الاتحاد

الملحق الثقافي

غواية بروميثيوس الخالدة

أسطورة بروميثيوس بريشة مايكل أنجلو (أرشيفية)

أسطورة بروميثيوس بريشة مايكل أنجلو (أرشيفية)

الاتحاد الثقافي - إيهاب الملاح - القاهرة

في الستينيات من القرن الماضي، أصدرت دار المعارف المصرية بمناسبة مرور 20 سنة على ظهور سلسلة (اقرأ) الجماهيرية الشهيرة كتابًا لطيفًا صغير الحجم يقع في 144 صفحة من القطع الصغير، كان يوزع هدية لقراء دار المعارف بالمجان، وكان عنوانه «لماذا نقرأ؟» وبعنوان فرعي «لطائفة من المفكرين». ولا شيء آخر يدل على محتوى الكتاب باستثناء إشارة العنوان.

جاءت مقدمة هذا الكتاب الصغير تحت عنوان (مني إليك: الكلمة المكتوبة وحرية الالتزام) كتبها على الأرجح محرر دار المعارف آنذاك الأستاذ عادل الغضبان، وجاء فيها: «نقدم لك في هذا الكتاب فصولاً عن القراءة كتبها لك صفوة من القارئين والمفكرين، تحمل عصارات من انطباعاتهم وخبراتهم، وتهيئ لك فرصة أحسن لإنفاق وقتك في قراءة أنفع. إنني أهدي هذا الكتاب إليك، وأرجو أن يبقى في مكتبتك، بعد أن تقرأه، دليلاً على حبك للقراءة، وشاهداً على أن دار المعارف تتقيد في التعامل معك بمبدأ الحرية والالتزام».
وكانت المفاجأة التي حملها هذا الكتاب الصغير إلى قارئه، أنه وجد أمامه وجهاً لوجه أسماء: طه حسين، عباس محمود العقاد، حسين فوزي، السعيد مصطفى السعيد، السيد أبو النجا، عادل الغضبان، جمال الدين العطيفي، إسماعيل صبري عبد الله، وأخيرا حلمي مراد.. كل هؤلاء يسجلون في هذا الكتاب الصغير بعضًا من ذكرياتهم عن تجربتهم مع القراءة، ويقدمون مادة غاية في الروعة والمتعة والإدهاش، لا يمكن بأي حال أن يطالعه شخص في مستهل الطريق أو يتصل بالكتاب والثقافة بسببٍ من الأسباب ولا يكتسب منه قوة دفع هائلة وطاقة إيجابية غير مسبوقة تحرضه على القراءة وتجعله شغوفاً بها، راغباً فيها، محباً لها.

أعلام في كتاب واحد
اجتمع كل هؤلاء الكبار من أعلام النهضة وصناع الثقافة العربية في القرن العشرين في مُؤلَّفٍ واحد، يخاطبون القارئ مباشرة ومن دون وسيط ليجيبوه عن السؤال الخالد: لماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وما هي السبل والوسائل التي تيسر لنا ذلك؟
قام هؤلاء الأعلام بعرض خلاصة تجربتهم في القراءة، كيف كانت، ومن أين بدأت الرحلة وإلى أين صارت، ماذا أحبوا من كتب وكيف تشكلت وتكونت النواة المعرفية التي انطلقوا منها، كل في مجاله، ليكونوا بعد ذلك هؤلاء المثقفين العظام، يطرحون وجهات نظرهم، وماذا تعني لهم القراءة، وكيف شكلت لهم خبرة حياة بأكملها.
ويسير هذا الكتاب اللطيف على هذا المنوال، يتناول كل منهم موضوع القراءة من مدخل مختلف، فمنهم من سجل ذكريات وانطباعات ذاتية، ومنهم من حكى عن القراءة والعلوم والثقافة العلمية، وبعضهم تحدث عن خبرة الترجمة كأحد أشكال القراءة المنتجة، وآخر رأى القراءة عملية حسابية بالأرقام، ويأتي واحد منهم ليقدم «روشتة» مبهجة وشهية تحفز على القراءة وتفتح الطريق وتثير الخيال.

