الاتحاد

تقارير

زيمبابوي بعد موجابي.. أي تغيير؟

في الأسبوع الماضي، وفي المنتدى الاقتصادي العالمي، أعلن الرئيس الزيمبابوي الجديد «إيمرسون منانجاجوا» أن «زيمبابوي باتت مفتوحة للاستثمارات التجارية».
وظهور «منانجاجوا» في دافوس بسويسرا، هو الظهور الأول له كرئيس لبلد، حكمه روبرت موجابي منذ استقلاله في عام 1980.
والآن، وبعد ما يُقال عن أنه تغيير للقيادة في زيمبابوي العام الماضي، فإن الكثيرين في المجتمع الدولي، باتوا حريصين على الاستثمار فيها. غير أن الولايات المتحدة، وغيرها من البلدان التي ناصرت القوى الديمقراطية في زيمبابوي لزمن طــويل، لا ينبغي أن تنخدع بتمثيلية لم تنجح الطغمة العسكرية الحاكمة في إخفاء ملامحها جيداً.
إن الاندفاع لمساعدة بلد ما بمجرد تخلصه من براثن ديكتاتور وحشي، أمر مفهوم، بل وجدير بالثناء. ففي مثل هذه الحالات، ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها دعم قوى الحرية، والفرص الاقتصادية. وعلى الرغم من أن هذا كان هو نمط الاستجابة، في العديد من الأماكن في جميع أنحاء القارة الأفريقية، بما في ذلك إثيوبيا بعد سقوط «منجيستو هايلا مريم»، وليبيريا بعد الإطاحة بتشارلز تايلور، ومؤخراً جامبيا؛ إلا أن ما حدث في تلك الدول كان تحولات تاريخية حقيقية، أما ما حدث في زيمبابوي فهو ليس كذلك.
في نوفمبر الماضي، وضع موجابي قيد الإقامة الجبرية، ثم طرد في نهاية المطاف من قبل جيشه. وعقب ذلك تدفق الآلاف من الناس إلى الشوارع، جنباً إلى جنب مع الدبابات، والجنود النظاميين، للاحتفال برحيل الرئيس. ولكن هذا لم يكن انتفاضة شعبية من أجل استعادة الديمقراطية؛ وإنما كان تغييراً مدبراً بشكل جيد، بغرض الحفاظ على الوضع القائم. فالوضع في زيمبابوي الآن هو، وللأسف، أن موجابي قد رحل، ولكن سياساته لا تزال موجودة.
«منانجاجوا» ليس ديكتاتوراً مثل موجابي، وإنما هو رجل أكثر ذكاءً وفهماً، ويعرف جيداً كيف يلعب اللعبة الدولية. لذلك رأيناه يتعهد بإجراء انتخابات «حرة ونزيهة» بحلول شهر أغسطس، وإحياء الاقتصاد الفاشل، وقام بحملة علاقات عامة نشطة، وحملة جريئة في وسائل التواصل الاجتماعي، كان لهما تأثير فيما حظي به من تغطية صحفية متعاطفة، واستقبال دافئ في دافوس. ويأمل «منانجاجوا» في جذب المستثمرين وإقناع الولايات المتحدة وغيرها، برفع العقوبات التي تستهدفه، هو وحلفاؤه بشأن انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان. كما يدفع بقوة من أجل قيام البنك الدولي بمساعدته على سداد ديونه الضخمة، ومنحه قروضاً جديدة.
ومع ذلك فإنه من المبكر للغاية القيام بتبني المجلس العسكري، أو تقديم يد المساعدة له، وهو يرجع لعدة أسباب: أولاً، ما يطلق عليه «النظام الجديد» في زيمبابوي ليس جديداً في الحقيقة، ففي حين غادر «موجابي» وزوجته «جريس» البلاد، فإن من يسيطرون على الأوضاع فيها الآن، هم نفس الأعوان الذين ساعدوا على إبقاء «موجابي» في السلطة لما يقرب من 40 عاماً، ومنهم نائب الرئيس الجديد، «كونستانتينو تشيوينجا» وهو الجنرال الذي كان قاد حملة للحفاظ على موجابي في السلطة بعد هزيمته في الانتخابات عام 2008، ومنهم أيضاً «سيبوسيسو مويو»، الضابط الذي أعلن استيلاء الجيش على التلفزيون الحكومي، ويشغل الآن منصب وزير الخارجية، وهناك كثيرون غيرهم.
ثانياً، على الرغم من الخطاب السائد، إلا أن الحقيقة هي أن منانجاجوا لا ينوي أن يخسر الانتخابات. فمسؤولوه اعترفوا بالفعل بأن الجيش سيحافظ على بقائهم في السلطة، كما أن وسائل الإعلام الحكومية بدأت مرة أخرى في تشويه صورة الناشطين في مجال حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أيضاً أن الحزب الحاكم، لديه سجل حافل في تزوير الانتخابات، فإننا سنتوصل لخلاصة مؤداها أنه من الصعب إجراء انتخابات حرة ونزيهة في هذا البلد.
ثالثاً، لم يكن موجابي وحده هو الذي ينهب البلاد، فمسؤولو النظام الذين يتحدثون عن التجارة والأعمال الآن، هم نفس أعضاء الزمرة التي دمرت اقتصاد زيمبابوي بشكل منهجي، وأثرت ثراءً فاحشاً على مدى عقود من خلال الاستيلاء على المزارع والمناجم والشركات. تفيد تقارير أن زيمبابوي قد فقدت 15 مليار دولار في صورة عائدات جرى نهبها من عائدات استخراج الماس.
وأخيراً، هناك جرائم الحرب. ففي أوائل الثمانينيات، قتلت القوات الحكومية ما يقدر بـ20 ألف مدني، من بينهم نساء وأطفال، وحتى يومنا هذا، لم تتم مساءلة أي ضابط أو سياسي واحد عن هذه المذبحة. وعندما سئل منانجاجوا عن تلك المذابح في دافوس، قلل من شأنها، ورفض الاعتذار عنها.

*نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون أفريقيا، وزميل رفيع المستوى في مركز التنمية العالمية.
**المدير التنفيذي لشركة «فانجارد أفريكا» غير الربحية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا