الاتحاد

الملحق الثقافي

مطالعة العالم

صحيح أن هناك أشكالاً عديدة لقراءة العالم لكن لا ينبغي التساهل مع تواري القراءة (أرشيفية)

صحيح أن هناك أشكالاً عديدة لقراءة العالم لكن لا ينبغي التساهل مع تواري القراءة (أرشيفية)

نص: ستيفانو آليافي
ترجمة - عز الدين عناية

هل بوِسع المرء متابعة القراءة بشغف في عالمنا الراهن؟ يبدو السؤال على صلة وثيقة بسؤال آخر، هل الأمر متيسّر لقراءة العالم المعاصر؟ وهل القراءة هي الشكل الأمثل لإتيان ذلك؟ أو هل هي السبيل الأجدى نحو ذلك المقصد؟
المعطى الأول المتاح صياغته هو تجريبي. إذ بالنسبة إلى جيلي الذي شارف على منتصف العمر أو جاوز ذلك بقليل، فقد مثّلت القراءة الوسيلة الرئيسة لاكتشاف العالم والانفتاح على خفاياه، بوصفها أداة لا غنى عنها. وبالتأكيد، كنّا الجيل الذي اكتشف أبعادا وأذواقا أخرى على غرار الترحال؛ والفرار من الأدوار الملزمة؛ واكتشاف وقائع أخرى عبْر تعاطي الأوهام والانفتاح على عوالم جديدة مغرية؛ وخلق عوالم جديدة -أو محاولة إتيان ذلك أو توهمه- عبر نسج علاقات على أساس الالتزام السياسي والاجتماعي. لكن في النهاية، تمثّل القراءة جوهر تلك التجارب، والتي تصوغها، في مجمل الحالات، مرجعية عليا، أو إمكانية التبادل مع آخرين أشكال رمزية.
ولتوصيف التداخل المركَّب الذي ينبني عليه الترابط بين التجربة والقراءة، بين الواقع الفعلي والواقع الحاضر عبر صفحات الكتاب، أستعيرُ صورة مشهدية من الكاتب أليساندرو باريكو. ففي أحد برامجه التلفزيونية الرائعة التي يتولى الإشراف عليها والمعنون بـ«بيكويك» وهو ما يتناول موضوع القراءة، ينطلق باريكو في تقديمه بعرضٍ صورة رجل يستقل قطارا، يتملى من خلف النافذة، ويتأمل في المشهد الذي يتراءى أمام ناظريه، ثم يفتح كتابا، ويغرق في القراءة، في مشهد آخر يشرّع من خلاله نافذة مغايرة على العالم.
كان الكتاب والقراءة دائما هكذا بالنسبة إليّ وبالنسبة إلى كثيرين، ولا زالا هكذا على تلك الشاكلة. ولكن هل بالضرورة ما زال الأمر على حاله؟ هل ما زال هذا الشكل المحبَّذ لقراءة العالم، والتوغل في أدغاله والتمعن في أسراره؟ من خلال رصْد تحولات المعرفة اليوم ثمة شكوك عديدة تنتابني.
لنحاول التملّي في ذلك، انطلاقا من معطى تجريبي آخر. مع ذلك الجيل الذي يقلّ عن عشرين سنة اليوم أو أدنى بقليل (ولداي على سبيل المثال، اللذان يبلغان 15 و 12 سنة). فقد نشأ هذا الجيل في العالم الرقمي، في حين نحن، بوصفنا مهاجرين للعالم الرقمي، وطارئين على هذا العالم، نحافظ دائما على هواجس الفزع والريبة منه. إذ بالنسبة إليهم القراءة في شكلها التقليدي هي ممارسة إضافية، وليست في جوهر اهتماماتهم. إذ ليس الشكلُ المثالي للولوج إلى عوالم أخرى تصفّحَ كتاب؛ بل هو تشغيل الحاسوب