الاتحاد

الملحق الثقافي

تجْربـةُ القــراءَة

محمد بنيس

1
عندما نتكلم، في العصر الحديث، عن القراءة فالمقصود منها قراءة الكتاب، بالدرجة الأولى. زمن هذا المعنى يعود إلى اختراع المطبعة، التي نقلت الكتاب من المخطوط الذي يبقى محصوراً في نخبة، إلى المطبوع الذي جعل القراءة عملية ديمقراطية، يمارسها جميع المتعلمين من أفراد المجتمع. من هنا شكّل الكتاب المطبوع ثورة في بناء العقلية العلمية، المفكرة، المبدعة في جميع المجالات. ومعها انتقلت البشرية إلى عهْد جديد، أهمّ مكتسباته الحرية والإبداع.
لكن استفادة المجتمع العربي من الكتاب ظلت محدودة. فأغلبه لا يقرأ الكتاب. وحتى الفئة القارئة أصبح عددها اليوم يتقلص، بسبب تفضيل ثقافة وسائل الاتصال الاجتماعي أو الألواح الإلكترونية. ولا شك في أن الأطفال والفتيان هم الفئة العريضة من القراء، الذين يميلون في غالبيتهم، اليوم، إلى استعمال وسائل الاتصال الاجتماعي والألواح الإلكترونية. وهم في هذا يسايرون التوجه العالمي. كل مكان، من أمكنة تجمُّع الأطفال والفتيان من جنسيات مختلفة، يدلّك على هذا المشترك الجديد. في المدارس والمتنزهات ومحطات السفر. لن تتعب كثيراً في رصْد الوافد الجديد، وهو يستقرّ في المدن الحديثة، بل ينتشر أحياناً حتى في البوادي.
تفضيل الأطفال والفتيان، في المجتمع العربي، وسائل الاتصال الاجتماعي والألواح الإلكترونية، إشارة إلى الأكبر سنّاً. الطلبة، ثم الفئة الواسعة من المتعلمين، خاصة المثقفين من بينهم. الألواح الإلكترونية أو الحواسيب المحمولة تنتشر أكثر فأكثر. وهي تعني هجران الكتاب الورقي في التزود بالمعلومة، أو الاطلاع على موضوع والبحث فيه، أو قراءة كتب من أصناف شتى، من أعمال أدبية وفكرية وعلمية. لا تسأل أحداً من الكبار عن سبب تفضيل الألواح الإلكترونية. إنه سينظر إليك بعين ساخرة، مستهزئة، منتشية بما يستبطنه السؤال من البلادة والتخلف. لا تسأل أحداً. حاول فقط أنْ تلاحظ. ثم لك بعد ذلك أن تفكر.

