الاتحاد

الملحق الثقافي

«اقرأ باسم ربّك»

ألفة يوسف

أوّل ما نزل من القرآن الكريم فعلُ: اقرأ، من سورة العلق التي تبدأ بقوله عزّ وجلّ : «اقرأ باسم ربّك الّذي خلق». وتقول الرّواية إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يتعبّد في غار حراء، ففاجأه الوحي فيه، إذ جاءه الملك جبريل، وقال له: اقرأ، فقال الرّسول: ما أنا بقارئ، فأخذه الملك وغطّه حتّى بلغ منه الجهد، ثمّ أرسله وقال: اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، خلق الإنسان من علق، إلى قوله: علّم الإنسان ما لم يعلم.

استند كثير من المفسّرين إلى هذه الرّواية لتأكيد أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان أمّيّاً بمعنى أنّه لا يحسن القراءة والكتابة، واعتبروا اضطلاعه بالرّسالة مع ذلك من وجوه الإعجاز. وفي مقابل ذلك ذهب آخرون، ومنهم الرّازي، إلى أنّ أمّيّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام تفيد انتماءه إلى الأمّيّين أي إلى أمّة لا تعرف الكتابة (1)، بشهادة قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (الجمعة، 2). أمّا المؤرّخ التّونسيّ هشام جعيط، فقد ذهب إلى أنّ عبارة النبي الأمّي تعني «النّبيّ المبعوث في غير بني إسرائيل» «المختار هو ذاته من بين أمّة من غير اليهود» (2).
والمهمّ في هذه الاختلافات والحوارات أنّها لتواترها ووفرتها تؤكّد أهمّية مفهوم القراءة في الإسلام باعتبارها متّصلة بأوّل ما نزل من الوحي. ويمكن أن نحصر معاني القراءة الممكنة في ثلاثة: المعنى الأوّل هو القراءة بمعنى التّلاوة، وهو ما يفيد ترتيل القرآن وفق قواعد اصطلح عليها المسلمون، ومن هذا المعنى سينشأ القرّاء الّذين سيكون لهم تأثير كبير في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، والمعنى الثّاني للقراءة يحيل على الإفشاء أي الإعلام والإبلاغ، ومنه القول الشّائع: «فلان يقرئك السّلام» أي فلان يبلغك السّلام، والمعنى الثّالث للقراءة هو إعطاء معنى للكلام وتحديد مفاهيمه، وبهذا المعنى تكون القراءة أقرب إلى التّفسير.

التلاوة
نعرض هنا لهذه المعاني الثّلاثة لا لتفضيل واحد منها، فلكلّ معنى السّياقاتُ الّتي تلائمه وتؤكّده، وإنّما نودّ أن نعرض لهذه المعاني في علاقتها بالعبارة المتّصلة بها وهي قوله تعالى: «باسم ربّك»، فما هي الأبعاد الممكنة للقراءة باسم الله؟
استناداً إلى المعنى الأوّل، تكون القراءة ترتيلاً للقرآن وتلاوة، وينقل لنا التّاريخ أنّ القرّاء، وأشهرهم ابن مسعود، كانوا «قادرين على ترديد النّصّ القرآنيّ الّذي كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، ترديداً أميناً وبصوت مرتفع مع كلّ دقائقه»3، وكانوا علاوة على التّلاوة من القلب قادرين على قراءة القرآن من المصاحف الّتي كانت حينئذٍ قد بدأت تتكاثر بوفرة4 إذ ينقل الطّبري أنّ القرّاء «كانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة»5. وسواء أكانت القراءة من الذّاكرة أو من المحمل المكتوب فإنّها في كلّ الأحوال لا تعدو أن تكون تكراراً لفظيّاً للكلام الإلهيّ الّذي نزل على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام. ولعلّ المرور من المشافهة إلى الكتابة هو محاولة للحفاظ على القراءة باسم الله تعالى لأنّ التّناقل الشّفويّ يحتمل الخطأ والنّقصان البشريّين، ممّا حرص صحابة الرّسول أشدّ الحرص على تلافيه، فقد بدأ الاهتمام بالحفاظ على القرآن من خلافة أبي بكر الّذي جمع أجزاء من القرآن، وعمل منها مدوّنة حفظها دون أن يهتمّ بنشرها وتعميمها6. وورث عمر بن الخطّاب هذه المدوّنة، وأعطاها لابنته حفصة زوجة النّبي. وتحت خلافة عثمان بن عفّان تمّ جمع القرآن وحفظه بالشّكل المنقول لدينا اليوم، وهذا ما يفسّر أنّ التباينات القائمة بين القراءات القرآنيّة ليست إلاّ تباينات طفيفة جدّاً. والمهمّ ممّا سبق كلّه أنّ قراءة القرآن بمعنى تلاوته إنّما هي قراءة باسم الله الّذي أنزل الذّكر وحَفِظه. هي قراءة باسم الله بمعنى أنّ اسم الله هو جوهر التّلفّظ فيها، لأنّه هو الّذي يعطيها هويّتها بصفتها كلاماً إلهيّاً.