القراءة.. زاد الشعب
من كان يتصور أن في هذا الكتاب سيواجه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وجهاً لوجه، يحكي عن تجربته مع القراءة أو «زاد الشعب» كما أطلق عليها، وهو الذي يقول أيضاً في الكتاب «ما نعرف شيئاً يحقق للإنسان تفكيره وتعبيره ومدنيته كالقراءة».
وسيفاجأ القارئ بأنه أمام العملاق عباس محمود العقاد، يجيبه عن السؤال «لماذا هويتُ القراءة؟»، ويكشف له عن أسرار طفولته وبداية تعلقه بالقراءة وشغفه بها في كتابة جميلة ممتعة، صادقة وعارمة بالتفكير والخبرة والفائدة.
أيضا، في هذا الكتاب الممتع، سيروي الفنان والمثقف الكبير حسين فوزي الشهير بـ «سندباد» عن ما توصل له بشأن القراءة التي لخصها في جملة واحدة «القراءة فن»، وسيكتب الرائد الشامي الكبير عادل الغضبان عن «الكتاب»، وكان الغضبان «شعلة النور والنار» في دار المعارف وأحد أعمدة نهضتها الكبار، ربما كان الغضبان أول من مارس مهنة «المحرر الأدبي» لدار نشر بمعناها الحرفي المعاصر، في ذلك الزمن البعيد.
وتحت عنوان «لماذا نقرأ وكيف؟» سيطالع القارئ مقالاً إرشادياً بديعاً، كتبه الرائع حلمي مراد، من صناع ثقافتنا المصرية المجهولين، وصاحب سلسلة «كتابي» التي وفرت معرفة أولى وممتازة بروائع الفكر الإنساني عبر العصور، وقدم ترجمات ناصعة لعيون الأدب العالمي منذ عصر الإغريق وحتى القرن العشرين.
سيطالع القارئ أيضًا في هذا الكتاب مقال الدكتور إسماعيل صبري عبد الله عن «القراءة والعلم» الذي طرح فيه مجموعة من الإشكاليات الحضارية والعلمية المرتبطة بالقراءة، مما جعل من مقاله «بحثاً» ممتعاً، درساً رائعاً في ربط الفنون الإنسانية بالعلوم الطبيعية. وستجد ما كتبه أحدهم من أن «القراءة حياة عقاقير الروح وغذاء النفس وطب العقول، ومهما أوتي الإنسان من عبقرية فقد تجف نضارتها فيه إن لم يتعهدها بري القراءة».

