكثره القراءات إثارة. فكلّ منّا يستذكر أولى القصص التي طرقت مسمعه. وإذا كانت ذكراها تظلّ مؤثّرة، فذلك لأنّها كانت تجمع بين أربعة أشياء: حضور صوت أموميّ، طقوس النّوم، الاكتشاف التّدريجيّ للّغة، والانفلاتات الأولى للخيال نحو العوالم المجهولة. وقد نسمّي تلك الذّاكرة بذاكرة الفرح.
وقد لاحظ بروست خاصّة، أن تلك القراءات الأولى رسّبت بداخلنا، فضلا عن ذكرى تلك القصص والرّوايات، ذكري الأماكن والأيّام التي كنّا فيها نلقي السّمع كيما نتلقّفها. ويعني ذلك أنّ الكتب قد أدّت مهمّتها على الوجه الأكمل: لقد قامت بإغوائنا لتمّحي بعد ذلك أمام ما هو أكثر نفاسة منها: الحياة. لقد مثّلت لحظات من سعادة غامرة ما فتئ محتواها ينطوي في ذكرى الظّروف التي أحاطت بها، أو بالأحرى، الظّروف المحيطة بها تلك، هي التي اندمجت بمحتواها. فلو أخرجتُ من الغرفة العلويّة إحدى القصص القديمة التي كانت تقرأها لي أمّي أيّام طفولتي، فليست ذكرى القصّة التي كنت أسمع، هي التي سوف تعود إلى ذاكرتي، وإنّما ذكرى أمّي.
هكذا.. يجوز لنا القول أنّ القراءة تثبّت الطّفولة. فهي تنقذ جزءا من تلك الطّفولة، وتجعل ذلك الجزء منطبعا في الذّاكرة. إنّ الأماكن التي كنّا نتردّد عليها، البيوت التي عمرتها أنفاسنا، الغرف التي كنّا نستسلم فيها للنّوم، لم تكن لتنطبع في ذاكرتنا لولا ذكرى الكتب المرتبطة بها. ومرّة أخرى، تلك انعطافة بالذّاكرة، أي بما لا وجود له، ويوثق علاقتنا بالواقعيّ، فينقذه أو يعمل على تحقيقه.
القراءة هي إذن تلك التعويذة التي عوض أن تجعلنا ننغلق على ذواتنا، تحملنا على أن ننفتح علي شيء ما آخر، غير ذواتنا.. إنّها شكل من التمدّد والرّحابة.

القراءة.. تمدّد ورحابة
يمكن أن نعرّف القراءة اعتمادا على صورة زهرة جافّة تستعيد الحياة كلّما تعهّدناها بالريّ، فجعلناها تنهض وتربو، أو على زهرة ورقيّة مطويّة تنفتح وتتمدّد وتزول طيّاتها متى أودعناها الماء.
لأنّ الكتاب هو قبل شيء مجلّد مغلق، يُبسط ويُلفّ ويُنضّد، وتلك هي حقيقته الماديّة، كما هي حياته الخياليّة، فالصّفحة المطبوعة فضاء ضيّق، متقشّف، منفّر أحيانا من حيث المظهر، ولكنّه يتمدّد بصورة غريبة في الذّهن، متى تناولنا بالقراءة تلك الصّفحة. فالأمر يتعلّق إذن بظاهرة تمدّد غريبة، وتحويل لطبيعة الصّفحة المطبوعة. لو نظرتم إلى شخص ما وهو يقرأ، سوف تلاحظون أنّه، وهو في حالة تركيز قصوى، لا يعبأ بما يدور حوله، وكلّ اهتمامه منصبّ على سلسلة متوالية من أسطر سوداء صغيرة الحجم. ولكنّ ما يدور في ذهن ذلك القارئ.. هو تماما عكس ما يوحي به مظهره: سفر عبر المكان والزّمان، استدعاء للحواسّ والمشاعر، حياة نابضة بالانفعالات، ولكن غير منظورة. فثمّة في القراءة شيء من البهجة، مردّها ولا شكّ إلى التّعارض الشّديد بين بساطة الأداة وقوّة الإيحاء. فالقارئ هو ذلك الإنسان الذي يفكّ طيّات باطنه ويستكشف مكامن السرّ فيه فيغتبط لذلك، دون جهد قد يتجسّد على ملامح الوجه.
ولأنّ القراءة تمدّد، فهي أيضا ترجمة، إذ إنّها تساعد القارئ على تفصيل الأشياء وترجمة العلامات والمشاهد، شأنها في ذلك شأن الكتابة التي تنظر في تفاصيل العالم، وتعمل على ترجمتها. حينئذ، أن نقرأ، فإنّ ذلك يعني أن نتملّك الإحساس بالجزئيّ، وأن نخرجه من حالة الاكتناز والرّكود.
