الاتحاد

ثقافة

بهارات ثاكور.. يذهب في اللوحة للمكان الذي أتى منه

نوف الموسى (دبي)

قطف بهارات ثاكور أولى الألوان من زهرة في أعالي الجبال البعيدة، بينما هو في رحلة تأمل طويلة، يبحث خلالها عن ذلك الشاهد القابع بين الروح والجسد والعقل، يُسمى بـ«الملاحظ»، المتناسل من فعل الـ«الانتباه»، ذلك الشيء واللاشيء الشفاف جداً والرقيق إلى نحو لا يمكن التعرف عليه إلا إذا فقد الإنسان معناه. وقليلٌ من يمكنه العيش دون معنى، وقليلٌ أيضاً من يقرر أن يكون فناناً مجرباً لتحدي الصراع بين «البذرة» و«التربة» وعاملها الخارجي. تكون هناك في الظُلمة الحالكة جداً وحدك، تحفر فيها كأنك في مقبرة، وتنساب منها كأنك الريح الهبوب أتت من سماء صافية، غريبٌ وضعك، تجلس هنا في خندق يحلو لك تسميته ب الطريق إلى الحضور للحياة من جديد. بهارات يريد العمل على الفن، لإحداث التناص بينه وبين المصدر الكليّ. يبدأ بالماء قبل كل شيء، يُدخل اللوحة في حمام دافئ، تتشرب الخيوط البيضاء ويتحول الـ«كامبس» إلى جبل من الثلج يذوب ويذوب، واختياره للون جاء بعد التسليم الجذري لكل زهرة وأخرى، فلا رحيق يشبه الذي قبله، ولا عطر يُصنع بمثل الذي بعده. وشرط ذلك أن تلمس بيديك كل شيء، وتعين روحك على الرقصة الأبدية، ولا يُعقك الرحيل والتخلي عنها، متى ما طلبت منك ذلك، نعم.. ستأتي اللحظة التي تطلب فيها لوحتك الذهاب عنك ومنك. دعها.. تذهب، وعد أنت للتيه مجدداً.
حرفياً.. يرمي بهارات الألوان على اللوحة، ولا يفضل فعل «وضع» اللون على اللوحة، ومجازياً فإن فنتازيا حركة اللون وعشوائيته الوجودية، تصل إلى ذروة التشكل، أمام انعدام التفكير. بهارات بنفسه أكد المسألة وقال: حاجتنا للعقل تولد من إحساسنا بالغباء من دونه. متى يمكن أن تعرف أن اللاعقل هو أسمى مراحل الوصول، فأنت تضع مجهودك الكامل في الاتصال بالمصدر، والعقل كعادته يُحدث الفصل والانقطاع، بل أنه رخيص جداً، ولا يمكنه العيش إلا على فكرة يبيعها لك ليأسرك ويتحكم فيك ويتلذذ بسطوته، بينما الاتصال الكوني بعظمته، يجعل من الماء شراباً ساحراً يصعد بك إلى المجرات البعيدة، بمحض وعيك دون أن تفقد إرادتك الكاملة، بل تتنازل عنها طوعاً، وصولاً لما لا يمكن وصفه، وهنا تحديداً يأتي عقلك مستكيناً يطلب عفوك، ويأتمر بنواياك الهادفة لتكوين الجمال بتناقضاته. لا يحتاج بهارات للذهاب إلى البحار والأنهار والصحاري، فهو يرسم في بيته، بجانب حديقته المليئة بأشجار القهوة، فالاتصال الكوني يكفل له بأن تأتي الأشياء إليه وتعيش فيه، وصفها بهارات: بتلك اللحظة التي تبدأ فيها اللوحة بإخباره كيف يرسمها، وكيف يبتعد عن تلك الزوايا، وكيف يذوب الحدود واللاحدود. إنها الدخول إلى المعرفة اللانهائية، النابعة من واقع تجربة وإسقاط كليّ لما يتعلمه الفنان.
مضحك جداً، وشيء يدعو بهارات للجنون أحياناً، في السابق عندما كان يرى في أعماله عملاً جميلاً يستحق التقدير، لم يكن أحد يشتريها، وبعد أن أصبح لا يكترث بما يفعل في أعماله الفنية، دخلت جميعها في مرحلة ال «Sould Out»، تباع بشكل سريع ودون توقف. يفسر بهارات الظاهرة بأنها (علم) يسري وفق أنظمة كونية عجيبة، وللأسف لا يعلم أغلب الفنانين هذا السر، ويحزنون جداً لأنهم لا يستطيعون بيع لوحاتهم التي يعتقدون أنها تقدر ب 30 ألف درهم، سوى ب 300 درهم، لأن جّل الحكاية مرتبطة بمستوى اتصالك الكوني، والأغلب يخاف التجاوز والوصول إلى تلك الأبعاد المجهولة. اذهب إلى أبعد من نفسك، أبعد بكثير، فالموضوع برمته يعتمد على رحلة الاكتشاف، ورغم ما يجنيه بهارات، من بيع لوحاته، يشعر بأنه عالق الآن في هذه المرحلة، ويود الذهاب إلى أبعد من ذلك، خاصة أنه طوال الوقت، يركز على مسألة التوازن، والوقوف في الفراغ بين شيئين، فمتى ما اختار بينهما فهو هالك لا محالة.
اختار بهارات ألوانه، عبر عجلة الألوان الدائرية الشهيرة بتدرجات تصل إلى نحو ال 92 لوناً، كما فعل بيكاسو مع الأسود والأزرق والأحمر، أما دالي فتجلى مع البني والأصفر والأسود. بابتسامه خفيفة تشبه فرح الأطفال عندما يمسكون الفرشاة لأول مرة، عبر بهارات عن طريقة سهله لاكتشاف ألواننا، نطبع عجلة الألوان ونصنع ثقباً في وسط العجلة الدائرية، ونحركها على بشرة أبداننا، ونقارن بين لون البشرة والألوان، ونكتشف كيف نشكل لون الجسد الفعلي، كتلك الحادثة المثيرة التي أصابت حياة جان باتيست غرونوي في رواية العطر الشهيرة للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، عندما عمل في مدبغة الدباغ جريمال، واكتشف روائح باريس العتيقة. وبعدها يأتي كما أوضح بهارات السؤال الكبير: ماذا أرسم؟ الناس يجعلوننا نعتقد أن رسم شيء ما له قيمة معينة، لذلك يتلهف الفنانين، للعمل على ما يوده الآخرين، ولكن يرفض هو أن يعيش بهذه الطريقة، ويجزم أنه يستطيع أن يرسم ما يريد وسيشتريه الناس، بل وسيعجبون به جداً.
ما حدث مع بهارات أنه بدأ يرى فرحة قصوى في أعماله الفنية، رقصة غير اعتيادية، نشوة موسيقية، يود أن يهيم بها طوال الوقت، فلم يختر طريقاً أبداً بل كان هو الطريق، وسيذهب كل مرة عبر لوحاته إلى المكان الذي أتى منه.

اقرأ أيضا

معرض فني يستعيد «علامات» آدم حنين «الفارقة»