والإبحار عبر شبكة التواصل الاجتماعي، لكن من هذا المأتى فهمْ معنيون بقراءة رؤى الآخرين، رسائلهم، والروابط التي ترسل إليهم؛ بل أيضا المشاهدة والاستماع، وربما عبْر اليوتيوب، عبر تجربة حسية أكثر إغراء، مثيرة ومقنعة. لكن من هناك يطلّ التحوّل نحو كتاب أو فصل من كتاب، أو نحو مقولة مستوحاة منه، وهذا ما يحدث أحيانا، يكون ذلك غالبا عبر مقتطفات، وبقراءات جانبية، عبر آليات تلك الروابط. والمقتطف من ذلك الكتاب هو عادة أكثر عرضة للتحوير والتزوير من نص مطول ومعقّد. أوردتُ ذلك، عِلماً أن ولديَّ يطالعان كتبا أيضا، وإن كانت أقلّ عددا مما كنت أطالعه وأنا في سنّ تضاهي سنّيهما، حيث ما كانت تتوافر لي كافة وسائل الاتصال بالعالم تلك. فهذه الآلية على صلة وثيقة بمسألة أخرى: أشكال عرض الآفاق، والارتطام بهذا العالم. وكنتاج لذلك، ففي شغلي كأستاذ جامعي خلصت إلى النتيجة التالية، أنه بشكل عام وبالنسبة إلى شقّ وافر من طلابي ولدى مجمل الشبان ينقسم التاريخ دائما إلى قسمين: ما قبل التاريخ، وهو بشكل ما مختلف عن غيره، وبالتالي تتعذّر الإحاطة به، أي كل ما حدث قبل مولدهم؛ والتاريخ أو بشكل أفضل تاريخي، أو تاريخي الشخصي، التاريخ الشخصي لكل فرد، وهو ما يمكن أن أعرفه بدقة وبمقدوري اختباره لأنه متأسس على الخبرة الشخصية. في حين الماضي مع أنه بالغ الأهمية فهو عسير الفهم من جانبي (وعادة هو على تلك الشاكلة: إحساس بالتغير بشكل متسارع، وبالتالي ليس ثمة تناقل وليس ثمة تجربة للمعرفة، هناك فقط التجدد وليد ذلك التجدد المسبق، فله العديد من المبررات لفهمه على تلك الشاكلة). أما الحاضر فهو العنصر الأكثر إثارة لدواع كثيرة، بل أيضا لأننا نتصور أن فيه فحسب يمكن أن نكسب تكريما شخصيا. في حين المستقبل فهو دائما شيء بعيد، ظرفي، ومتعذر الإدراك وغير منتظَر ومداهمٌ بشكل فاجع. ليس شيئا بمقدور الإنسان السوي أن يستثمر فيه طواعية، حيث نفعل ذلك بدافع الضرورة وليس بدافع الرغبة حقا في خوض غمار ذلك.
فقد ساقتنا القراءة في شكلها الفكري، وِفق الخطاب العلمي والتأمل الفلسفي، بشكل فظيع نحو سياق متطور من التحرر ومن التجريد المحض. أولوية طبيعية إنسانية للتفكير في الكائن، ذلك ما يلخّصه ديكارت في الكوجيتو «أنا أفكر إذن أنا موجود». مقولة رددناها على مدى قرون، وقد قادت الغرب إلى نتائج قصوى وإلى التشظي المغالي، وهو ما نكتشفه اليوم بفظاعة أنه تكلّفٌ بذيء للنتائج المجتاحة. لأننا نتاج علاقات وبالخصوص علاقات مروية، فعبْر الرواية نتلاقى. إن كان صحيحا أن «الواسطة هي الرسالة»، فبدون شك أنه برغم حجم الزيف السائد، بدءا بزيف الهوية والأسماء المستعارة، فإن وسائل الاتصال الرقمي تجسّد رسالة علائقية وروائية، وهذا ليس عيْبا. بالإضافة إلى ذلك، ففي ما يتعلق بالزيف، لا يخلو الكتاب أيضا من ذلك. وبالتأكيد، في وسائل الاتصال الرقمي وفي وسائل الاتصال الاجتماعي تفقد اللغة ثراءها، لكنها تنفتح بشكل متطور على التجربة والتفاعل، وهو ما يغدو شكلا جديدا لقراءة العالم.