2
بهذا تعاني مجتمعاتنا عدم قراءة الكتاب إجمالاً، وبأي وسيلة، وهجران الكتاب الورقي إلى وسائل الاتصال الاجتماعي والألواح الإلكترونية. وهو ما لا ينطبق على العالم المتقدم، الغربي والآسيوي، جنباً إلى جنب. تعنيني المقارنات، حين تضيف شيئاً ذا فائدة. نحن هنا أمام عالمين وعقليتين: عالم عربي يحصر القراءة في التعلم والحصول على عمل أو وظيفة، تلك حدود فاعلية القراءة؛ لذا لا تتوافر البيوت العربية على مكتبات، أما في العالم المتقدم، فالقراءة تعني أولاً الوصول إلى أجوبة عن أسئلة تتجدد مع الحياة. فالقراءة، وقراءة الكتاب، تفيد في مساعدة الشخص على البحث عن معنى العالم الذي يعيش فيه ويعيش إبدالاته، كما تساعده على مواكبة المستجدات في الحقل الذي يتخصص فيه.
أجمل ما تعلمته من القراءة هو الانتقال من البديهة في الإقبال على ما أقرأ، إلى التأمل والتفكير وبذل المجهود في التذوق الجمالي لقصيدة أو رواية أو فكرة فلسفية أو علمية. هو ذا، بالنسبة لي، سرُّ قراءة الكتاب الورقي. أختار الوضع الملائم في الجلوس، حسب طبيعة الموضوع الذي سأقرأ، ثم أفتح الكتاب بهدوء. ألمس الورق، أشم رائحته، إن كان مظهرها من حُبيبات، أبحث عن الفهرس، أحدق في العناوين. وعندها أختار ما أبدأ به. أحياناً يتوافر الكتاب على مقدمة تستهويني قراءتها لأرى مدى صلاحية ما يتوجه به المؤلف أو مقدم الكتاب إلى القارئ، وأحياناً أترك نفسي تدخل إلى عالم الكتاب، مسافراً، لا علم لي بالجهة التي أقصدها.
ليس سهلاً هذا الفرق النوعي بين قراءة كتاب ورقي وبين قراءة كتاب أو شبه كتاب، أو حتى مادة قصيرة، على لوحة إلكترونية. إنه الفرق بين البديهة وبين الجهد الفكري، بين أن تقرأ نصاً في شكل صور، لا يتوقف تدفقها، تستقبلها وأنت لا تدري أنها تفرغ ذهنك من كل ما علمت وما أحسست، وبين أن تتفرّغ إلى عمل محدد، تمنحه كل طاقتك، تستنفر تاريخ قراءاتك وخلاصة حساسيتك، تنتبه إلى ما توافر لديك في السابق من معلومات ومعارف وأفكار، تسائلها في ضوء بحثك عن المعنى. قراءة البديهة هي قراءة القبول، الذي يعلمك، شيئاً فشيئاً، أن ما تقرأه يتضمن الحقيقة كلها، أنك مجرد تابع لما تقرأ، لا تحتاج إلى مجهود فكري تبذله من أجل خلق حوار مع عمل أدبي، أو مع فكرة فلسفية أو معرفية أو علمية. يقنعك، دون أن يستشيرك، بأن التأليف مجرد لعبة، اسمها الجديد هو القطع واللصق. كل ما تريد أن تؤلفه أو تكتب فيه موضوعاً، أكان قصيراً أم طويلاً، موجود بين يديك. اضغطْ على الزر وتفرج على ما تريد أن تنقل. لا حوار مع ما تقرأ، ولا جهدَ في البحث ولا في التأمل والتفكير.

3.
كل كتاب عظيم، مطبوع على الورق، كان يتقاسم معي الدعوة، بلغة صامتة، إلى فتح حوار نتبادل فيه الرأي. حوار متعدد الجهات. حوار مع تركيب لغوي، مع صورة، مع بناء إيقاعي، مع تعبير، مع فكرة، مع إحساس، مع حقيقة، مع حضارة، مع حالات نفسية وأوضاع اجتماعية وتاريخية. حوار لا ينتهي. أشطب وأبدّل. كتابٌ من هذا الصنف علّمني أكبر من كل هذا وأبعد. علمني الدهشة. علمني أن أشارك في خلق عالم جديد، يمر عبر حواسي ومداركي، وأنا أتأمله بكل يقظة فكرية وتوثب انفعالي.
من بين الكتب التي هيأتني إلى التعرف إلى دهشة القراءة لدى الآخرين، كتاب «دون كيشوت»، للإسباني ميجيل دي سرفانتيس (1547 - 1616). فهو يتناول القراءة بما هي مغامرة للانطلاق في طريق تؤدي إلى رؤيا، لا يبلغها إلا القادرون على السفر في ليل الكتابة. هذه المغامرة تبدأ برؤية «بحيرة كبيرة من سمك يغلي في فوران، بينما تعبرها وتسبح فيها ثعابين، وأفاع، وسحال، وأجناس أخرى من الحيوانات الغاضبة والمخيفة، ومن وسط البحيرة يخرج صوت في غاية الحزن يقول: «أنت أيها الفارس، لا يهمّ منْ تكون، أنت الذي تنظر إلى البحيرة المخيفة، إذا أردتَ بلوغ الكنزَ الذي يكمن تحت المياه السوداء، برهـنْ على شجاعة صدرك القوي وألقِ بنفسك في وسط سائلها الأسود المشتعل، لأنك إنْ لم تفعل ذلك لن تكون جديراً بأن ترى العجائب السامية، التي توجد فيها للجنيات السبعة سبعُ قلاع ترسُو تحت السواد».
هذه الرؤية التقديمية هي التي يفصّل سرفانتيس الحديث فيها لاحقاً. فالفارس (القارئ) الذي يلقي بنفسه في البحيرة، يجد نفسه في عالم تتوافر فيه مظاهر السحر الخفية، من حقول بنباتاتها العجائبية، ومعمار من المرمر، وقلعة محصنة من الياقوت والماس، بداخلها فتيات فاتنات، من بينهن التي تأخذ الفارس (القارئ) إلى عالم الشهوة واللذة. على هذا النحو يصور سرفانتيس العوالم المدهشة التي تفتحها القراءة للقارئ الذي يغامر باستضافة أعمال كبرى. ورغم أن زمن سرفانتيس كان زمن روايات الفروسية، وهو كان ينتقدها، فإن تصويره لمغامرة القراءة يظل غنياً بقوة الخيال وعمق التجربة.