النشر والإفشاء
ولعلّ دور التّلاوة في حفظ القرآن متّصل أشدّ الاتّصال بالمعنى الثّاني للقراءة أي النّشر والإفشاء، فنشر الدّين الإسلاميّ جوهرُه نقل القرآن كلامِ الله بصفته الحامل لا فحسب لأسس الدّين وشعائره، ولكن بوصفه المعبّر عن أسس سلوك معتنقي الإسلام من جهة والمبيّن لتمثّل الإسلام لموضع الإنسان في الكون وعلاقته بالله تعالى وبسائر المخلوقات. إنّ اختلاف الإسلام عن الدّيانات الكتابيّة الأخرى يقوم أساساً على طبيعة النصّ. وإذا استثنينا المنطلق الاعتقاديّ الإسلاميّ الّذي يعتبر أنّ التّوراة والأناجيل محرّفة، وإذا اعتمدنا فقط على قراءة عقلانيّة لكتب التّاريخ وحتّى لما تقوله كتب المختصّين في اليهوديّة والمسيحيّة لوجدنا اختلافاً كبيراً في طبيعة النّصوص بين القرآن كتاب المسلمين من جهة والتّوراة والأناجيل من جهة أخرى، فنحن نجد في اليهوديّة التّوراة وهي متألّفة من خمسة كتب تحمل قوانين تعود إلى عهد موسى عليه السّلام، ورغم وجهات النّظر المتعدّدة في تحديد طبيعة التّوراة فإنّ القول الشّائع يعتبر أنّها ممّا كتبه بشر عبر التّاريخ، انطلاقاً من خطاب الله تعالى موسى عليه السّلام. وفي المسيحيّة، نجد جماع أناجيل مسندة إلى تلامذة عيسى عليه السّلام أو إلى مقرّبين منهم، وهذه الأناجيل قد كُتبت عبر سنوات طوال ناقلة كلام عيسى عليه السّلام وأخباره. والمهمّ أنّه لا التّوراة ولا الأناجيل تحمل سمة القرآن بصفته قولاً لا يتدخّل العنصر البشريّ في دالّه، ويكتفي فيه الرّسول بأن يكون مجرّد ناقل للوحي. إنّ القرآن سواء اعتبر قديماً أو محدثاً هو كلام الله تعالى، ومن هنا فإن إقراءه أو نشره لا يكون إلاّ باسم الله تعالى وحده دون سواه، فالرّسول بلّغ الوحي أي أقرأه باسم الله عزّ وجلّ، والمسلمون نشروا الإسلام عبر الأصقاع فكانوا بدورهم مبلّغين للقرآن وناشرين له باسم الله عزّ وجلّ. ومن هنا تكون القراءة باسم الله تبليغاً جماعيّاً للدّال الإلهي.