هذا التمدّد الذي يسمح به الكتاب قد ننظر إليه على أنّه قراءات مندغمة، إذ نحن لا نقرأ فحسب الكتب التي بين أيدينا، ولأنّ قراءة الكاتب للعالم، لا تتراكب مع قراءة المتلقّي للكتاب. وذلك الإدغام للقراءات هو في الآن نفسه إدغام للكتابات، طالما أنّ الكاتب هو أيضا إنسان قرأ وأحبّ الكتب، كما أشار إلى ذلك كلود سيمون: «إنّ الرّغبة في الكتابة التي يثيرها الافتتان بالأشياء، هي التي تصنع الكاتب». كما لو أنّ القارئ، وفيما يُعمل فكره أو خياله الخاصّ، يغدو عضوا في زمرة الكتّاب لمحبّته الكتب.

القراءة.. كتابة حرّة
إذن.. سأذهب إلى حدّ القول.. إنّ القراءة هي في حدّ ذاتها كتابة. فروح خيال القارئ تمثّل حقيقة فِعلُ كتابةٍ داخليّة متناسقة في ذهنه مع تلك التي أبدعها الكاتب. والقارئ، على حدّ قول سارتر، لا يقتصر فحسب غلى تفكيك رموز ما يقرأ، وإنّما يغدو مبدعا هو الآخر. والكتابة هي بالفعل إبداع، رماية وإعادة تركيب ذاتيّة. وبالنّسبة لكلّ منّا، الكلمات لها حكاياتها المختلفة، إنّها تعيدنا إلى حقائق متباينة، وتحمل بصمة فَهْم وتجارب متفرّدة تمام التفرّد. وفضلا عن ذلك، فلكلّ منّا طريقته في تركيب الكلام، أي أسلوبه الذّاتيّ في صياغة الصّور والأفكار وفق إيقاعه الخاصّ.
ومرّة أخرى، ليست لنا تلك الحريّة في السّينما، ففي السّينما، أرني أنقادُ من أطراف الشّريط إلى أطرافه بتتابع تصاميم المشاهد واللّقطات، وليس بإمكاني المغادرة، كما أنه ليس بوسعي أن أدع فكري يتيه في تعرّجاته الذّاتيّة، كما لا خيار لي في إضافة فصول حالمة للحكاية. والشّريط.. إن كان ناجحا، يسلبني لا محالة من نفسي ويشدّني إليه، فللشّريط السينمائيّ ما يشبه السّطوة الاستبداديّة. وثمّة من أشار إلى هذا التّعارض بين حريّة القراءة و«الاستبداد اللّزج» للصّورة المنمّطة للجميع. وللصّورة بالفعل بعدا أحاديّا، يفرض ببداهته نفسه على العين. الصّورة موهوبة كي نتأمّلها لا كي نناقشها، لأنّها تُظهر ما تريد إظهاره، وتُخفي ما تريد إخفاءه. وكان فلوبير يقول: «إنّ امرأة مرسومة لا تعدو كونها امرأة، وهذا كلّ ما في الأمر. فتغدو فكرة عن المرأة هكذا.. منغلقة ونهائيّة، وتغدو كلّ الكلمات في وصفها بلا جدوى، بينما تحفزك المرأة المكتوبة إلى الحلم بألف امرأة».
ومن هنا، فإنّ قيمة القراءة، التي هي مُصَاحَبَةٌ، ترتبط وبشكل مفارق بحالة العزلة التي تغشانا حين نقرأ. فنحن لا نكون في حضرة الكائنات التي نقرأ حكايتها، ولا الأشياء أو العوالم الموهوبة لنا، فنظلّ أحرارا في نبضنا الذّاتيّ وفي أفكارنا.
وخصوبة القراءة ذاتها تكمن تحديدا في تلك الحريّة، التي لا تدمّرها القراءة بقدر ما تنمّيها، طالما أنّها تستفزّ كلّ ملكاتنا الفكريّة، كما يؤكّد على ذلك جان بول سارتر: «الكاتب يكتب ليخاطب حريّة القرّاء، وبذلك يضمن لعمله أسباب الوجود». وهكذا يَمْنَح كائنان لا يعرف أحدهما الآخر.. الحياة لبعضهما البعض: فللقارئ دور في وجود الكاتب، الذي من جهته يساعد القارئ كيما يتعرّف على نفسه ويعيش بطريقة أفضل.

القراءة.. اكتشاف للذّات
ينبغي لنا التوقّف هنا عند الكلمة الشّهيرة لبروست: «الحقيقة أن كلّ قارئ، حين يقرأ، يغدو قارئا لذاته»، فعمل الكاتب عبارة عن عدسة بصريّة، يمنحها ذلك الكاتب للقارئ، كيما يميّز بها ما يجعله يبصر زوايا من ذاته، والتي لولا الكتاب، لم يكن ليهتدي إليها.
ولتجسيم هذه الفكرة بصورة أخرى مغايرة، سوف أقول أنّ كلّ كتاب.. لحاءٌ، وأنّ القرّاء هم على التّوالي الشّجرة. والقارئ وحده هو الذي يعيد للشّجرة الحياة من تحت اللّحاء، أمّا القراءة فهي النّسغ الذي منه تقتات تلك الشّجرة.
تعني كلمة «ليبر» في اللّغة اللاّتينيّة كتاب و.. لحاء، وقد يفسّر ذاك بكون الإنسان في القديم كان يكتب على لحاء بعض الأشجار، ولكنّ كلمة «ليبر» تعني أيضا «حرّ»، «طفل» و«خمرة»: لتكن قراءتنا إذن.. شرابا يمنح القوّة والانتشاء والطفولة والانعتاق. ويأتي ذلك الشّراب الذي يجلب الحبّ، ليعيد الثّقة في مثاليّة اللّغة. وتلك المثاليّة التي ننشد، والتي ننزعج حين لا نجدها في أيّ مكان، الكتب هي التي تمنحنا إيّاها بكلّ سخاء، بالنّظر إلى ما تزخر به من جمال متجدّد ونفاسة وثراء. ألسنا ننتظر منها دائما أن تمنحنا سرّ حياتنا، أو على الأقلّ أن نظفر منها بالدّبيب الخفيّ لما يعتمل في سرّنا؟
هكذا، وكما يُلمح بروست إلى ذلك، فإنّ فرادة الكتب تكمن في كونها «تمنحنا رغبات متجدّدة». لذلك فإنّ ما يعتبره الكاتب نهاية، يغدو عند القارئ إيحاء، وما يعتبره ختاما، يصبح لدى القارئ استهلالا، وما يظنّ أنّه هروبا يكون في الحقيقة.. لقاء.
وما أجمل ما سطره مونتاني في هذا الصّدد: «لا ينبغي أن نرافق الطفل في القراءة كما لو كنّا نعبّئ مزهريّة، وإنّما ينبغي أن ينتابنا، ونحن نصحبه، إحساس بأنّنا نشعل نارا».
لا أريد أن أختم هذا الاحتفاء دون التّذكير بحرص الكتّاب على الاحتفاء بالحياة، التي تبدو لهم دائما أفضل من الجمال الذي يبدعون. فنرى جِيدْ مثلا ينتقد في «المزوّرون» إحدى شخصيّاته، قائلا: «لقد قرأ الكثير وحفظ الكثير، وتعلّم من الحياة أكثر ممّا تعلّمه من الكتب». أو مثلا في «أقوات أرضيّة» قوله ما معناه: «لا تكفيني كتابة أنّ رمال الشّواطئ ناعمة، أريد أن أشعر بها كذلك وأنا أجوسها».
أيعني ذلك أنّنا قد نفقد في الإقبال على الكتب.. نكهة الحياة؟ لا أظنّ ذلك، فالكتب هي تلك الأدوات البسيطة والطيّعة التي لا تريد، وبعد أن تكون قد استوفت مهمّتها، غير الامّحاء أمام الحياة ذاتها، التي منحتنا القدرة على رؤيتها على وجه أفضل. فهي تأتي مستجيبة لحاجة منطوية ومتطلبة فينا، وهي لا تكون إلاّ كما أردنا لها أن تكون.
كما أنّني لا أعتقد أنّنا بحاجة إلى تمضية كلّ حياتنا في المكتبات. بل على العكس من ذلك، أرى أنّ الموقف الأكثر صوابا هو أن نتردّد بين الدّاخل والخارج، بين الحياة الواقعيّة، والحياة الحالمة، بين حدّ الأشياء وحدّ الكلمات، بين تجربتنا في الحياة وفهمنا لها. كان بول فاليري يقول «قُدّ كلّ إنسان من بيت ونحلة»، وإنّي لأجد هذه الصّورة رائعة، لأنّها تشير إلى حركيّة الإنسان وحاجته إلى الاستقرار، وإلى العمل والانطواء على الذّات. وما أشبه خفقان الحياة هذا بخفقان القلب..


اقرأ أيضا