4
تلك هي جمالية القراءة التي اكتشفها قراء عرب حديثون، تعرفوا بفضلها على الأدب العالمي وعلى الأعمال الفلسفية والعلمية، مثلما أعادوا اكتشاف أعمال عربية قديمة، لا تقل قيمتُها عن الأعمال التي بنت بها الشعوب الأوروبية حضارة أصبحت مرجعاً عالمياً. القارئ العربي الحديث يختلف عن القارئ العربي التقليدي، الذي لزم أعمال الزمن الماضي ولم يجرؤ على مفارقتها، أو الذي نراه اليوم يحصر الكتاب العربي في الكتاب الديني وحده، أي الكتاب الذي يتم تقديمه على أنه الذي يكتفي بنفسه، يتضمن جميع المعارف ويجيب عن جميع أسئلة الفرد والمجتمع، التي هي بدورها محصورة في الموت والآخرة.
والصحافة هي التي عملت على تقديم الأعمال الحديثة والقديمة، من خلال نشر قراءات نقدية وتعريفية كل يوم، أو مرة في الأسبوع، في صفحات ثقافية. فطنت الصحافة إلى أن قراءة الكتب وتقديمها يؤمنان لها عدداً أوسع من القراء، وفهمت أن تقديم الأعمال الثقافية دعم من جانبها لنشر وعي حديث بأهمية القراءة وفوائدها، أو بمتعتها ولذتها. وهي بهذا أدمجت الكتاب في فضاء اجتماعي وثقافي ومعرفي أوسع، سمح له باختراق الحياة التقليدية وقيمها.
وتكاملت الصحافة الثقافية مع الأندية الأدبية التي كان نقطة لقاء شبه يومي بين كتاب وأدباء وفنانين، يتبادلون خلاله الآراء في الثقافة والعلوم والسياسة والمجتمع والاقتصاد. وهي أمكنة بادر بإنشائها أشخاص من بين النخبة المثقفة أو من أبناء البرجوازية. ومن هذه النوادي، انتشرت أفكار وتيارات، ومنها تم التعريف بكتب تحولت من الحديث عنها، أو مع الكتابة في الصحافة، إلى مرجع مشترك بين أبناء الجيل الجديد من النخبة العربية. هنا وهناك يمكن وضع لائحة للصحف وللأندية، التي عملت على التعريف بالكتب والتشجيع على قراءتها.