هل من المتيسر الاشتغال، وبمنأى عن تأثير عديد الأشياء، على التفاعل بين القراءة والتجربة؟ في درس أقدّمه للطلاب منذ سنوات في قسم الإجازة المتخصصة بعنوان «العولمة والتعددية الثقافية»، أحضّ طلابي للاطلاع على المؤلفات، ونناقشها سويا أثناء الدرس، فهم ليسوا مطالبين بتلخيصها، بل ينبغي عليهم تجسيدها وعرضها، عرضها على لسان مؤلفها، والتدخل بما يعني تجسيد الأطروحات المتضمنة في الكتاب، وليس بمثابة تبنّي مضامينها. ليس ذلك ثورة، لكن في نهاية الدرس يكون الواحد منهم قد طالع كتابين، لكن الجميع لم يستمعوا فقط بل «شاهدوا» نقاش ثلاثين كتابا هاما، وهو ما يمثل بعض النقاط المتقدمة من التأمل بشأن الموضوع المتطرَّق إليه.
وكما هو جلي، ابتكار أي نوع من وسائل الاتصال الجديدة أو أي تقنية معرفية مبتكرة، معناه دائما بالنسبة للأبوكاليبسيين التمهيد لتواري السابق، وفي مجمل الحالات يقود ذلك نحو تعددية هائلة لوسائل الإعلام، وليس إلى تعويضها جراء الموجات المتلاحقة. فالصحيفة لم تقتل الكتاب، والراديو لم يغيّب الصحيفة، والتلفزيون لم يلغ الراديو، والحاسوب لم يعوض أيا مما سبق، حيث نبدأ بالتدرج باستيعابها، من خلال المحافظة عليها أو جعلها مرئية واختبار التعددية والتنوع. وبالطبع، أسطوانة «لونغ بلاي»، تقريبا انقرضت، وقد حلّت محلها الأسطوانة المضغوطة. وهذه الأخيرة بدورها قد عوضتها الملفات الصوتية «إم بي3». ولكن هذه تغيرات تقنية محضة، كشأن تركيب محرك في عربة وتحويلها إلى سيارة: لكن تعددية التجارب تم الحفاظ عليها. والتي تشمل قيادة عربة تجرها الخيول مع الإصغاء إلى جهاز «لونغ بلاي» (LP).
الابتكار الأخير ذلك هو ما يسمح لنا بقراءة الكتب على شاكلة إلكترونية، لكن بشكل محمول، وبما يشبه الكتاب: «الكيندل» مرتبط بأمازون، والآي باد. إنها تجربة جديدة يعوزها اللمس المعهود لدِفّتيْ الكتاب. ولكن لو تخلّينا عن بعض الرومانسية، فإن «الكيندل» بسعر مائة يورو قادرٌ على تخزين 2500 كتاب، أكتشف أنه بأربع أو خمس مائة يورو بإمكاني تخزين كافة مقتنيات مكتبتي، فأدخر المحل وسعر المكتبة والرفوف، ولا ألقي بأي من كتبي القديمة، مع ذلك أواصل شراء الكتب الورقية، وعلاوة على ذلك أعرف أن خطّ سطر إلكتروني، على خلاف خطّ سطر بقلم الرصاص، قادر على أن يبقي في الذاكرة كافة إشاراتي وكافة تعليقاتي. غير أن هذا لا يجعل مني عالما، ما لم تكن تلك المعرفة مخزَّنة في الذاكرة ومستبطَنة، ولنقلْ مجترّة طويلا داخلي. ولكن المستعمِل أكثر خفة وأكثر سعادة، وبالتأكيد أكثر أريحية. ليس لغرض التحمّس الساذج للتقنية وليس للقيام بدعاية للبضاعة، أودُّ فقط التأكيد على عنصريْ الانتشار وديمقراطية المعرفة اللذين تجسدهما هذه التقنيات. وعلاوة على ذلك، الاستعاضة بأداة زهيدة نوعا عن أداة أخرى خاصة بالأثرياء والمتمثلة في المكتبات الخاصة، التي حين يراها المدعو لا يتمالك نفسه أمامها ويتملّكه الانبهار.