قرّاء مختلفون
كان هؤلاء الرواد، بلا أدنى شك، تنويريين من طراز فريد، يشكلون كتيبة رائعة من حملة المشاعل وسراق النار، كانوا يقرأون ليفهموا أنفسهم أولاً والعالم ثانياً، ومن ثم يستطيعون أن يقدروا موقعنا من هذا العالم، ماذا نحن فاعلون؟ ماذا يمكن أن نقدم للبشرية مثلما قدم الآخرون؟ اختط كل منهم طريقه، حسب رؤيته ومجال تخصصه، والدوائر التي يمكن أن يمارسوا فيها أدوراهم التنويرية، بدءاً من قاعات الدروس داخل أسوار الجامعة، يعلمون طلابهم ويغرسون فيهم بذرة السؤال وجرثومة المعرفة، وليس انتهاء بالكتابة على صفحات الجرائد والمجلات.
لكنهم في الوقت ذاته، كانوا يعون جيدًا أن هذا ليس كافياً، كانوا ضد الدوائر المغلقة، آمنوا بأن المعرفة حق للجميع، وأن دورهم الأول والأساسي هو «التثقيف»، الوصول إلى الناس لا التعالي عليهم واحتقارهم، الارتقاء بملكاتهم وقدراتهم وتوسيع مجال استجابتهم لكل أنواع العلوم والثقافات والفنون والآداب.
لن تجد واحدًا من الأسماء التي ذكرتها أو لم أذكرها في هذه الفترة لم يتوجه لقارئ مفترض، يبحث عنه مثلما يبحث هو الآخر عنه، كتبوا في كل المجالات والفروع بقدر ما تسنى لكل منهم من معرفة وتحصيل، لكنهم دائماً لم يغفلوا حق الذين يرتقون الدرجات الأولى على سلم المعرفة، يضعونهم نصب أعينهم، يبحثون عن الوسائل والوسائط المناسبة للتواصل معهم.
طه حسين، مثلاً، في عشراتٍ من كتبه كان مهمومًا بهذه الغاية الرفيعة «التعليم» و»التثقيف»، تيسير المعرفة لراغبيها، السعي لمشاركة القراء كل جديد مفيد وممتع، تجد هذا في كتابه «ألوان»، مثلاً، الذي جمع فيه افتتاحياته لمجلة «الكاتب المصري» حينما كان رئيسًا لتحريرها في الفترة من 1945 وحتى 1948، مائدة حافلة بأشهى الأطعمة، كتبَ عن ابن حزم الأندلسي، كما كتب عن ستندال، وقارن بين كتابيهما الرائعين «طوق الحمامة» للأول و«الأحمر والأسود» للثاني، جنبًا إلى جنب مع ما كتبه عن «فولتير» و»بول فاليري»، مثلما كتب أيضًا عن «أندريه جيد» و»كافكا»، والأدب الأميركي والفرنسي والألماني..
وللعقاد عشرات من الكتب التي توجه بها إلى هذا القارئ المحتمل، «القارئ» الذي يبحث عن المتعة والفائدة، ونظرةٌ إلى عينةٍ من هذه الكتب ستعرف كيف كان العقاد يستميل القراء: «سيرة قلم»، «أنا»، «ساعات بين الكتب»، «الفصول»، «رجال عرفتهم»، «يسألونك»، «يوميات».. إلخ
ولم يفارق محمد حسين هيكل هذه الدائرة كما ترى في كتابيه «في أوقات الفراغ»، و«الشرق الجديد». وجمع الرائد النهضوي الكبير أحمد أمين، بدوره، مقالاته الافتتاحية لمجلة «الثقافة» العريقة» التي كان يرأس تحريرها طيلة عشرين عاماً في كتابه الباذخ ذي الأجزاء العشرة «فيض الخاطر»، وهو عبارة عن سياحات رائعة وعميقة في موضوعات شتى ومتنوعة، في الأدب والتراث والفلسفة والدين والتاريخ، كتب عن شخصيات قديمة وأخرى معاصرة للمؤلف، عن كتّاب ومؤلفين، شيوخ وأفندية ومستشرقين، عن الأزهر والجامعة المصرية، عن التعليم والقراءة والكتابة وإشكاليات النهضة.. إلخ. (كانت «الثقافة»، واحدة من أهم المجلات الثقافية التي كانت تصدر في النصف الأول من القرن العشرين، ولعبت دوراً رائدًا مع نظيرتها «الرسالة» في إشاعة النور ونشر المعرفة وإخراج أجيال من كبار الكتاب في الأدب والفن والعلوم والإنسانيات).
كل هؤلاء أدركوا ببساطة أن الثقافة ليست فقط في أن تعرف، الثقافة هي أن تصبح أفضل لأنك تعرف، أن نتفاعل مع الأفكار لا أن نحفظها، فالكمبيوتر يحفظ ملايين الملايين من المعلومات، لكنه يبقى في النهاية جهازاً أصم من صنع الإنسان! وأدركوا أيضاً أن لا ثقافة بلا قراءة، بلا معرفة، وهل هناك هدية أعظم من أن تهدي الباحثين عن المعرفة قبسًا من نور، وشعلةً من نار؟ أن تمنحهم شعلة برومثيوس الخالدة، سارق النار في الأسطورة الإغريقية الذي عاقبته الآلهة بسبب ما فعل، دفع حياته ثمناً لكي نعرف، تضحية غالية، ولكنها تستحق، مغامرة مجنونة، ولكن لولاها ما كانت الحضارة.

صديق العمر
هكذا أهدتْ دارُ المعارف لقارئها، كعادتها في ذلك الزمن الجميل، هديةً حقيقية، ووضعت بين يديه سجلا وافياً لذكريات هؤلاء الكبار مع خبرة القراءة وآرائهم عنها، لحظة التعرف الأولى، الاكتشاف الأول، لذة التفتح على المعرفة بعشق، عقد الصداقة الذي لم ينقطع والعهد السرمدي المتجدد بينهم وبين الكتاب «صديق» العمر.

اقرأ أيضا