5
نحتاج اليوم إلى القراءة، قراءة الكتاب الورقي تحديداً. لكأنني أقول إن الحصانة الوحيدة والممكنة، ضد الخراب الذي يحيط بنا من جميع الجهات، هي قراءة الكتاب. هناك من سيرى في هذا الكلام مبالغة، أو سيرى نكوصاً عن الانخراط الواقعي في الحركة العالمية لاستعمال الألواح الإلكترونية. وأجيب بأنْ لا مبالغة ولا نكوص.
لم يعد من الواقعي في شيء أن ننظر بعين التضاد الكامل بين المجتمع العربي وغير العربي. هناك اليوم مجتمع كوني، تخلقه مرحلة ما بعد الحداثة، يتمثل في إعادة تشكيل المجتمعات والمؤسسات والعادات والثقافات. ما يحدث في عالم اليوم، في الغرب والشرق، في الشمال والجنوب، ينبّهنا على معرفة الحدود بين ما يقبل المقارنة وبين ما لا يقبلها. بل إنني كثيراً ما أجد صعوبة في إقناع غربي بأن العالم العربي يعاني، بعكس العالم الغربي، من انهيار في قيمه الثقافية. وهو ما يدل على أن مسألة القراءة اليوم، وما تفترضه من تجديد التأمل فيها، ذات طابع عالمي. مع ذلك، لا ينبغي أن نتغافل عن الفروقات التي لا بد من الوعي بها، حتى لا نسقط في تبرير ما لا يوجب أيَّ تبرير.
أضع مؤشراً واضحاً، هو مكانة المكتبة في البيوت. من يتتبع الأفلام الغربية ويركز على التفاصيل، سيرى أن المكتبة موجودة في جميع البيوت. وهي اليوم موجودة بوفرة في العديد من المقاهي على امتداد البلاد الغربية والشرقية. أعتبر المكتبة مؤشراً، لأنها تضع حداً لتوهّم أن القراءة لم يعد لها رواد، أو أن الكتاب الورقي تخلى عنه القراء أو تخلت عنه دور النشر. معرض فرنكفورت العالمي للكتاب مصدر غنيٌّ لاستقاء المعلومات المباشرة عن وضعية نشر الكتاب في العالم. ومؤسسات دولية، في مقدمتها «اليونسكو»، توفر كل سنة جميع المعلومات عن الكتاب الورقي، وعن القراءة والقراء في العالم.
6.
قراءة الكتاب هي الحصانة الوحيدة، أقول مرة أخرى. وأقصد منها أن القراءة لا بد أن تأخذ مكانتها في المجتمع العربي. علينا أن نكف عن النظر إليها بما هي سلّمٌ تتوقف مهمته في الحصول على وظيفة. من النافع، بطبيعة الحال، أن نستعمل الألواح الإلكترونية والحواسيب المحمولة، ونتعلم طرق استعمالها، حتى نفيد منها إلى أقصى حد من ذكائها. هذا الاستعمال لا بد أن يكون مصحوباً بالوعي بمحدودية فائدتها. الكتاب حصانة، لأن موضوعات القراءة تتنوع بقدر تنوع معاني الحياة. فالكتاب الديني اختزل الحياة إلى معنى واحد ووحيد هو تأمين العبور إلى ما بعد الحياة. أما الكتاب الثقافي، فهو الذي يتناول الحياة، وهو الذي يدفع بالقارئ إلى استقبال المجهول.
نحن إذن ما زلنا ننتظر الخُطوة الأولى، التي هي اعتماد القراءة في حياتنا اليومية. لا أنْ نشجعَ الأطفال عليها فيما نحن الكبار لا نمارسها. مشكل غياب القراءة في الآباء وليس في الأبناء؛ لأن الابن الذي لا يرى أبويه يقرآن الكتاب يفهم أن المطلوب منه هو النجاح بتفوق في تعليمه كي يصل إلى استلام مكانته في المجتمع، ثم بعدها يتخلى عن القراءة، كما تخلى أبواه عنها. ونحن، في الوقت نفسه، بحاجة إلى استيعاب نظرية القراءة، بما هي انتقال من البديهة إلى الحوار والنقد.
زمنان في زمن واحد. زمن القراءة وزمن استيعاب معنى القراءة، ذلك ما نصطدم به في مجتمعنا. لقد ورثنا عن الثقافة القديمة، كما ورثت أوروبا عن ثقافتها القديمة، أن القراءة عملية استهلاكية، سلبية، يخضع فيها القارئ إلى العمل الذي يقرأ. فهو شخص تابع للمؤلف، يستسلمُ للغته، لشكله الفني، لآرائه، لبراهينه، لأحكامه، ولاستنتاجاته أو خلاصته. هذا القارئ عادة ما يقرأ بصوت مرتفع، يحب التلذذ بالإيقاعات الصوتية للعمل (الشعري، الأدبي، الفكري...)، ما دام الصوت سابقاً على الكتابة.

7
أما الشاعر الفرنسي ستيفان ملارمي، فقد دعا إلى قراءة قصيدته «رمية نرد» بطريقة ذهنية، يترك فيها الصوتُ مكانه للقراءة الصامتة، للتأمل وللمجهود الفكري في القراءة. ذلك ما أدى بمفكرين وفلاسفة إلى اعتبار دعوة ملارمي علامة على زمن شعري ـ معرفي جديد. وهو ما قامت على أساسه دراسات عديدة في الثمانينيات من القرن الماضي في فرنسا. ويعتبر كل من رولان بارط وجاك ديريدا في مقدمة البانين للمفهوم الجديد للقراءة، ومنه انتقل إلى حقول معرفية واسعة في كل من أروبا والولايات المتحدة الأميركية واليابان، على الخصوص.
المفهوم الجديد للقراءة يبطل مفهوم القارئ التابع للمؤلف، ويظهر أن القراءة حوار نقدي. فالقارئ، بهذا المعنى، يقوم بعملية إيجابية، يكون فيها مبدعاً لا خاضعاً، ويعيش خلالها تجربة متفردة. إنه مخترع العمل، يتدخل فيه عبر سلسلة من التوقفات والانقطاعات، ومن ثم يتولى وضع إمضاء مضاد لإمضاء المؤلف. وهو ما تلخصه كلمة جاك ديريدا: «يجب في الوقت ذاته أن تعرف القاعدة وتتجاهلها».
قراءة نقدية عرفت في نهاية القرن العشرين تطبيقات في مجالات عديدة، شملت الأدب والفلسفة، كما طالت المعمار والصورة، على سبيل المثال. فالقراءة النقدية هي التي فتحت أفقاً جديداً لإنسان مبدع، مشارك، جريء، يقبل بالمغامرة التي مجّدها سرفانتيس، من أجل الوصول إلى لحظة الدهشة.