والحديث عن المكتبات يستدرجني نحو ذوق نمطي للقارئ المثقف للكتب. فبفضل التقنية الجديدة يفقد كلّ ذلك بهرجه. الفكرة التي تراودني مستوحاة من قولة لمارغريت يوشينار: «الحيزُ الوطني هو حيث نلقي نظرة واعية على الذات: لقد كان وطني الأول الكتاب». اليوم لا زال لذلك دور، لكن هناك فضاءات أخرى تشكلت خارجنا، منحتها وسائل أخرى قيمة. والتي يمكن أن تساعدنا بقصد الخروج من الخصوصيات، ومن القوميات الضيقة، ومن المحليات المقيتة. لأن هذا يمكن أن يصنع معرفة. وهذا ما ينبغي أن تكون عليه الكونية. فضاء تتشكل فيه التجارب وتنبني فيه العلاقات بين الأشخاص، وبين الأفكار، وبين الأشياء، وبين الفرد والآخرين: وليس بشكل مجرّدٍ بين المفاهيم. لأن هذا يعني الاستماع للأشياء بروية وعمق. فأن تعرف يعني أن يكون لك اتصال فوري ومباشر. والجامعات هي أماكن تصاغ فيها مسارات المعرفة أكثر منها لنقل المعارف، وهي التي غالبا ما تنشأ خارجها، إذ ينبغي عليها أن تكون فضاء على تلك الشاكلة: فضاء للتواصل ولنسج العلاقات المباشرة وليس الواسطية، حتى تساعدنا على طرح الأسئلة الصائبة. لأنه كما يذكر كانيتي، «الجهل ينبغي ألاّ يتقلص بالمعرفة»، وبالتالي ينبغي أن نكون على أهبة، لكل إجابة، وطرح على الأقل سؤالين جديدين. كما هو الشأن في حكاية مروية: فقد سأل شخص ظريفٌ رجلا حكيما لماذا من عادة الحكماء دائما الرد على السؤال بسؤال آخر؛ أجاب الحكيم: «ولِمَ لا؟». فالمعرفة هي فضاء الأسئلة والأجوبة المشرعة على أسئلة جديدة. وهذا في العلاقات بين الأصدقاء كما الشأن مع الكتب أو مع الأساتذة أو مع أي كان.
ينبغي تذوّق العالم ولكن ليس بقراءته فحسب. ففي اللغة الإيطالية فِعل «عرف» -sapere- قريب المبنى من «تذوّق» –sàpere-. وبالتالي فالمعرفة الحقيقية لا تُقرأ ولا تُلقَّن: يحصل اللقاء معها، تُلمَس بالأيدي، يتمّ التحاور بشأنها سويا، تغذّينا، ونقع في غرامها. نعيش معها أحاسيس، تجعلنا نتحرك ونخرج من عالمنا الخاص لنلج عالما أرحب وأكثر كثافة.
لا نريد بهذه المقتطفات المتناثرة إقناع أي أحد. بل «نكتفي بالحثّ على التأمل دون محاولة الإقناع» كما يقول جورج براك. ندعو فقط إلى عدم التساهل المبكر مع تواري القراءة كما عرفناها نحن. ثمة أشكال مغايرة لمطالعة كتاب العالم. وهو ما يمكن أن يساعدنا في قراءة أصوب للكتب التي تحدِّثُ عن هذا العالم.


اقرأ أيضا