التفسير
ونأتي في مرحلة أخيرة إلى المعنى الثّالث للقراءة أي التّفسير، فكيف يمكن القول إنّ القراءة بهذا المعنى هي قراءة باسم الله تعالى؟
إنّ جلّ المشتغلين بتفسير النصّ الدّينيّ يذكرون كلام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «القرآن لا يتكلّم وإنّما يتكلّم به الرّجال»، وهذا ما يجعل القرآن بالضّرورة «حمّال أوجه». وليس هذا التّعدّد التّفسيريّ والتّأويليّ ممّا أثبته عليّ فحسب، وإنّما نجد صداه بمجرّد نظرة متأنّية في كتب الفقه والتّفسير والتّأويل وعلوم القرآن، فلا تكاد تخلو آية واحدة من تعدّد التّفاسير وتنوّعها، بل إنّ أغلب التّفاسير الشّهيرة شأن تفسير الطّبري وتفسير ابن كثير وتفسير الرّازي، على سبيل المثال لا الحصر، تقوم من حيث بنيتها الدّاخليّة على تعداد الأقوال الممكنة في النّصّ المزمع تفسيره، فتجد قولاً أوّل وثانياً وثالثاً ورابعاً إلخ. وفي كثير من الأحيان يذهب المفسّرون إلى ترجيح قول دون آخر وفق حجج وزوايا نظر يثبتونها.
إنّ هذا التّعدّد وإن يكن خاصّية شاملة كلّ التّعابير اللّغويّة بأشكال مختلفة ووجوه متنوّعة، فإنّه يكتسب في مجال القرآن خاصّية أساسيّة مفادها أنّه يمكن في الكلام البشريّ العودة إلى الباثّ الأصليّ لتوضيح المعنى المقصود. وهذه العودة مستحيلة بالنّسبة إلى القول الإلهيّ لا سيّما بعد وفاة ناقله البشريّ، وقد عبّر الزّركشي عن هذه الميزة القرآنيّة إذ قال: «أظهرها أنّه كلام متكلّم لم يصل النّاس إلى مراده بالسّماع منه ولا إمكان للوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار فإنّ الإنسان يمكن علمه بمراد المتكلّم بأن يسمع منه أو يسمع ممّن سمع منه. أمّا القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلاّ بأن يسمع عن الرّسول عليه السّلام، وذلك متعذّر إلا في آيات قلائل»7.
ومن هنا، يكون كلّ تفسير هو كلام على كلام، أو هو قراءة بشريّة للنّص الإلهيّ، على أنّ تأكيد القرآن أنّ القراءة تكون باسم الله ليس إلاّ تأكيداً لما أقرّه الزّركشي من عدم إمكان القطع في التّفسير والتّأويل. بعبارة أخرى: يجب أن يكون القارئ للقرآن، على هذا المعنى للقراءة أي التّفسير، واعياً بأنّ كلّ ما سيقدّمه من افتراضات، وكلّ ما سيذهب إليه من دلالات وكلّ ما سيثبته من إشارات ليس إلاّ إمكاناً بشريّاً، حيث تتعدّد المعاني وتتصارع وتتضارب. إنّ كلّ قارئ للقرآن من واجبه الإدلاء بدلوه في القراءة، ومن واجبه تقديم رؤيته في التّفسير، ألا يؤكّد الله تعالى ضرورة تدبّر القرآن8؟ ولكن على القارئ أن يعي أنّ هذه الرّؤى والمعاني والتّفاسير والقراءات لا يمكن اعتبار واحد منها ممثّلاً لحقيقة النّصّ، ولا يمكن من ثمّ فرض واحد منها على المسلمين دون آخر بالقوّة. على قارئ القرآن أن يعي أنّه لا يمكن أن يقرأ إلاّ باسم الله تعالى، والقراءة باسم الله في هذا المستوى تعني أنّ كلّ ما يقوله القارئ إمكانات تأويليّة تشير إلى التّأويل الأوحد الّذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى9. إنّ كلّ معاني القرآن المثبتة قديماً وحديثاً هي معان ثوان تشير إلى المعنى الأصليّ، أي إلى القرآن في اللّوح المحفوظ قبل حدثانه. ومن هذا المنظور فإنّ القراءة البشريّة من الأعمال الثّواني لا يمكن أن تكون إلاّ باسم الواحد الأوحد السّابق لها تشير إليه ولا تمثّله.
استناداً إلى ما سبق يمكن أن نقرّ أنّ القراءة باسم الله تتّصل بالدّالّ وبالمدلول، فهي تتّصل بالدّالّ في مجال التّلاوة ترسيخاً للأصل الإلهّيّ للقول، وهي تتّصل بالدّال أيضاً في مجال نشر الدّين، تأكيداً لقيام الدّين وتبليغه على النّص المؤسّس، وهي تتّصل بالمدلول تأكيداً على أنّ القراءة البشريّة ثانية إزاء المعنى الأصليّ الجوهريّ الّذي لا ينقال.
إنّ هذا كلّه يؤكّد أنّ القراءة لا تكون إلاّ باسم الله تعالى، ويفسّر أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بعد أن قال: ما أنا بقارئ، لم يقرأ إلاّ باسم الله تعالى شرطاً لفعل القراءة جوهريّاً...