8
فكرة القراءة تصبح ذات قوة مبدعة، في الذات الفردية والجماعية، عندما تركز على الكتاب المطبوع وتشجع على التحرر من قراءة البديهة. تاريخها الطويل يحمل في ثنياته مفهوماً تحول إلى عائق، يلجم طاقة القارئ؛ لأنه يتوجه إليه بضرورة الإيمان، والاعتقاد بما يقرأه في العمل، أيِّ عمل. لذلك فإن القراءة التي تنحصر في الألواح الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي مجرد شريط من الصور لا يتوقف، يشجع على الكسل الفكري وانعدام الجرأة وهجران الإبداع. كما أن قراءة البديهة تعطل طاقات القارئ، توهمه أنها طريق آمنة، عليه أن يخضع فيها لما يُملى عليه.
ضد هذه القراءة السلبية وقفت الحركة الشعرية العربية في الثمانينيات من القرن الماضي. دعوتها كانت صريحة إلى إبطال مفعول قراءة البديهة، وإلى تبني قراءة نقدية، يعيد بها القارئ بناء العمل الذي يقرأ، وبناء ذاته والحقائق التي يهتدي إليها بمجهوده. بتلك القراءة وحدها كان من الممكن للقصيدة العربية أن تتوجه كعمل ناقص نحو قارئها، تحثه على مشاركة إيجابية، بها يستقبل قصيدة، ويتولى بنفسه إمضاءها.
بيننا اليوم وبين الثمانينيات من القرن الماضي عهود. نحن في زمن الألواح الإلكترونية، وفي زمن القطع واللصق. كل شيء جائز. وتجديد الدعوة إلى القراءة، قراءة الكتاب الورقي، تصبح أكثر فاعلية عندما نحرّض القارئ على الوعي بضرورة مشاركته في استقبال الكتاب، على أرض تبني مستقبلها على ثقافة الكتاب.

محمد بنيس
كنا نصغي بخشوع أكبر لصوت «الساحر» الهادئ... وكان كتابه المفضلون من الروس. كان يقرأ لنا القوزاق لتولستوي، والأمثال الطفولية جداً، وذات الفحوى التربوي المبسط جداً، التي كتبها في مرحلته الأخيرة... كنا نصغي إلى قصص غوغول وحتى إلى عمل من أعمال دوستويفسكي - أقصد ذلك العلم الهزلي المقلق الذي يحمل عنوان: قصة أليمية.
ليس هناك أدنى شك من أن الساعات المسائية الجميلة التي كنا نقضيها في مكتب والدنا لم تكن تحرض مخيلتنا فحسب، بل وفضولنا أيضاً. فما إن يتذوق المرء لمرة واحدة السحر الجذاب للأدب العظيم والراحة التي يمنحها حتى يحاول أن يتعرف دوماً على أعمال عظيمة أخرى.

متعة القراءة - دانيال بِناك
ص (70-71)

قراءة الكون
يقول غاليلي في كتابه «الفاحص» أو «المجرّب»: «إنّ الفلسفة مكتوبة في هذا الكتاب العظيم المفتوح أمامنا على الدوام (أنا أتكلم عن الكون)، لكنّنا لا نستطيع فهمه إذا نحن قبلُ لم نتعلّم كيف نفهم اللغة ونعرف الحروف التي كُتب بها. إنّه مكتوب بلغة رياضية والحروف مثلثات ودوائر وأشكال هندسية أخرى، من دونها من المحال أن نفهم كلمة. من دون هكذا وسائل، يظل المرء بلا هوادة في متاهة مظلمة».

اقرأ أيضا