..........................................
1- فخر الدّين الرّازي، مفاتيح الغيب، بيروت، دار الفكر 1985، مج 2، ج 3، ص 148.
2- هشام جعيّط: في السّيرة النّبويّة1- الوحي والقرآن والنّبوّة، بيروت، دار الطّليعة 1999،ص42.
3- Régis Blachère, Introduction au Coran, Paris 1959, p-104.
4- الفتنة الكبرى، ص97.
5- السّابق، الصّفحة نفسها.
6- ابن أبي داود، كتاب المصاحف، القاهرة 1936، ص 6. الفتنة الكبرى، ص 101.
7- الزّركشي، البرهان في علوم القرآن، بيروت، دار الجيل 1988،ج 1، ص 16.
8- «ألا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها» محمّد، 24.
9- يقول الله تعالى: «وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا»، (آل عمران). وقد اختلف المفسّرون في موضع الوقف، فذهب بعضهم إلى أنّ الرّاسخين في العلم يعرفون تأويل القرآن، وذهب آخرون إلى أنّهم يؤمنون به فقط. ونحن نذهب المذهب الثّاني لأنّ الاتّفاق على تحديد الرّاسخين في العلم ممّا لم يحصل عبر تاريخ المسلمين ولا يمكن أن يحصل، لا سيّما أنّ الله تعالى يؤكّد أنّه سيخبر النّاس فيما هم فيه مختلفون.

قدسية القراءة
(اقرأ): كانت الكلمة (الأولى) في الخطاب الإلهي (الأخير) الموجه إلى الإنسان، بها بدأت الرسالة، واختتمت النبوة، أية كلمة سحرية هذه، التي بها انقطعت الصلة بين السماء والأرض؟!
(اقرأ)! فإذا قرأت فإنك لن تكون بحاجة إلى إرشاد جديد من السماء، إنها الثقة الكبيرة التي منحها الله تعالى للإنسان، بعد أن وهبه العقل، والوسائل التي تكفل له تحصيل المعرفة، وأمره باستخدام هذه الرسائل وحذره من إهمالها وجعله مسؤولاً عن تعطيلها:
والقراءة، إنما يمارسها الإنسان باسم ربه الذي خلق، وبأمر صارم حازم منه تعالى، ذلك أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وليس من اللائق بخليفة الله في الأرض أن يكون أُمياً، بل يجب عليه أن يقرأ ليتخلص من جهله وأميته، ويكون جديراً بسجود الملائكة له.
ومثلما استمدت (القراءة) قدسيتها من قول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فإن اشتقاق اسم (القرآن) من (القراءة)، يضفي عليها مزيداً من القداسة. وبعض سور (القرآن) بدأت بأحرف مفردة مثل (أ. ل. م) (ع. س. ق) لتضفي القدسية على (الحرف) الذي تتألف منه الكلمات، ولتمنحه احتراماً ظل الناس يحافظون عليه، ما أظلتهم ظلال الحضارة، وعندما غربت عنهم شمسها، فقدوا احترامهم للحرف، وتقديسهم للكلمة، فأهملوها، ورموها في الطرقات، وألقوها مع النفايات، واتخذوا منها مقاعد ومتكآت، بدلاً من أن يرفعوها إلى رؤوسهم، لتكون زاداً لعقولهم، ونوراً لأفكارهم.

محمد عدنان سالم
كتاب القراءة أولاً

اقرأ أيضا